المجلة الثقافية الجزائرية

بول أوستر يتصدى لوطأة الزمن من خلال 3 شخصيات تتداخل

إبراهيم العريس

كان ذلك قبل نحو عقدين من السنين وفي فترة نشط خلالها الكاتب الأميركي بول أوستر، الذي كان يعتبر الأكثر شعبية بين أبناء جيله من الروائيين الأميركيين الذين سيطروا بكتاباتهم ومقروئيتهم على الربع الأخير من القرن العشرين. وكان أوستر لا ينشر رواية جديدة له، حتى يكون قد بات على وشك أن يصدر كتاباً تالياً. ومن هنا ما كاد يخفّ حينها الحديث عن كتابه الذي كان لافتاً بتأرجحه بين نمط ما من السيرة الذاتية والنص الروائي والكتابة التي تقترب بشكل موارب من النقد الأدبي “في غرفة الكتابة” حتى عاد أوستر إلى الواجهة من جديد بكتاب روائي له، أجمع النقاد حينها على أنه واحد من أفضل أعماله، منذ زمن بعيد. بل إن من بين النقاد الأميركيين من وصف هذا الكتاب وعنوانه “رجل في الظلام” بأنه أفضل ما كتب أوستر منذ “الثلاثية النيويوركية”.

بطل يكتب وآخر يروي

تتحدث الرواية، بلسان راويها الذي هو بطلها، عن كاتب وصحافي في السبعينيات من عمره، أفاق من حادث سير قتل زوجته وشلّه هو عن الحركة، فراح يمضي وقته في البيت وهو يشاهد، ويعيد مشاهدة، أفلام على أسطوانات مدمجة، أحياناً وحده ولكن في أحيان أخرى مع ابنته وحفيدته اللتين تعيش كل منهما حالة حب خائب تكاد تدمرها. إن صحافينا هذا، إذ هو متقاعد الآن، يدرك فجأة أنه قد أمضى كل حياته وهو يكتب وينشر مقالات صحافية لم ينتبه كثيراً من قبل إلى أنها كانت تُنسى في اليوم التالي. لذلك ها هو قرر اليوم أن يكتب مذكراته تحت عنوان “مدونات عالم يختفي”. لكنه، في حقيقة الأمر، بدلاً من أن يكتب تلك المذكرات، يبدو في كل يوم أكثر وأكثر اهتماماً بأن يتخيل حكايات جنود غرباء، اختفوا خلال الحروب أو خارجها، أو أصيبوا بمرض فقدان الذاكرة. إنه في الحقيقة لا يعرف لرغبته تلك سبباً حقيقياً، كما سيكتشف ذات لحظة وهو منكب على إنجاز النص بحماسة كان هو يستغربها، لكنه يعبر عن تلك الرغبة كتابة في الوقت الذي كان يخيل إليه فيه أنه إنما يكتب فصولاً من مذكراته ومن قصة حياته.

 باحث وكاتب 

اندبندنت عربية