المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

التزوير الفاضح لسرديات التوراة

(نظرية المؤرخ فاضل الربيعي عن اسرائيل المتخيلة)

“مقدمة”(1)
داود سلمان الشويلي
عندما تجد نفسك يوما ما تبحث عن شيء أثناء هذه القراءة، وتحضى بشيء آخر، وأنت تبحث عن خبر عام له، فانك حتما تفرح كثيرا، وتنسى الشيء الأول الذي تبحث عنه، فقد بدأ هذا الخبر يسد عليك كل منافذ تفكيرك، مثل هذا حدث مع المؤرخ العراقي فاضل الربيعي، إذ، وهو يقرأ في كتاب (المقالات) للسياسي السوري عبد الرحمن الشهبندر، صادفته عبارة تقول نقلا عن “العظم” الذي زار اليمن عام 1916 ((ذكر حاخام اليهود الأكبر في صنعاء واسمه يحيى اسحاق – للمؤلف – انه كان لليهود مملكة عظيمة في اليمن إلى الشرق من صنعاء أسسها سليمان بن داوود، وربما كانت هذه المملكة في نجران))(2).
بمثل هذا الخبر يبدأ الفكر بالاشتغال، وتبدأ رحلة البحث، والتقصي، عما تعنيه هذا العبارة، وكان اللقاء الأوّل مع كتاب الهمداني، (صفة جزيرة العرب) بعد أن فتح مغاليق فهمه كتاب الدكتور كمال الصليبي (التوراة جاءت من جزيرة العرب)، ودراسات أخرى غيرهما. فكانت رحلته ميمونة وذلك بقلب كل الموازين التي انشأها الفكر اللاهوتي، الاستشراقي، الاستعماري، البغيض، وكما قال ماركس عن فكر هيغل المثالي الذي أوقفه على رجليه، فالربيعي استطاع أن يوقف تلك الأفكار الخاطئة على قدميها، وعلى أرض ثابتة، وعندها وقف أمام فكره سؤالا مفاده: ((تُرى لماذا كان يهود اليمن ولا يزالون حتى اليوم، يؤمنون أن أرض التوراة هي في اليمن إلى الشرق من صنعاء؟ ولماذا يعتقد كبير الحاخامات أن بني إسرائيل عاشوا في اليمن وليس في فلسطين؟ وأن المملكة القديمة كانت إلى الشرق من صنعاء، وليس إلى الشرق من الأردن أو في عسير؟ ))(3).
إذن، هناك إرهاصات لفكرة ان ما يقوله التوراة، والكتب المحايثة له، منذ القدم غير صحيح، فجاء الدكتور كمال الصليبي في الثمانينات وحرك بركة الماء الآسن عندما أصدر كتابه (التوراة جاءت من جزيرة العربي)، ومن بعده جاء أحمد داود، والاستاذ فرج الله صالح ديب، فجاء الربيعي بنظريته المتكاملة في أن جغرافية التوراة ليست في فلسطين وانما في اليمن.
سيطالع القاريء أهم الأمور التي أعادها الربيعي إلى مكانها الصحيح في الجعرافية، وفي التاريخ، وفي الشخصيات، والأماكن، والممالك، ابتداء من نفيه أن تكون جغرافية التوراة في فلسطين، وتاريخها كذلك، حتى الآباء المؤسسين لتلك الديانة، وموسى، ويوسف، وغيرهم.
آمل أن أكون قد وفقت في بحثي هذا، والذي ينطلق من صدق مشاعري القومية، والانسانية، تجاه القضية المركزية، قضية فلسطين العربية، وفي الوقت نفسه، فأنا كما الدكتور الصليبي، والربيعي، والكتاب الذين بحثوا هذا الجانب، لست داعية لاستعمار قطرنا العربي العزيز “اليمن السعيد”، فكما قال الدكتور الصليبي: (( ان البعض يتهمني اني أدل اليهود على عسير لكي يستردوها. وأنا أجيب بأن من يقول هذا القول فإنما يعترف بحق الدعوة الصهيونية ويؤمن بصحتها من حيث المبدأ. وهكذا نكون كمن يوافق على حق شعب في أن يعود إلى الأرض التي كان موجودا فيها منذ ألف سنة. فالمبدأ خطأ. فأنا لا أضع الكتاب لأقول لليهود عودوا إلى عسير واتركوا فلسطين. فعسير أرض عزيزة غالية علي كأرض فلسطين أو لبنان أو سوريا، أو أية أرض عربية أخرى))(4)، وأنا كذلك.
