بقلم محمد بصري
يقول لحسن بتكلاي أستاذ علوم التربية. “إذا ظلت المقاربة بالكفاءات على مستوى الخطابات لهثا وراء الموضة، فإنها ستغير النصوص لتسقط في النسيان” أما إذا كانت تطمح إلى تغيير الممارسات، فستصبح إصلاحا لا يستغني عن مساءلة معنى المدرسة وغايتها”
النموذج الذي يجب أن تدرس به الفلسفة هو سياق استشكالي وفق براديغمات جديدة ترومها المدرسة الألمانية كما يرى المفكر المغربي عزالدين الخطابي مترجما وناقلا مقاربة البيداغوجي جوناس بفيستر.. التدريس يجب أن يكون بنصوص كبار الفلاسفة فنحن لا ندرس إلا شروحا وتفسيرات مبتورة ومؤقتة والإكراه البيداغوجي السلبي الذي يهدد المادة ويصيبها في مقتل وينتهكها سكولائيا هو التصريف الدوغمائي(دوغما الدرس الفلسفي). الذي سينسف الخطاب التربوي الفلسفي ويقضي على الطابع الحواري فيها. التدريس الخالي من العوائق والوضعيات المشكلات الحقيقية التي تتشابك مع فن إدارة السؤال يغدو تعليما حلقيا يربط المريد بالشيخ يخضع لقداسة المعلم وإطلاقية التلقين وسطوة الحافظة والذاكرة.
التمرير الدوغمائي مرتبط آليا ببيداغوجيا التلقين وهو ما رأيناه وسمعناه في كثير من الدروس الخصوصية المتلفزة المنقولة الكترونيا في اليوتيوب وغيره للأسف والتي اعترتها كثير من الأخطاء الجسيمة بيداغوجيا ومعرفيا ومنهجيا يمكنني توضيحها في في نقاط يسيرة:
التعاطي مع المعارف الفلسفية بإسفاف وبهتان وسذاجة وركاكة، ضبْطٌ فاسد للمفاهيم والذي يترتب عنه خلل في المفهمة للتلميذ.
التدخل الطاغي والبطولي والكاريزمي للمدرس وكأنه صاحب المعلومة. حيث يتحول الفصل إلى ساحة للسجال الايديولوجي أو المرافعات السياسية أو إثبات بطولي (الأستاذ البطل) والحجاجية ضد قناعات معينة. مع أمثلة سمجة تنسف البرهنة الفلسفية وتعيق حركة الاستنتاج.
ملمح الاستاذ الكفء لا يعني ذلك الذي يملك مهارات التبسيط والتنزيل السطحي والمجاني للدرس بل ذلك الذي يضع المعلومة الفلسفية قيد النقاش والحوار وإن لم يترتب فهمها وضبطها لدى مريديه وتلامذته فالكفاية تعني أن الاشكال وصل وتم تبليغه. ليس شرطا تفكيك الوضعيات البسيطة والجاهزة بل المطلوب تحليل الوضعيات المعقدة.
الدرس الخصوصي بعضه أصبح خطرا على التدريس العمومي حيث الخطأ أضحى مشكلة انبثاقية استكشافية بدل من أن يتعلم التلاميذ من أخطائهم أضحى خطأ المعلم مطلب معرفي يتم تمريره في ظل غياب رقابة ومرافقة بيداغوجية أي أصبح الخطأ معلومة وهو نموذج لبيداغوجيا الخطأ المقلوبة.
الدرس الخصوصي بصورته المبتذلة في مادة الفلسفة وحسب بعض النماذج الساذجة والالكترونية وحتى المباشرة في الصفوف وداخل القاعات اللاصفية يقدم وضعيات لاديداكتيكية هي ضد المقررات وضد فلسفة المنهاج يسميها كزافييه “فوق الديداكتيكية”.
