المجلة الثقافية الجزائرية

ستظل النجوم تهمس في قلبي إلى الأبد (سيرة الخيام)

الحسين سليم حسن

الجزء الثالث

حديث القلب

(أنا جيهان خليلة عمر) :

لقد أرسله الله لي بعد سنوات من العذاب ،إنه عمر خليلي .

كان هو في الستين من عمره وكنت أنا في العشرينيات أو هذا ربما ما شعرت به فقد كنت أجهل عمري الحقيقي لكوني ولدت ونشأت نشأة مختلفة عن النشأة الطبيعية لإنسان ما .

كبرت و تفتحت عيني على الحياة ووجدت نفسي لا أجيد سوى أمر واحد هو الغناء ومسامرة الرجال في الحانة التي ترعرعت فيها .

قابلته ذات ليلة بالصدفة ،كان متردداً في أمر الولوج إلى الحانة ،وكان يبدو عليه الحزن الشديد و مشاعر من يبحث عن بداية جديدة ،أو من يفتش عن منطقة يفهم فيه نفسه ،الضائعة الكسيرة المنهكة ربما أو ربما المخدوعة .

وأنا استطعت التماس كل هذا في وجهه ،رغم أنني لست بالشاعرة ،وحتى لا أجيد القراءة والكتابة ،وبالنسبة للسلاجقة الذين يحكمون البلد لست سوى فرد من أفراد الأمم المنحطة في تفكيرها ،المنبوذة ،وربما غير المرئية ،إلا أننا في مكان عملنا لا يجرؤ أحد على الحط من قيمتنا ،فقد كان الجميع من كل أصناف المجتمع الشريف والمتعالي يجيئون إلينا نحن ،ونكون حينها نحن من ينشر ماله قيمة بسحرنا وفننا ،وكأننا نملك العلياء بأكملها بجمالنا .

صدمت لما سألت عنه وأخبروني بأنه عالم فلك معروف ومشهور ومكرم لدى السلطان ،ولدى أهل العلم والفقه والدين .

إلا أن ذلك ماشدني إليه ،وكنت على ثقة تامةً أنه داخل هذا العالم التائه يكمن شاعر كبير يفيض قلبه بمشاعر جياشة ورائعة ،وأنه لن يحتاج لإبراز كل هذا الجمال الذي في داخله سوى لكأس الخمر ،ولصحبتي بحناني ولساني الذي ينطق بكلمات عطرة ،و لإنصاتي الكلي لصوت قلبه وهو يسرد علي أوهام المجد التي كان غارقاً فيها .

لم يكن العشق ربما ما جمعنا ،إلا أنه أشد روعة ،كان سلوكه كلياً يحمل في كل تفاصيله حكماً بالرغم من أنه كان نزقاً على الدوام متمنياً على الدوام عودة الزمن إلى الوراء كي يعيش ما يعيشه في شبابه فقد أخبرني ذات يوم بأنه نادم على انشغاله الدائم بالعلم على الدوام .

وأنه كان من الأفضل إنقاذي مثلاً من الحانة ،بدلاً من تصحيح التقويم الفارسي ،بأن يطالب بحقوق لي ،أنا الغجرية اللقيطة التي لا تحمل سوى اسماً يدل على هويتها ،المنفية من الحياة كلياً داخل قوقعة الألوان والرجال أعرف العالم من خلالهم فقط ،لكنني اعرف الكثير ،عن الأسلحة والجيش والحروب الصليبية ، لما أسامر جندياً سواء تركياً أو أرمنياً أو فارسياً .

وعن الخزف والنقش لما أسامر خزافاً نيسابورياً ،وعن الاغتيالات لما أسامر أحداً من أتباع الباطنية الذين كانوا يحاولون دوماً أن يستدرجوني إليهم للقيام بعمليات فدائية سرية إلا أنني كنت أخذلهم دوماً وأشي بهم جميعاً .

لما كنت أسرد لعمر كل هذا كان هو يكتفي بالإنصات لي دون أن يبدي أي رأي فيه ،واعتدت على ذلك فقد كنت أعلم أنه يعيش مع ذاته فقط ،مع عوالمه الداخلية حتى ولو كنت بقربه .