وقول الربيعي في الجزء السابع من فيديو له على قناة الغد عن اسرائيل المتخيلة في الرد على أصحاب الردود على نظريته هذه:
((ازالة أي التباس يزعم ان أي اثارة يزعمون عندما نقول ان القصص التوراتية لم تحدث في فلسطين انما جرت في اليمن القديمة يزعمون هؤلاء باننا نريد ان نعطي لليهود حق احتلال اليمن وطبعا هذه حجة ساذجة ناجمة عن فهم خاطيء لما نطرحه أو حجة مبنية على الخلط بين المفاهيم الحقيقة المسلمين من زمن مبكر واجهوا هذه المفاهيم الكثير من مفسري القرآن والفقهاء وشراح الأحاديث ولكن مع الأسف استمر الناس يخلطون بين بني اسرائيل واليهود ويعتقدون ان الجماعة نفسها جماعة واحدة وهذا غير صحيح. ان القرآن الكريم ميز بين بني اسرائي واليهود تمييزا دقيقا لا مجال فيه للشك عندما يذكر القرآن الكريم فهو يذكرهم في معرض التبجيل بوصفهم عائلة دينية مقدسة (وفضلنا بني اسرائيل على العالمين) ولكن عندما يتحدث عن اليهود يشير اليهم وتحديدا إلى الكهنة اليهود (يحرفون الكلم عن مواضغه) نحن عندما ندعو للتمييز بين مفهومين منفصلين بني اسرائل شيء واليهود شيء آخر بنو اسرائيل قبيلة واليهود دين وبالتالي هناك مفهومان مختلفان لا يمكن الدمج بينهما. القبيلة ليست الدين والدين ليس القبيلة تماما كما نقول ان قريش قبيلة والاسلام هو الدين ، ليس كل مسلم هو من قريش، (…) الآن عندما نقوم بنقل جغرافية التوراة إلى اليمن لا نقوم بنقل جغرافية فلسطين إلى مكان آخر، بالعكس هي جغرافية يمنية، كل ما ورد من مواضع وأسماء كما شرحتها في مؤلفاتي هي يمنية، نقوم باقتطاع هذا الجزء وننقله إلى التاريخ وليس الجغرافية إلى التاريخ اليمني وليس إلى الجغرافية (…) وكل ما نقوم به اعادة جزء من التاريخ إلى اليمن. وهو مبني على روايات اللاهوتيين، والمستشرقين، وعلماء الآثار الذين تلاعبوا يصياغة سردية تاريخية زائفة لذلك الآن مرة أخرى انبه ان البعض الذين يعتقدون أو يروجون أو يلمحون إلى ان مثل هذه الأفكار هي دعوة لاحتلال اسرائيل لليمن هذا هراء لا معنى له ولا قيمة، هو دعوة لقراءة تاريخ المنطقة ككل وانصاف التاريخ اليمني وانصاف الفلسطينيين، هذه الأحداث لم تجر في فلسطين)).
***
استطاع المؤرخ العراقي فاضل الربيعي من (تفكيك) السردية اليهودية (التوراة، والكتب المحايثة لها)، بالمعنى العام، وليس بالمعنى الفلسقي الذي اعتمده فوكو في دراساته العديدة، وكذلك دريدا، وتوصل إلى هذه النتئجة التي سنعرضها في دراسات هذا الكتاب، دون أن يعطي لفكره النابض، وتحت حماسة الاكتشاف، أو المزاج الشخصي المؤسس على غرض سيء، حرية التلاعب بالنتائج التي توصل لها لأنه اعتمد على معطيات مادية ( لقى آثارية، ونقوش تاريخية، وأطلال قائمة، والمقارنة بين الترجمات) هذه المعطيات غيبتها النظرة اللاهوتية/ الاستشراقية/الاستعمارية لدوافع سياسية معروفة، وغير معلنة، لا زالت المنطقة العربية، وكذلك الانسانية جمعاء، تأن تحت وطأتها الثقيلة، والقاتلة.
