المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

شوشع الأسطورة: سيميائية الاحتفالية المتوسعة

بقلم: سمير عباس

تمهيد:

يتميز كثير من أصحاب الهمم ممن يعانون نوعا من التأخر العقلي بشيء من الحس الاجتماعي، وبعبارة أخرى هم يظهرون ميلا كبيرا للحياة وسط الناس، ويظهر أن اختلاطهم بفئات المجتمع على تنوعها يجعلهم يشعرون بالسعادة والمتعة، ومن ضمن هؤلاء اشتهر شوشع الشاب الأربعيني من ولاية وهران الجزائر في وسائط التواصل الاجتماعي هذا العام 2023 على أنه أسطورة في كرة القدم على شاكلة أبطال هذه الرياضة الدوليين أمثال رونالدو وميسي، وصارت ملامح الزهو بالانتصار على وجه شوشع لدى تسجيله هدفا في مرمى الخصم معروفة لدى العام والخاص، وبالمقابل صار الناس في الجزائر وفي كثير من الدول الأخرى يعرفون ملامح التأسف على ضياع فرصة التهديف أمام شوشع الذي كان دائما يقف أمام مرمى الخصم في انتظار تمريرات زملاء فريقه باعتباره هداف الفريق، ويبدو من المفيد محاولة معرفة كيفية ارتقاء شوشع في عالم الشهرة بهذه السرعة اعتمادا على آليات السيميائيات.

1) اصطناع المواضعة:

أشار السيميائي الفرنسي الكبير رولان بارت في كتابه ميتولوجيات معلقا على ظهور صورة على غلاف مجلة باري ماتش الفرنسية المعروفة لجندي زنجي يؤدي التحية العسكرية أمام العلم الفرنسي، أشار بارت إلى أن ظهور هذه الصورة يقصد به الإيحاء بطبيعية الاستعمار الفرنسي للبلدان الأخرى ومنها البلدان الإفريقية، فالمستعمر يحاول إيهام الرأي العام أن وجوده في هذه الدول مرحب به من قبل شعوبها التي تقبل طواعية الاندماج تحت راية الحكم الفرنسي، وأنها تعد هذا الاندماج واعدا بتحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية في بلدانها بما يضمن لها اللحاق بركب الدول المتقدمة والتنعم بقيم الديموقراطية و المساواة، ويظهر بارت أن هذه المحاولة هي في واقع الأمر حيلة إعلامية لإقرار ظاهرة غير طبيعية هي ظاهرة الاستعمار، حيث تعمل هذه الحيلة على تطبيع naturalization ما هو غير طبيعي، ويبدو أن مفهوم التطبيع هذا إنما يعني في واقع الأمر اصطناع مواضعة convention جديدة بصدد ترسيخها حتى تصبح مقبولة مثلها مثل المواضعات الطبيعية الاجتماعية والثقافية من قبيل اللغة والأخلاق والعادات.

يقوم ظهور شوشع الإعلامي في وسائط التواصل الاجتماعي على مواضعة مصطنعة يندرج ضمنها المتلقون بشكل عفوي إختياري، وهي الاتفاق الضمني المسبق على أن شوشع هو في الواقع لاعب دولي مقتدر في كرة القدم، وعلى كل المتلقين المشاهدين له يلعب في ميدان كرة القدم أن يتصرفوا على أنهم من ضمن جمهوره ومناصريه، حيث يتوجب عليهم تشجيعه لدى حصوله على الكرة ومحاولته التسديد تجاه مرمى الخصم، كما أن عليهم من جهة أخرى إظهار الفرحة بنجاح تسديداته في التهديف عبر التحية و الهتاف له بسعادة، ومن جهة ثالثة يتوجب عليهم إظهار مشاعر الأسف لعدم نجاح تسديداته في التهديف من خلال الصياح مساندة له.

2) تحقق الاحتفالية:

يبدو أن من صميم انشغالات البحث العلمي المعرفي cognitif محاولة فهم كيفية تقمص الشاب شوشع المتأخر عقليا لهذا الدور الاجتماعي أي دور أسطورة كرة القدم وتوهمه أنه حقيقة فعلية في ظل المواضعة المصطنعة الزائفة التي يتصرف وفقها الناس الذين يحيطون به، وهذه المحاولة في حقيقة الأمر ربما مكنت الباحثين من معرفة حدود التأخر العقلي لهذه الفئة من الناس ذوي الهمم، وهي معرفة تفيد في تطوير أساليب تأهيلهم اجتماعيا وثقافيا ضمن الحياة العامة.