هناك فصل بين المعرفة الحية المنفصلة عن السياق الذي يتم فيه توظيف التحليل الفلسفي بناءا على مهارات قبلية وبين المعرفة الخاملة بمعنى أن التدخلات السلبية في التعريف بالمفكرين والمؤلفين سلبيا تحت إطار تحيزات ثقافية وايديولوجية وعقدية يحيل الأجرأة التدريسية إلى هدر تربوي غير مجدي بحيث يتكون تناقض لدى وعي التلميذ بين المهام المطلوب تعبئتها والمهارات التي يقدمها التحليل ومعارفه الخام القبلية1
خلاصــــــــــــــــــــة : الأسوأ في القادم من تدريس المواد والفلسفة بالذات ليس التقويم المجروح والذي لم يعد يتزامن ثقافيا وصفيا مع المحتوى وليس التدرجات التي حلبت من ما تبقى من فرص إعادة تدوير المناهج وقامت بابتلاعها وتصفيتها كما يفعل الثقب الأسود بالكواكب والنجوم الفانية وتكييفها مع الواقع .التناقض هو المقاربة الديداكتيكية التي تناقضت منذ أمد مع البيداغوجيا. حيث الأولى عامة تهتم بالأسس التربوية والنفسية والمنهجيات والأطر بدون الالتفات الى محتوى المواد كما يعرفها المفكر التربوي بيار مالك.بينما الديداكتيك هو تنزيل هذه المواد للمدرسة .المدرس أو الأستاذ الآن يعاني هشاشة معرفية وتعليمية في تنزيل هذه المحتويات بل الطامة الكبرى هو غياب وعي ديداكتيكي بالمواد .ماذا ندرس كيف ندرس ماذا نريد من المحتويات التي ندرسها ما هي الكفاءات والكفايات التي أريد التحقق منها في سلوك المريدين والتلامذة. في ظل هذه الناقضات لا يمكن لأي منهاج أو محتوى النجاح ولو كان واضعوه ثلة من الأنبياء.
من زاوية أخرى مواضعاتية الدرس الخصوصي تعبير عن أزمة بنيوية في المدرسة الجزائرية. لم نكن نسمع به إلا في أفلام السينما الشرقية والمصرية لكن بحبكة من السخرية والتهكم المشرقي .اللوم يقع على المناهج والمضامين التي تسمح بتسلل مناهج رديفة أو برامج ربيبة. المناهج التي تتوسل طرائق وافدة وتركع مساء صباح لفكر تربوي وافد وهمي، هي من تقع فريسة الاضطراب التعليمي. لأن من يقدمون دروسا بدواعي اقتصادية وصوارف فكرية وغايات قصوى تتوسم النجاح المطلق لتلامذتهم وهم مسكونين بهم الكم من القلق والانتقال إلى الضفة الأخرى أي الجامعة مساعيهم حميدة ونواياهم طيبة. لكن تحت النوايا الأخلاقية يختفي مارد يقض مضاجع التربويين ودعاة إصلاح البيداغوجيا والديداكتيك وإصلاح الإصلاح. عندما يفر التلميذ إلى أستاذ الدرس الخصوصي الكفء والحازم والمثالي .هو يبرر منطقا آخرا مفاده أن أستاذه الأصلي فشل في التبليغ مع احترامي للأساتذة الذين يكدون ويجتهدون فلست من هواة وضع البيض في سلة واحدة.. المناهج التي تسمح بوجود مبررات لبدائل تقويضية لها هي مناهج تعلن إفلاسها باستمرار.لأن المنهاج ليس رجل الإفك في المدينة والذي يعيش بوجهين كتاجر البندقية المرابي. الدرس الخصوصي قد يكون ايجابيا لو خضع للرقابة والمتابعة والمرافقة والتعديل لأنه بهذا سيتحول إلى درس مزاجي يحرج الدرس الرسمي. أسعدتم مساء
محمد بصري مفتش التربية الوطنية الجزائر
هوامش: أنظر حبطيش وعلي نهج قائم على المهارات مجلة التنويري 12 ديسمبر 2021 ساعة التصفح 18و 14 يوم 01/01/2023