واذا كان ثمة مكاسب للتفكيك كما يرى مؤلف كتاب (ضد التفكيك) جون إليس(5)، من مثل الوقوع في الاضطراب، والتمزيق، والهدم، وخلع الأقنعة، والتعرية، وفي النهاية الفضيحة المدوية. فهذا ما حدث للسردية التوراتية، وحتما انها ستنتج أو أنتجت خسائرا كبيرة، وكثيرة، للكيان الصهيوني الغاضب.
***
دراسات هذا الكتاب هي رحلة استكشافية لدراسات جغرافية، وتاريخ، كتاب مقدس عند مريديه قام بها المؤرخ العراقي فاضل الربيعي، وتفكيك لها، بغية الوصول إلى الهدف الذي كان ينشده المؤرخ عبر أكثر من أربعين كتابا، نصفها عن اليمن، واليهود، والتوراة، والعشرات من الدراسات، والأبحاث، والحوارات التلفزيونية، التي قدم فيها خلاصة نظريته عن الديانة اليهودية، وتاريخها، اعتمادا على نقل جغرافية التوراة من أرض فلسطين إلى أرض اليمن السعيد.
***
وبعيدا عن مفهوم نظرية التلقي عند الأمريكان، أو عند الالمان، فإن دراسات هذا الكتاب تضع نصب عينيها ثلاثة أمور، هي:
1 – كاتب النص، أي مؤلفه، أو الصادر عنه، وليس مؤلف الكتاب.
2 – النص من حيث ان له مصادر عدة، مصدره في التوراة، ومصدره في الكتب المحايثة لها، أو كتب أخرى، ومقارنة كل ذلك مع الصورة الأخرى في مصدرها اليمني، في المصادر التي تتناوله، أو في اللقى الآثارية، أو النقوش التي تذكره.
3 – القاريء، حيث وضعت هذه الدراسات نصب عينيها القاريء الذي يقرأها، ويطلع عليها، إذ كان لزاما على كاتبها أن يخاطب هذا القاريء بكل عقلانية العاقل، وبفكر مستقل عن كل انتماء مسبق، هذا الانتماء الذي يسحبه إلى ما فيها من أخطاء متعمدة، ويصادره.
4 – كاتب الكتاب، وهو المؤرخ العراقي فاضل الربيعي، من حيث انه يقوم بدراسة، ومقارنة، ومقاربة، وتأويل ما يطلب تأويله، أو تفسير ما يطلب تفسيره، من المادة المدروسة.
ولما كانت هذه المقاربات هي التي يضعها الدارس لأي نص أمام عينيه، ولا أقول الناقد بمفهومه القديم، بمعنى أن يكون مقيّما، ومقوما، للنص، فأنا في دراساتي هذه التي يضمها هذا الكتاب، دارس متبع لهذا المنهج المتكامل الذي ينظر للنص، وحيثياته، بأربعة عيون لا بعين واحدة.
نبغي من هذه المقاربات الوصول إلى المنبع الأصلي للنصوص المدروسة من حيث جغرافية الأماكن، وتاريخ الحوادث، ونوعية القصص عن تلك الحوادث، والشخصيات، والاجابة عن سؤال مفاده هل تلك القصص حقيقية، أم انها خرافية، اسطورية؟
***
ان ما ورد في هذا الكتاب هو بعض مما اختاره مؤلفه من كتب الأستاذ المؤرخ العراقي فاضل الربيعي لكي يبرهن المؤلف على صدق نظرية الأستاذ الربيعي عند نقل جغرافية التوراة من جغرافية فلسطين إلى جغرافية اليمن.
***
بدأت أكتشاف نظرية المؤرخ في كتابي الأوّل الصادر عن دار الرافدين عام 2022 والمعنون ((الخيانة العظمى – أشعار التوراة وجذورها العربية القديمة- “مقاربة نقدية جديدة بين ترجمات الربيعي والنصوص التوراتية الرسمية”)). آمل أن أكون موفقا في ذلك الاكتشاف.
***
الهوامش:
1 – مقدمة كتابي الجديد (التزوير الفاضح لسرديات التوراة – (نظرية المؤرخ فاضل الربيعي عن اسرائيل المتخيلة).
2 – فلسطين المتخيلة – المجلد الأوّل – أرض التوراة في اليمن القديم – فاضل الربيعي – دار الفكر – دمشق – ط1 – 2010.– ص16
3 – المصدر السابق – ص 16.
4 – المصدر السابق – ص9.
5 – ضد التفكيك – جون إليس – تر: حسام نايل – المركز القومي للترجمة –2012 .– ص189.