بقلم: معاذ محمد رمضان
كتَبَ الأستاذ سيد البحراوي بحثاً بعنوان “قراءة في الشعر الجاهلي”، وقد نُشرَ هذا البحث في كتاب “طه حسين: العقلانية، الديمقراطية ، الحداثة” وهو بأقلام مجموعة من المؤلفين وبتقديم سعد الله ونوس، بطبعة دار كنعان الثانية 2017، وقد شغل البحث الصفحات: من 341 الى 371
وكتب الأستاذ هادي العلوي بحثاً بعنوان “طه حسين والتعصب الديني” ونُشرَ في نفس الكتاب، وشغل الصفحات: من 317 الى 340
1/ كيفَ يُفَسِرُ الأستاذ البحراوي تراجع طه حسين؟ أو بالأحرى كيف تناول هذه المسألة؟
أ ـ يقول البحراوي بعد أن نقل نصاً من كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي”:
(كل هذه الإشارات تنتهي منطقياً، وبحكم منهجه الى نتيجة قال بها المستشرقون والماديون من قبل هي نفي الوحي. ولكن طه حسين لم يعلن هذه المقولة أبداً، بل ونفى كفره وقصده الى الطعن على الإسلام… بل إنه حذف كثيراً من الأقوال حينما عَدَلَ الكتاب وأصدره في كتاب آخر هو “في الأدب الجاهلي” الذي يُمَثل تراجعاً عن الكتاب الأول، وهو تراجع إستمر ليصل الى كتاباته عن الإسلام “مرآة الإسلام ، على هامش السيرة، الشيخان، عثمان، الوعد الحق ، علي وبنوه..الخ”) 1
يتساءل بعدها البحراوي: (ولكن عَمَ تراجع طه حسين؟ وهل شمل التراجع كل شيء وإستسلم تماماً للمهاجمين، أم إنه أصر على أشياء وتنازل عن غيرها؟)
يُبَيِنُ بعدها البحراوي أن “الإصرار” خاصية هامة في شخصية طه حسين، ليُحَلل بعدها كتابه المُعَدَل “في الأدب الجاهلي” وينقل من مقدمته قليلاً، ليصلَ لإستنتاج سأقفُ مع مضمونه لاحقاً.
ب ـ طرح البحراوي “فَهماً” لتناقضات طه حسين في سياق كلامه عن تأريخه الحزبي والفكري القلق:
(إنني أرى في هذه الحركة “الصيرورة” أزمة مثقف ينتمي الى طبقة فقيرة ولكنها جاهلة وغير مؤثرة، مثقف كانت تتحقق فيه كل الخصائص التي تجعله مثقفاً عضوياً لطبقته الفقيرة. ولكنه وجد نفسه ـ بإرادته أو بسبب الظروف ـ مثقفاً عضوياً لطبقة أخرى هي نقيض طبقته. ومثل هذا المثقف عليه أن يعيش.. كَمَاً من التناقضات والأزمات أكبر بكثير من تلك التي يعانيها أبناء الطبقة التي إنتمى إليها. ولعل هذا الفهم يكون قادراً على تفسير كثير من التناقضات السابقة التي نتجت عن صراع حادٍ داخل طه حسين تَبَدَى في مفاهيمه التي حاول أن تكون جديدة ومستنيرة ، ولكنها لم تستطع أن تقطع جذورها القديمة والتقليدية قطعاً حقيقيا) 2
واضحٌ أن النقطة الأخيرة تطرح “تعليلاً” للتناقضات “التراجعات” التي مُنيَ بها طه حسين.
2/ أما عن الأستاذ هادي العلوي، فقد تَعَرَضَ لهذه القضية وفَسَرَها بإيجاز شديد وتام:
(مهما يكن، فإن المزاج الأدبي للمثقف يمنعه من التَمَنهج الكامل. وهكذا كان طه حسين، مفكر وناقد أدبي وأديب في آن واحد، وأنا على هذا الأساس أُفَسِرُ كتابته في التأريخ الديني، خلافاً لنُقاده التقدميين الذين إتهموه بالتراجع أمام السلفية. وهم في الغالب من الجيل الشاب الذي إنغمر في النضال اليساري أيام سيادة الستالينية وإتشح بسبب ذلك بالكثير من الإخلاص والنبل مع الكثير من الدوغما والسلفية المضادة) 3
بالنسبة لي “أُرَجِحُ” رأي هادي العلوي “الدقيق” على رأي سيد البحراوي.