وكنت أنا غير مفهومة بالنسبة له وحتى لا رغبة لديه في محاولة فهمي ،أو التعاطف معي .

كان هكذا مكتفياً بعذاباته وصدماته ،وكنت أنا بمثابة شيء جميل يذكره بأن الوقت مستمر وأن الأشياء الجميلة قد تعود يوماً ،وعليه ألا ييأس مستعيناً بي وبكأس الخمر في لعبة انتظاره الغريبة ،انتظار حياة أخرى ربما أو كان ذلك مجرد استسلام ورضوخ لشكل من اشكال السعادة في رأيه ألا وهو اللذة وإمتاع النفس بأنانية مطلقة كما لو أن ذلك هو المعنى الذي بحث عنه دوماً للحياة ووجده أخيراً هنا بعد أن فشلت كتب العلماء وقصور الملوك في إرشاده إليه .

وكان هذا واضحاً جلياً في طريقة شربه للخمر أو في رغبته في اصطحابي معه في نزهات إلى الطبيعة حيث نجلس وحيدين وأعزف له على العود بينما يحتسي الخمر بشراهة وكان يفضل ان نقوم بذلك صباحاً وسط الأزهار والفراشات .

لم يكن حتماً بالمجنون ،و كنت أعلم أنه يشعر بحزني ،إلا أنه فضل أن يعيش خيباته بنفسه ومع نفسه وحافظ على ذلك الحاجز بيني وبينه .

يمكن القول بأنني لو تعرفت بعمر العالم لم أكن لأنجذب له منطلقاً ،وأنني كنت في غاية السعادة أنه وصل إلي في عمره المتقدم هذا ،بشاعريته الخالصة وصمته وحتى ولو كان ذلك يستفز رغبتي في الحصول على قلبه وعيش الحياة معه ،تلك الحياة التي حرمت منها على نحو ظالم .

فقد وجدت فيه الأب والصديق والحبيب وتعلمت معه أن أعيش عبدةً لمشاعري فقط ،بعد الله ،بعد ان كنت عبدة للفراغ والعبث .

رغم أنه كان عبثياً في شخصيته تلك التي أحببتها ،وكنت أنا بالنسبة له صدفةً محضة ،وربما كانت امرأة أخرى لتحل مكاني لو شاء القدر ،لكنه كان يرضى بالحياة كما هي ،لذا لم يقدم أي اعتراض للحياة على منحها إياي له .

وهذا ربما من الأشياء التي جعلتني أحبه أكثر ،إضافةً إلى تواضعه، وعصبيته الرجولية الجاذبة والتي كنت أكاد أجزم أنها جديدة عليه اكتسبها بعد أن خسر الوهم الذي كان يعيش فيه .

قضيت معه هكذا سنوات ،أرافقه إلى الحقول و أرتحل معه بين مدنه المفضلة أستمع إلى حكايات الملوك الفرس ،وأعرف أكثر عن والده الزرادشتي وعن الزرادشتية ،عن الماء والنار وعن ترك الجثث للطيور الجارحة و أحياناً على النجوم والاسطرلابات والمناخ ،لكن علة نحو غير دقيق .

كانت هلوساته التي يسببها الخمر تحمل في جعبتها الكثير من الأفكار المنقوصة والطلاسم ،كما لو أنها تعويذات سحرة ودجالين ،وأحياناً كان يدلي بأفكار أقرب إلى أفكار الباطنية ،أو يتحدث إلى الله ويطلب منه المغفرة على احتسائه الخمر ولأنه يسامر فاجرةً مثلي !

عمر خليلي هو في الأصل شاعر وفيلسوف ،لقد ولد شاعراً لكن انخراطه في علوم الفلك والرياضيات لم يكن سوى محاولة نفسية وشعرية وفلسفية لفهم ذاته ،ولفهم الحياة بعد معاناته مع الاختلاف عن والده الزرادشتي المتحول إلى الإسلام .

لقد لجأ إلى العلم عله يجد فيه الإجابات عن معنى الحياة ،وعن شيء يشغله عن وحدته ويملأ وقته ويشحذ هشاشته بالقوة ،لكنه لم يجد الإجابات ،ولم يسعفه انشغاله بالعلم سوى في تمضية الوقت هكذا دون أي معنى فلسفي لما يقوم به ،دون أن ننكر أنه قدم للعلم الكثير .

