د. نادية هشام عدلي محمود
تُعد فترة الغزو المغولي للعالم الإسلامي من أحلك الفترات التي مرت على المسلمين، فمن المعروف عن المغول الوحشية والعنف والتفنن في أساليب العذاب سواء في الحروب أو في معاملة الأسرى، والقضاء على العديد من الدول التي بالفعل نجحوا في محوها وسقوطها بشكل نهائي.
فهل دامت هذه الأعمال إلى نهاية إمبراطوريتهم؟ أم تحولت وتغيرت مع تعاقب الحُكام؟ وما الأساليب التي كان ينهجها أشهر حُكامها في التاريخ من أمثال “هولاكو بن جنكيز خان” الطاغية، وهل استطاع الإسلام تغيير نظرتهم وتعاملاتهم؟ فحديثي اليوم عن ذلك وتسليط الضوء على بعض النقاط المغمورة عن تأثير الإسلام في أكبر طغاة المغول.
هولاكو خان هو ابن الإمبراطور تولوي بن جنكيز خان وأمه سرغاغتاني بكي، وشقيق كل من الإمبراطور منكو خان والإمبراطور قوبلاي خان والإمبراطور إريك بوك، هولاكو حفيد جنكيز خان وحاكم مغولي هاجم البلاد الإسلامية وخوارزم-أوزبكستان وكازاخستان وطاجكستان حاليًا-.
وهو مؤسس الدولة الإيلخانية فدولة بني هولاكو حينها كانت تشمل بلاد العراق وفارس وخراسان وما وراء النهر، كان هولاكو شديد الولع بالحضارة الفارسية وثقافتها، فما إن أصبح خانًا لبلاد الفرس ومؤسس لعهد الخانات فيها حتى اجتمع إليه في ديوانه العديد من الفلاسفة والعلماء والحكماء من بلاد فارس التي كانت مسلمة وتتبع الدين الإسلامي، وجعل اللغة الفارسية هي السائدة بدلاً من العربية في ذلك الوقت.
قضى على بغداد والخلافة العباسية 656هـ/ 1258م، وبسقوط بغداد في قبضة المغول شَكَّلَ تهديدًا كبيرًا حتى ظُنَّ أنها نهاية العالم من هول هذا السقوط الكارثي الذي لا يوصف، فقد تم هدم البنايات والمستشفيات والمكتبات، وإلقاء الكتب في النهر حتى ذُكِرَ أن أصبح لونه أسود أو داكن من كثرة الحبر.
فبالرغمِ مما تعرض له العالم الإسلامي من هجمات المغول وما قاموا به من تدميرٍ للمدن والمساجد وتمزيق المصاحف إلا أنهم لم يسيروا على نفس النهج، بل أن الإسلام أثرَ في نفوس أولئك الغزاة وتعاليمه السمحة حملتهم على اعتناقه، ويرجع الفضل في ذلك إلى نشاط الدعاة المسلمين وإخلاصهم في نشر الدعوة، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل ساعد أحدهم في نشر الإسلام في روسيا وقبيلته وهو “بركة خان” أول مَنْ أسلم من أمراء المغول، وكان رئيسًا للقبيلة الذهبية في روسيا بين سنتي 654: 665ه/ 1256: 1267م، وكان يحارب “هولاكو” شخصيًا، ومن شدة حرصه على نشر الإسلام أرسل رُسله إلى مصر سنة 661هـ/ 1236م ومعهم كتاب منه جاء فيه “فليعلم السلطان _يقصد هنا الظاهر بيبرس_ أنني حاربتُ هولاكو الذي من لحمي ودمي لإعلاء كلمة الله العليا تعصبًا لدين الإسلام لأنه باغي والباغي كافر بالله ورسوله”.
أما عن الدولة الإيلخانية التي أسسها هولاكو، فقد سعى إلى كسب رضاء المسلمين بعد استقراره في حكم الدولة الإيلخانية، فأمر بإعادة الوظائف الدينية إلى سابق عهدها كالقضاء والأئمة والخطباء في المساجد، وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات كما كان متبعًا في عهد الخلافة، واستمرَ ابنه وخليفته أبغا_آباقا خان_ 663- 681هـ/ 1265- 1282م على سياسة المهادنة والاعتدال التي اتبعها والده في سنواته الأخيرة، والاهتمام بتقوية الإسلام وتأمين طريق الحجاج والإنفاق على العلماء، ويروي المؤرخ “أبو شامة” أنه عندما عَلِمَ “هولاكو” بحرق الأرمن لجامع حلب حتى قتل كثيرًا منهم جراء ما اقترفت أيديهم، بالرغم مِن أنه حينها كان بوذيًا؛ وذلك لكسب المسلمين وإظهار حُسن معاملته وتعصبه لما فعله الأرمن.
ولم يكتفِ بذلك لإظهار احترامه للدين الإسلامي والمسلمين بل قام “هولاكو” بتعيين شخصيات إسلامية من أمثال: “مؤيد الدين بن العَلْقمي” المتوفي 656هـ/ 1258م الذي كان وزيرًا للخليفة العباسي المستعصم ويُرْوَى إنه رتبَ وساعدَ “هولاكو” في احتلال بغداد، وتم وصفه بصاحب الجريمة النكراء في رواية أكثر المؤرخين، بالرغم من أنه كان حازمًا خبيرًا بسياسة المُلك، ولكن اتفق أكثر المؤرخين على خيانته ومسايرته لهولاكو وأنه تولى الوزارة مدة قصيرة ومات ودُفِنَ في بغداد، وفي رواية أخرى إنه أُهينَ على أيدي المغول ومات غمًا وذلة.
وكذلك عين هولاكو “فخر الدين الدامغاني”، و”علاء الدين عطا ملك الجويني” مؤرخ وشاعر فارسي، الذي جعله وزيرًا له، و”نصير الدين الطوسي” الذي اعتبره ابن خلدون من أعظم علماء الفرس، كان عَالِمًا فلكيًا وفيلسوفًا وطبيبًا وفيزيائيًا وكيميائيًا ورياضياتي ومتكلّم ومرجع شيعي فارسي، فقد ولاه هولاكو شئون الأوقاف للعمل على تأكيد شريعة الحكم المغولي في نظر الرعية، وغيرهم في المناصب الرئيسة في الديوان والوزارة والخراج والأوقاف، وأبقى الشهادتين على أحد وجهي العملة، ووضع اسم الإيلخان والخاقان على الوجه الآخر.
فقد بدأ “هولاكو” حياته بقمة القسوة والعنف والقتل وترويع مواطني البلاد التي احتلها، وبعد تثبيت حُكمه بدأ يتبع سياسة المهادنة والاعتدال واحترام الديانات والمعتقدات المختلفة وخاصة الدين الإسلامي وحرصه على تواجد العلماء المسلمين في بلاطه وحكومته.
دكتورة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية – مصر





