منصف الوهايبي
إن عنوان هذا المقال «سرقات الشعراء وما تواردوا عليه» هو عنوان كتاب مفقود منسوب إلى ابن السكيت (ت243 هـ) وقد ذكره ياقوت في «معجم الأدباء». ولعله من كتب السرقات الأولى المبكرة. وفقدانه خسارة لا شك، إذ كان يمكن أن يعدل نظرتنا إلى «السرِق الأدبي» وتاريخ ظهوره أو نشأته في ثقافة العرب. وهو على ذلك يمكن أن يكون دليلا على أن الحس النقدي لم يتنبه إلى هذه الظاهرة، على الرغم من ارتباطها بالغزو البدوي، إلا في سياقين: عام هو بدايات التدوين منذ القرن الأول هجريا، وكانت كلمة «ديوان» نفسها وهي فارسية معربة، تعني الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء. ويروى أن أول دون الديوان بهذا المعنى هو الخليفة عمر. أما الخاص فمرده إلى الخصومة بين جرير والفرزدق، وما عرف بـ«النقائض» أي أن ينقض الشاعر الآخر ما قاله الأول.
والافتراض الذي أسوقه، وهو سائغ مقبول كما أبين لاحقا، أن ظاهرة «السرق» أو «السرقات الشعرية» ترجع إلى الكتابة، وليس إلى الشفوية كما دأبنا على القول؛ أي الكتابة التي نشدد استئناسا بالمباحث الحديثة كما عند جاك غودي خاصة، على أنها يمكن أن تنشأ خارج الأمية بالخط، بل إن في حفاوة النقد العربي القديم بـ»سرقات الشعراء» ويكاد لا يخلو مصنف منه ومن باب قائم فيه، وهو موضوع لا نقف على أثر له في ما وصلنا من إشارات خاطفة إلى نوع من «النقد» ما قبل الإسلام، بل هو ليس نقدا، وإنما ملاحظات ومآخذ وتصويبات؛ ما يؤكد أن «الاستعمال المتواطئ» هو إحدى سمات الكلمة المكتوبة، أكثر منه سمات الكلمة الشفوية. ولعل هذا ما جعل كثيرا أو قليلا من شعراء العربية، وقد أدركوا منذ أن أنشد عنترة «هل غادر الشعراء من متردم» أن ظاهرة تكرير المعاني كما هي أو أخذها، مما يجافي خاصة الشعر، ويذود عنه جوهره. ومن ثمة صرفت طائفة منهم همها حينا إلى تكثيف لـ«المعنى على المعنى» أو ما يمكن أن نسميه «المعنى المكنى» الذي يتأدى على أساس من معنى سابق يحتال له الشاعر أو يحتال عليه، بشتى أساليب القول وأفانينه. وربما صرفه بعضهم إلى «المعنى غير المسمى» أو الذي تتعذر تسميته، أو ما يمكن أن نسميه «اللامتصور» أو«المعنى الإحالي» أو «الاستحالي». وربما صرفه إلى المعنيين معا كما هو الشأن في شعر أبي تمام خاصة.
صحيح أن العرب شأنهم شأن الشعوب السامية، عرفوا الكتابة قبل الإسلام، لكنها لم تكن من أوضح صفاتهم، ولا هي من أظهر خصائص ثقافتهم؛ الأمر الذي جعلهم لا يتنبهون إلى «سرقات الشعراء» لأن اكتشاف «المسروق» هو نوع من تقصي الأثر، وهذا إنما تيسره الكتابة أو قراءة القصيدة مكتوبة أكثر مما ييسره السماع. والملفوظ أو السماعي، كما بينت في مقالات أخرى، ذو وفرة وغنى من حيث مكوناته الصوتية، إذ يتميز بقوة الصوت، أو مداه وبسرعته، أو بطئه وبنغمه أو نبرته. وهو لا يستدعي الأسماع حسب، وإنما «المرئي أيضا ويستخدمه لتوضيح فرق أو لإبراز معنى، إذ غالبا ما تلابسه حوامل أخرى إضافية ليست من طبيعته مثل، الإيمائية التعبيرية وحركة الجسد، وما إلى ذلك مما هو أمس بالإيقاع والإنشاد. وهي سمات مميزة للكلام الشفهي قد تجلو بعض بواعثه وخفاياه. وقد تعرب عن خلجات صاحبه وسرائره. وقد تستوضح معنى وتستوفي فكرة. لكنها تذهب بذهاب الكلام وتنطوي بانطوائه. والكلام إنما يكون حيث لا يكون، فهو الذي ينتمي أبدا إلى الماضي، أو أن حقيقته في الماضي وليس في الحاضر. ولذلك يصعب أن نتقصى الأثر سماعا، أو أن نكتشف المسروق فيه. فثمة حدود يقف الكلام الشفوي إزاءها مصدودا لا تسعفه حركة ولا تنجده إيماءة أو سانحة من السوانح المرئية التي يترصدها المتكلم (المنشد) ويتذرع بها. من ذلك سرعة عطبه وتلاشيه، وهو الخاطف الزائل، ووضعه المحكوم بحضور آني مشترك: حضور صاحبه وسامعه معا، المقيد بـ «أنا/ هنا/الآن» وشروطه السمعية الصوتية ومقاماتها. فهذه كلها أمارة من أمارات عوزه وعلامة من علامات دثوره، قد تفسر، في جانب منها، تفاوت الإنشائية مراتب ومنازل، مثلما تفسر لجوء الشاعر إلى الأخذ من غيره.
