محرز شلبي
من المعلوم بأن الأدب العربي مر بمراحلَ أولُها العصر الجاهلي الذي كان عبارة عن ملاحظات وآراء شعرية ونثرية أساسها الذوق السليم والفطرة الطبيعية، وقد انكشف الأدب في مباريات وأندية كسُوق عُكاظ الذي كان يَعُج بأهل الشعر وتعرض فيه الأحكام الشعرية و النقدية.
وجاء بعد ذلك ما يسمى بالاستشراق حيث كانت المراجعة والتنقية حول مخطوط العرب حيث جمعوا الكتب، ونشروا نفائسها وأنشؤوا المكتبات وأسسوا المعاهد ووظفوا الأسلوب العلمي والمنهج الأكاديمي في بحوثهم، فكانوا في كثير من الأحيان قدوة للدارسين العـرب المحدثين من معلمي لغتهم ومؤرخي تراثهم وباحثي أدبهم ونقدهم.
** تعريف الاستشراق لغة واصطلاحا :
لكل لفظ له دلالته من ذاته أو من السياق الموجود فيه فلفظ استشراق / استشرق هي على وزن استفعال/ استفعل مؤلفة من مقطعين الأول وهو \” است\” والثانية \”شرق\”، ولفظ \” است\” لها دلالاتها في اللغة العربية، وهي دائما تدل على إبراز أو إظهار ما كان مخفيا أو ما حقه الظهور سواء علم أو لم يعلم، أو طلب أمر معين ويفسر دلالاتها ما تلحق به من لفظ، فيقال استخراج، أي إخراج أمر من باطن الأرض أو من غيره، مع العلم أنه موجود في ذلك المكان أو لم يعلم، وكذلك استغفار أي أظهر العبد توبة، وإظهار طلب الغفران من ذنوبه.
نرجع لكلمة استشرق ، فأصبحت تعني إظهار وإبراز ما كان موجودا في بلاد الشرق من علوم وأفكار، وما جادت به حضارات الشرق بصفة عامة، أو طلب ما فيه من أفكار وعلوم ومعارف.
أما باللغة الفرنسية Orienter تعني التوجيه والإرشاد وبالإنجليزيةOrientation \” أو orientate لا تخرج عن مفهومها باللغة الفرنسية في أنها تعني التوجيه ولاهتمام بجوانب معينة.
** الاستشراق الأدبي:
ارتبط الاستشراق، في الغالب، بالدراسات الفكرية والفلسفية للمجتمعات العربية والإسلامية كمجتمعات مغلقة على ذاتها تمارس طقوساً غريبة ومعقدة عصية الفهم على العقل الغربي،\” بالإضافة طبعاً إلى البعد الاستعماري وحاجة الغرب إلى مزيد من الدراسات والتحليلات اللازمة لفهم عقلية العربي والمسلم وآلية تفكيره ليسهل التعامل معه، أو بعبارة أخرى ليسهل خداعه ، هذا المفهوم البدائي لوظيفة الاستشراق لن يحول دون طرح التساؤل الخاص باقتصار الجهد الغربي على تلك النواحي ومكمّلاتها التي فرضها الواقع، حين لم يكن فن التصوير متاحاً في القرن الثامن عشر على سبيل المثال، فاستعاض المستشرقون بجيش من الرسامين الواقعيين لتجسيد تفصيلات الحياة اليومية في قصور الأمراء والأسواق الشعبية وتجارة العبيد والجواري.\”.(1)
** كلمة حق لابد منها :
من آثار الاستشراق على الأدب \” انفتاح الثقافة الإسلامية على الآفاق الإنسانية الواسعة، مستجيبة لمتطلبات التجديد المتواصل الذي لا يضب له معين، في شتى حقول الإبداع الفكري والفني،…، وفي إبداع الفنون والأدب…، بما يتاح له من وسائل اهتدى إليها عبر المسيرة الإنسانية الطويلة.\”.(2)
** الاستشراق عموما :
أخذ الاستشراق اهتماما بالغا في عصرنا هذا والذي قبله، وتنوعت أساليبه وأهدافه، ووسعت دائرته الأولى بعد أن كانت مقصورة على الحضارة الإسلامية لتشمل كل الحضارات والديانات الشرقية ومجتمعاتها، وتوظيف ما نتج منها وفيها لعدة غايات كالتشكيك في الديانات والتبشير، وتوظيف بعض الجوانب في التجارة والصناعة، والأهم من هذا وذاك الاستفادة مما نتج عند الشرقيين من أفكار وعلوم وآراء فطوروها وكيفوها وفق حاجياتهم، وما يرجون خدمة لأهدافهم، ومن العرب والمسلمين وغيرهم من المستهدفين بالاستشراق اهتموا أيضا به، فنظروا إلى ما قاله المستشرقون، فهذا يرد عن شكوكهم، والآخر يوثق ويجمع آراءهم وشروحهم، وثالث يقارن ويستنتج…، وللاستشراق عدة مستويات انطلق منها وله أهداف ووسائل.
