حنان العسيلي
سريرٌ بسيطٌ، وجدرانٌ تبدو في عيني باهتة اللون، مقعدٌ خشبي بجانب نافذة تُشعرني ستائرها بالرهبةِ، وتلك الشجرة البلاستيكية المُلونة.. كم صرت أمقتها وأختنق لوجودها، كلما هممت بطردها من الغرفةِ يحنُّ قلبي من جديدٍ لأثرها فأتركها كما هي !
إحساسٌ موحش يملأ روحي وينتزع الدموع من قلبي انتزاعًا بلا رحمةٍ ولا هوادةٍ..
أبكي حينًا، وأربت ذراعي حينًا آخر،أشعر بالبردِ في لهيبِ أغسطس ! أحتضن وسادةً من الوسائد الصغيرة علّها تمنحني بعض الدفء.
تنتابني رغبةً باعتزالِ جميع البشر، وإحساسٌ بالفقد لكل من رحلوا أو فارقتهم رُغمًا عني، ذلك الإحساس الذي يُدمي الروح ويُذبل الجسد كأوراق زهرةٍ جفت وانتحرَ عبيرها حين غادرها الربيع.
أبكي لآلامِ الآخرين وتتشاجر الدموع فوق وجنتي باحثةً عن سببٍ معلومٍ، ولكنها لا تدرك أسبابًا واضحةً، فتتجدد في عقلي الحيرة والهذيان اللذان يتم سجنهما يوميًا حين تسافر عيني في رحلةٍ إلى النوم.
حتى عطوري الدافئة الجذابة لم أعد أشعر معها بألفةٍ وتآلف، ألجأ كثيرًا لأوراق النعناع الأخضر، أضعه في مزهريةٍ بجانب سريري علَّه يمنحني شيئًا من الأمانِ والسكينةِ، أما تلك القارورة الصغيرة التي تحوي زيت النعناع صرت أدمنها، وأحتمي برائحتها من غصَّةٍ في قلبي، صرت ألجأ إليها كلما هاجمتني أوجاع الروحِ.
لم أعد أشعر بأن الكون يتسع لي، ولكنني أود لو أزرع نبتةً صغيرةً لأوراقِ النعناع قبل أن أغادر الحياة يومًا ما، فتصير صديقةً لي ،فكم عشقت صداقات الأشجارِ، والنباتات وكم تآلفت أرواحنا، تحدثنا سويًا، فرحنا.. بكينا سويًا، كان بمقدوري أن أستشعر الحنان والدفء من شجرةٍ عابرةٍ، وأن أسمعها دون أن تحكي.
ربما كانت أوراق النعناع الأخضر برائحتها الدافئة وألوانها الخضراء تُمثل بعض القلوب الطيبة المرهفة التي أضناها الزمن وأرهقتها الحياة.