أعني أن اكتشاف السرقة، إنما ييسره التفكير الخطي، أو العقلية الخطية وليس «العقلية السماعية» لأن الكتابة ليست مجرد تسجيل محكي للكلام، وإنما هي طريقة في تناول الأشياء والموضوعات، توطئ أشكالا مخصوصة من النشاط اللغوي، وتتعهد طرقا في وضع المشاكل وحلها، وفي تغيير نمط المعطيات التي نأخذ بها، في مسألة من المسائل مثلما تغير من نسق المناهج التي نعتمدها في معالجة هذه المعطيات؛ إذ هي تزودنا بأصول ترتيب أكثر نجاعة وجدوى من حيث التحديد والتقسيم وشد الروابط، وعقد العلائق ورد الأشياء على اختلافها إلى طبقات وأنواع وطوائف وأجناس. وأقدر أن ظاهرة السرقات تجري في هذا المجرى، حيث الكتابة تزود أنظمة الترتيب والتصنيف الأكثر حذقا ومهارة، ببنى ومخططات مختصرة مثلما هي مفصلة. وغالبا ما يؤدي ذلك إلى تثبيت قول (ملفوظ) بقرينة دالة أو بسياق مخصوص، في نظام من المعارضات، ثابت لا يتغير؛ إذ يتسنى بهذا الصنيع، أن نختزل دلالة الشيء أو حقيقته نسبة إلى ملاحظه أو قارئه، أو تمييز الآخذ من المأخوذ منه، والسارق من المسروق. قد يعترض البعض على هذا الطرح، وقد يتعلل بأن الكتابة لم تكن قط دلالة على بدء نضوب قوة الذاكرة «القديمة» أو فتورها ونفاد حيويتها الكامنة؛ إذ ظلت الذاكرة فاعلة في ثقافة العرب «الكتابية» وهم الذين كان يساورهم شك غير يسير في قيمة الكتابة وفي مدى قدرتها على نقل العلوم والفنون وتناقلها، دونما سند من ذاكرة أو سماع. وهذا صحيح لا شك، فلم تكن الكتابة على احتفائهم بها وعنايتهم بصناعتها، لتخفف عبئا عن الذاكرة أو لتنهض بصيانة اللغة وحفظ النص في أصوله. إنما كان تسجيله أو تقييده، وربما لم يكن الأمر ليتعلق حتى بتثبيته. بيْد أن لا ينقض الطرح الذي أسوقه، خاصة أن كل النقاد والبلاغيين الذين شغلهم موضوع السرقات، هم كتاب وأدباء، وليسوا مجرد حفظة؛ وكانت دواوين الشعر متوفرة لديهم. ونعرف من تاريخ بغداد مثلا، مدى شيوع الكتابة والتدوين خلال العصر العباسي وعناية الشاعر بكتابة قصيدته ومراجعة مُسَودتها. لكن من غير أن ننكر أن بعضهم تجافى عن أمانة النقل وصدق التحري، أو استرسل مع نزعات النفس ونوازع التحيز؛ فتلونت كتابته بمزاج الراوي أو الشارح أو الناقد، وربما قطعوا، بهذا الصنيع علاقة بيننا وبين النص في أصوله الأولى، واجتذبونا إلى علائق خاصة بهم اجترحوها اجتراحا. وهذا عادي لأن الكتابة أداة إبلاغ وتبليغ، مثلما هي أداة تزوير وتدليس أي هي تخدع وتموه أيضا.
من الطبيعي إذن أن تتمخض الكتابة، خاصة كتابة القصيد عن خسارة يصعب أن يعتاض عنها. فالكلمة المكتوبة، منظورا فيها من موقع الشفهية، لا تحوي خصائص ذات نظام صوتي ولا هي تقتضي مواكبة الحركي الإيمائي ولا المقام الحميم الماثل للعيان، حيث يتسرب المتكلم (المنشد) في كلامه ويفتن في أساليب خلق التأثير في سامعه، بما يملأ حواسه ويفعم شعوره.
إنما هي خلو من كل هذه السمات التي تكون ثروة الملفوظ الشفهي وغناه. والكتابة بهذا المعنى لا تعدو كونها إجراء يقيد الكلام أو يثبته، على قدر ما ينسخ وجوهه التعبيرية ويطمسها. ولعل هذا ما يجعل الكلمة المكتوبة، وقد استفرغت من غناها الصوتي، تنقاد بسرعة أكثر من الكلام إلى نوع من الاستعمال المتواطئ أو المشترك الذي يحافظ على المعنى نفسه في مختلف صيغه وأشكاله: فهي وقد ضاعت منها خصائص الكلام الصوتية أو هي تلفت لحظة الكتابة، تتثبت في الكلام المكرور وتترتب في صيغ متعاودة متواترة، وربما أمكن بناء على هذا، أن نعيد النظر في «شفوية» الشعر الجاهلي، وأن نفسر ظاهرة تكرير المعاني والموضوعات والصيغ في الشعر العربي قديمه ومحدثه. وكثير منه «مقولب» أو هو من مُعاد القول ومكروره. وربما أعوزته الصفات الفردية المميزة التي هي مملوك الشاعر أو ضالته.
وها هنا نقدر أن لباب السرقات في المصنفات النقدية والبلاغية القديمة، أكثر من مزية، لعل أبرزها، مساعدتنا على فهم مرجعية الشاعر حق الفهم، وتفسير التعارض القائم بين «الكتابي» و«الشفوي» وقدرة الأول على التأثير في الثاني.
بل لعل الكتابة تتذرع بهذا «السرق» لتحفظ للكلام «الحي» أي الشعر ثروته وغناه. والكلمات مكتوبةً إنما تقيد الإدراك وتحصره في مجال واحد هو مجال المرئي أي مجال العين والقراءة.
*كاتب وشاعر تونسي
** القدس العربي