** من أهداف الاستشراق :
هدف علمي مشبوه موظف في الإطار الأدبي \” يهدف إلى :
– التشكيك بصحة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ومصدرها الإلهي ، وسماوية القرآن .
– التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة النقد العلمي.\”.(3)
**المواجهة بين المؤيد والمشكك ..
لقد ثَّور المستشرقون عدة قضايا في أدبنا الحديث، وما كانا من بعض العرب إلا اختيار طريقهم ونهجهم، ومنهم من اكتفى بالرد عليهم وعلى أتباعهم مما أدى في النهاية إلى نهضة أدبية كبيرة خاصة في النصف الأول من هذا القرن، وظل صداه يتردد من حين إلى حين آخر إلى الآن وربما سيظل أمداً طويلا.
** كيف نشأ الاستشراق ؟
نشأ على إثر الصدام العنيف بين الحضارتين المختلفتين \” الإسلامية الشابة المتوثبة ،والمسيحية الغربية المترنحة المتخاذلة.\”(4)
** ظاهرة الاستشراق:
إن الاستشراق كظاهرة من المستحيل أن يتجاهل الباحث دراستها لأنه \” لا يتوقف أثرها عند حدود الأهداف المعرفية ، فالمعرفة هدف وغاية في مواطن كثيرة ، والاستشراق كظاهرة ثقافية لا يمكن فهم حركتها وتفسير تناقضاتها إلا في إطار نظرة شمولية .\”(5)
من أي مدرسة الاستشراق ؟
مدرسة فكرية \” ذات خصائص ودوافع وغايات ، وليس من السهل على الباحث أن يحيط بأسراره وأن يسكشف خطواتها ، وأن يلم بأهدافها ، فهي وليد صراع طويل \” (6) كما أسلفنا ذكره بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية ، وهي نتاج تجربة حية ، من تناقض وتباين بين عقيدتين.
**آثار المستشرقين في النقد الأدبي الحديث:
شارك الاستشراق بنهضة الأدب العـربي \” وهذا باعتراف الدارسين والباحثين، وقد اهـتم المستشرقون اهتماماً كبيرة بتأريخ وتاريخ لأدب العربي، حيث قٌسم تاريخ الأدب العربي حسب العصور السياسية المختلة-نظام الحكم- وما قام به القدماء العرب هو تصنيـف الأدباء حسب مواليدهم أو حسب وفاتهم وفي بعض الأحيان حسب أنواع مواضيعهم المختلفة.\”(7)
في مجال النقد الأدبي ومن خلال كتاب إدوارد سعيد (الاستشراق ) \” أدى إلى حدوث تغيير جذري في الفكر النقدي ، فبعد أن كانت الجماليات والبلاغات مستحوذة على هذا الفكر ، حاجبة ما في النصوص من أيديولوجيات ، استطاع إدوارد سعيد بتحليلاته العميقة الكشف عن تلك الأيديولوجيات في منطلقاتها وخياراتها وغاياتها.\”(8)
**في الختام :
إن ما أثاره الفكر الاستشراقي من استثارة لتراث العرب، جعل الرد هو السبيل الوحيد لإبطال بعض المزاعم وتصويب بعضها، وهذا ما انعكس على الأدب، حيث أينع ثمره وطفق يلوح إلى الوجود والعالمية.
ــــــــــــــــــــــــــ
المراجع :
محمد حياوي ، الاستشراق الأدبي ، موقع العربي اللكتروني ، 27/8/2017.
2 د.محمد فاروق النبهان ، الاستشراق تعريفه ، مدارسه ، آثاره ، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ، إيسيسكو ، 2012، ص5.
3 إشراف د.عبد العزيز بمحمد القعشمني ، إعداد الطالب صالح حمد حسن الأشرف ، الاستشراق مفهومه وآثاره، الموسم الجامعي 1437هـ/ 1438هـ، ص8.
4د.محمد فاروق النبهان ، الاستشراق تعريفه ، مدارسه ، آثاره ، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ، إيسيسكو ، 2012، ص8.
5 د.محمد فاروق النبهان ، الاستشراق تعريفه ، مدارسه ، آثاره ، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ، إيسيسكو ، 2012، ص7.
6 د.محمد فاروق النبهان ، الاستشراق تعريفه ، مدارسه ، آثاره ، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ، إيسيسكو ، 2012، ص11.
7 حمو عبد الكريم ، أثر الاستشراق في النقد العربي القديم ، دار ناشري للنشر الالكتروني ، 14 جانفي 2011.
8 د.تركي بن خالد الظفيري ، الاستشراق عند إدوارد سعيد ، مركز التأهيل للدراسات ، ط2، السعودية ،2015، ص66.