سأنتهز الفرصة الآن لأضع بعض الإستفهامات على منهجية سيد البحراوي:
1ـ في سياق حديثه عن كتاب طه حسين المُعَدَل “في الأدب الجاهلي”، ينقل البحراوي من مقدمة الكتاب:
(مقدمة الطبعة الثانية: وهذا كتاب السنة الماضية، حذف منه فصل وأثبت مكانه فصل وأُضيفت فصول وغُير عنوانه بعض التغيير)
يَتَدَخل البحراوي هنا:
(وفي هذا النص مجموعة من الإشارات الدالة على التحدي. فهو ـ هو ـ كتاب السنة الماضية، حذف منه فصل وأُضيفت فصول، ولنا هنا أن نضع “وأن” قبل حذف ، و”فقد” قبل “أُضيفت” ، لذلك فهو ليس كتاباً جديداً مختلفاً) 4
السؤال الآن:
من الذي “سَوَغَ” للبحراوي هنا أن “يَتَدَخَل” مُتَعَسِفاً ويضعُ ما وضع؟
2ـ يعطي البحراوي الحقَ لنُقاد طه حسين في منهجه وكتابه. 5
عندما قرأت هذا “الإمضاء” البحراوي لنُقاد طه حسين ، تذكرت الأستاذ عزيز العظمة في بحثه “النص والأسطورة والتاريخ” والمنشور في نفس الكتاب ص306 الى 316 ، يقول العظمة:
(ولا شك أن الهجمة الشرسة التي تعرض لها، ولم تكن كلها لوجه الله بل كانت ذات أبعاد سياسية أكيدة ، أدت الى سحب الكتاب وإزالة أجزاء منه وإعطائه عنواناً جديدا هو “في الأدب الجاهلي”. لم يتعرض له أحد على أُسس تأريخية أو عقلية ، بل تعرض الى إنتقادات تفاوتت ما بين سفاهة الرافعي وهدوء فريد وجدي) 6
وبدوري أُشَدّدُ على: (لم يتعرض له أحد على أُسس تأريخية أو عقلية) ، فأين البحراوي من هذه الإشارة النقدية المهمة؟؟
3ـ (إن إتجاه طه حسين “وزملائه” الى العقلانية الأوربية كان ـ في الحقيقة إتجاهاً تناقضياً. أي أنه يحمل مفارقة لافتة) يقول البحراوي. 7
فما هي هذه المفارقة اللافتة؟ المفارقة ـ برأي البحراوي ـ أن العقلانية الأوروبية تدعو الى الإستنارة وتحكيم العقل مقابل النقل ، بينما نجد طه حسين وزملائه “نقليين” في الحقيقة لا عقليين! كيف؟ لأنهم يسعون الى النقل من الغرب وتقليده! وليس إبداع عقلانية مصرية أو عربية نابعة من هذا الواقع! وعليه فَهُم لم يفهموا جوهر العقلانية عامة والأوروبية خاصة، وجوهر النهضة الأوروبية!!
السؤال الآن: كيف تَوَصَلَ البحراوي لهذا الإستنتاج العجيب؟ وهل كان طه حسين ومن على شاكلته يدعوننا لتقليد الغرب على الإطلاق؟ ثم ما هي الأرضية التي يمكن أن نبني عليها عقلانية حديثة في الوسط الإسلامي وهو “صحراء من الفكر” بحسب فرانسيسكو غابرييلي؟ 8
وهل من الموضوعية أن نحكم على طه حسين وزملائه بأنهم لم يفهموا جوهر العقلانية، والعقلانية الأوربية والنهضة؟ أليست “نقلية” طه حسين “المُستَنتَجَة” أقرب الى السفسطة؟
4ـ يُحَمِلُ البحراوي ثورة طه حسين وهزيمتها سبب تكريس التخلف الفكري الذي إزداد بتِشَكُل الإخوان المسلمين، بل وحتى ظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة تقع مسؤوليته على طه حسين! فهو أبرز مسؤول عن ذلك! 9
طه حسين أبرز مسؤول عن ظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة!!! والحكم للقارىء اللبيب.
الحواشي:
1ـ ص346 و 347
2ـ ص364
3ـ ص336 و 337
4ـ ص347
5ـ ص360 و 361
6ـ ص315
7ـ ص 364
8ـ سَنَتَعَرَضُ للنقد هنا بسبب إستشهادنا بمستشرق “مُعادٍ” للشرق، لكن هذا النقد سيزول ـ على الأرجح ـ بعد رجوع القارىء اللبيب الى كتاب: “الإستشراق بين دُعادته ومعارضيه”، تأليف: محمد أركون ـ مكسيم رودنسون ـ آلان روسيون ـ برنارد لويس ـ فرانسيسكو غابريالي ـ كلود كاهين، ترجمة وإعداد: د. هاشم صالح ، وهو بطبعة دار الساقي الثالثة 2016. فبعد أن إطلعتُ على هذا الكتاب، وخصوصاً على مقالة غابريالي “ثناء على الإستشراق”، تَغَيّرت نظرتي التقليدية على المستشرقين، وقد ذكر غابريالي العبارة المذكورة “صحراء من الفكر” في الصفحة 27 من الكتاب.
9ـ ص 366