إلا أن خليلي العزيز لم يكن سوى شاعراً يخفي عن الناس حكمته ،وأسئلته المؤجلة منذ صغره ،وهذا ما التمسته فيه ،في عينيه الحزينتين وفي نوبات غضبه ونوبات الحنان الجياشة التي كانت تصيبه وتجعله مثل طفل صغير يرى العالم للمرة الأولى لذا كان الخمر يمنحه فرصة اكتشاف الأشياء بروية مجدداً ،وكان في هذه المرة يكتشفها بشاعرية وليس كما المرة الأولى بعقله وخبرته المعرفية .

وكأن الخمرة كانت تساعده على التلذذ بالشعور بالأشياء على نحو جديد ،رغم انه لما كان يصحو كان يؤنب نفسه على الخزي الذي يسببه لإسلامه ،حين يعربد ويسكر ،ويطلب من الله المغفرة .

كان يحب فكرة انه ولد مسلماً ويشدد أنه يتميز بها ،ويحب تذكر ماضيه المجيد أحياناً إلا أنه يجزم بأنه كان وهماً .

كنا نتحدث عن ذلك في بدايات جلساتنا والتي لا تستغرق طويلاً قبل أن يسقط فريسة للخمرة ،والتي كان يفضلها على تلك الذكريات التي لا نفع فيها على حد تعبيره .

كان الهروب من الواقع ،الهروب من أسئلته وخيبته كان الدافع الأساسي لاحتساء الخمر ،وكان يرغب في التمتع بجمال هذا الكون والذي حرم من التمتع به لما كان ينظر إلى الكون بعين العالم ،أو ربما كان يكبح جماح الشاعر الذي في داخله رغبةً منه في ضمان عيشه الرغيد في أحضان السلاجقة الذين كانوا يجدون فيه عالماً بارعاً ومن نخبة العلماء .

وكان من الواضح أن الشاعر الذي في داخله قد ثار فجأة وكلياً على طريقة الحياة التي عاشها واكتشف أنها لم توصله إلى السعادة الحقيقية .

ذلك الشاعر الذي أحببته أنا بكل تفاصيله ،وعشت معه سعادته الغريبة تلك ،سعادة ليست مشتركة وإنما عاشها كل منا على حدى ،مع نفسه فقط !

بعد سنوات من فراقنا إبان هجرتنا القسرية نحن المغنيات إلى خارج إقليم خراسان بعد افتضاح أمر الحانة ،أرسلت في طلب أخبار عنه ،وعلمت بأنه قد توفي ودفن في نيسابور بين الورود وفي الطبيعة التي كان يقدسها ويحلم بأن ينصهر فيها .

لم أشعر بالحزن حينها ابداً فقد كنت على يقين تام بأن ذلك المكان هو المكان الملائم له ،بعد كل هذه الخيبة التي لم يستطع التغلب عليها ،وكانت الراحة الأبدية وسط عطر الريباس وتغريد الطيور أفضل بكثير من التعايش على الخمر والأوهام .

لا أدري إن كنت أنطق بكلمات قاسية وفظة إلا أنني أحببته من قلبي وعرفته جيداً ،وهو في النهاية لم يمت وإنما بقي حياً برباعياته التي أحفظها أنا عن ظهر قلب وسأبقى أرددها أينما ذهبت وأنشدها في سائر بقاع الأرض .

وهو وإن ظن بأنه قد مات دون أن يحقق أية غاية ،فلعله كان مخطئاً ،لقد عبر عمر في كل مرحلة من حياته عن عصيانه ورفضه ولكن بطريقة ناعمة ،عبر عنها كما يعبر العظماء ،دون أن يثور ودون أن يخادع ،عبر عنها تارة بالعلم وتارة بالتماس الجمال بشاعريته .

لقد ترك لنا إرثاً رائعاً يشفع له استسلامه وخدره وضعفه ،وعيشه مع ذاته ولذاته ،ومايشفع عنه أيضاً أنه غير حيوات الكثيرين برباعياته وجعل كل من يسمعها يحب ذاته ويعيش للحياة فقط دون أن يلتفت لاعتبارات أخرى تفرض عليه قسراً .