يبدو أن المواضعة المصطنعة التي يقتنع شوشع بواقعيتها تجعله دائم الحماس للعب دور أسطورة كرة القدم كلما سنحت الفرصة في ملاعب كرة القدم، ومن جانب أخر بشكل دائم في حياة شوشع الشخصية والنفسية، ويبدو أن تحمس شوشع الدائم لتقمص الدور وسعادته به يجعل المحيطين به أيضا دائمي الحماس للتصرف معه وفق المواضعة المصطنعة، وهذا الإقبال من قبل الناس بشكل دائم لتشجيع ومناصرة شوشع الأسطورة يخلق تحفزا نفسيا مستمرا لديهم في خلق مناسبات وفرص لاحتفالية أحياء شعبية متكررة بشوشع وكرة القدم، سواء باللعب معه على أرض الملعب أو بمناصرته خارج حدود الملعب.

ويبدو أن من المهم جدا هنا الإشارة إلى كلام جورج هانس غادامير لدى تحليله مفهوم اللعب في كتابه الحقيقة و المنهج، حيث يوضح أن المشاركين في أية لعبة يتصرفون بجدية حيال تطبيق قوانين اللعبة وهي جدية قد تصل إلى حد الغضب الشديد لدى كسر قواعد اللعب من قبل الخصم في اللعبة، وهنا تبدو مفارقة عجيبة حيث يكون الناس جديين جدا على الرغم من كون الأمر يتعلق باللعب، ولهذا قد يكون تذكر هذه المفارقة مجديا في فهم أكثر لكيفية تحقق احتفالية شوشع الأسطورة سواء أتعلق الأمر بشوشع أم تعلق بالناس المحيطين به، كما قد يكون مهما أيضا في فهم أساليب إقناع وسائل الإعلام للناس بكثير من الأمور التي لا تمثل في واقع الأمر سوى مواضعات مصطنعة هدفها الترويج لسلع معنوية أو مادية تستهدف المال فحسب في بعض من الأحيان، حيث يكون الناس غير السيميائيين غير قادرين على كشف المواضعات المصطنعة تماما كما هو الحال مع شوشع.

3) توسع الاحتفالية:

تم تداول مقاطع الفيديو التي تصور لعب شوشع كرة القدم وتفاعل جمهوره القريب معه عبر وسائط التواصل الاجتماعي، ويتمكن الأشخاص الأسوياء بيسر اكتشاف أمر المواضعة المصطنعة المتعلقة بأسطورية شوشع، ويمثل هذا الاكتشاف باعثا على الضحك والمتعة غالبا لديهم، وفي بداية الأمر يرغب هؤلاء في نقل هذا الشكل الأيقوني المضحك إلى الآخرين من الأصدقاء والمقربين طلبا لإشراكهم في المتعة، وسرعان ما حقق هذا التداول لأيقونة شوشع المضحكة المسلية توسعا سريعا عبر ميادين الشبكة العنكبوتية، وصار شوشع الأسطورة المحلية مشهورا لدى العام والخاص.

وتبدو المفارقة في هذا الأمر أن الناس سرعان ما يتصرفون إزاء المشهورين من ذوي الهمم الذين يعانون تأخرا عقليا بالطريقة نفسها التي يتصرفون بها مع الأسوياء من المشاهير، فيتملكهم فضول دائم لمعرفة آخر مستجدات حياة الأسطورة شوشع في كل مناحي حياته الشخصية والعامة، فيتحول شوشع من مجرد أسطورة زائفة مصطنعة إلى واحد من المشاهير الحقيقيين الذين يرغب زائروا مدينة وهران الجزائرية في اللقاء به وأخذ صور تذكارية معه تماما كما يحدث مع المشاهير الأسوياء.

4) خلاصة:

يظهر هذا البحث السيميائي أن الاحتفاء بذوي الهمم ممن يعانون تأخرا عقليا يسهم أحيانا في إظفاء مشاعر السعادة والفرح عليهم بالدرجة الأولى، غير أن سعادتهم في الغالب سعادة معدية تنتقل بسرعة إلى المحيطين بهم، وهو أمر جميل من الأمور التي نرغب دائما في تحقيقها في حياتنا الاجتماعية، غير أن هذا البحث أيضا سرعان ما انخرط في فهم آليات اصطناع المواضعة وكشفها، وأظهر أن التحلي بالوعي السيميائي في حياتنا الاجتماعية هو بمثابة التحلي بدرجة وعي أعلى من التي يمتلكها الأشخاص من غير السيميائيين.

طالب دكتوراه علوم في الأدب العربي الحديث جامعة عنابة الجزائر و عضو دولي في مخبر بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب ليبيا