بقلم || هشام شمسان
“إنني أحس أننا بحاجة إلى النقد الثقافي أكثر من النقد الأدبي، ولكن انطلاقاً من النقد الأدبي؛ لأن فعالية النقد الأدبي جُـرِّبت وصار لها حضور في مشهدنا الثقافي والأدبي” (عبدالله الغذامي. ناقد أدبي، وثقافي سعودي) (١)
يعتبر النقد الثقافي أحد أهم فروع النقد الفني والأدبي، إذ يدرس العلاقة بين الفنون والأدب والثقافة والمجتمعات؛ بتمحوره حول تحليل المفاهيم، والأفكار الثقافية المضمرة في نسيج تلك الأعمال، بتركيزه ،على الأبعاد الاجتماعية والسياسية، والدينية، والاقتصادية، والتاريخية، والجغرافية؛ أي أنه يهتم بتحليل الثقافة ككل، ويسعى إلى فهم الأعمال الثقافية- بما فيها الأدبية- من خلال السياق الذي تم إنتاجها فيه .
ويعد النقد الثقافي شاملاً للنقد الأدبي، ولكنه أوسع منه. فالنقد الأدبي يتعلق بتحليل وتقييم الأعمال الأدبية ومحتواها، تحليلاً أدبياً، بلاغياً، وجمالياً؛ بينما يشمل النقد الثقافي تحليل وتقييم المنتجات الثقافية بشكل عام، سواء كانت أدبية، أو فنية، أو اجتماعية، أو غيرها. وبهذا المعنى يمكن القول بأن النقد الثقافي يضم في طياته القضايا الأدبية، إلى جانب قضايا أخرى مثل الفنون والإعلام والثقافة الشعبية، وغيرها .
أهم الأنساق التي يتناولها النقد الثقافي في الأدب (2)
– أنساق العلاقات الاجتماعية والثقافية بين الشخصيات المختلفة في النص.
– أنساق التمثيلات اللغوية والثقافية للصراع الإنساني، والأخلاقي الموجود في النص..فما دام النص الأدبي يعتمد بشكل تام على اللغة وتمثيلاتها، فإن من خلالها يمكن فهم العديد من العناصر الثقافية. وعلى سبيل المثال، قد يستخدم الكاتب أسلوباً أدبياً كلاسيكيًّا في الرواية، وهذا الاستخدام، قد يدل على الاهتمام بالتقاليد والموروث الثقافي الذي يتبعه النص.
– أنساق القيم الثقافية، والفكرية التي يحتفي بها النص..فقد يتطرق النص الأدبي إلى قضايا ثمثل العادات، والتقاليد، والقيم الاجتماعية، والثقافية لمجتمع النص، فيدرس النقد الثقافي مدى تأثير هذه القيم على الأفراد والمجتمع .
-الصراعات السياسية، والحزبية الحاصلة في بلد، أو مجتمع، ما، والتحولات التي تصاحب ذلك.. فالنص الأدبي قد يتناول قضايا سياسية معينة، مثل الفساد، والظلم الاجتماعي، وتقييد الحريات الفردية، ومدى تأثير هذه القضايا على المجتمع والثقافة.
– نسق المنظومة الاجتماعية، والاقتصادية لمجتمع الرواية، مثلاً، ومن خلال ذلك يمكن فهم الطبقات الاجتماعية وتفاصيل حياة الناس في هاتين المنظومتين .
– من الإشكالات الحديثة التي قد يتناولها الأدب- خصوصاً في المجتمعات المنفتحة، ويركز عليها النقد الثقافي- إشكالية الجنس، والهوية الجنسية، حيث يمكن للنص الأدبي التركيز على الخصائص الجنسية للشخصيات، ومرتبط ذلك بموضوع الهوية الجنسية والعلاقات بين الجنسين.
– كما يدرس النقد الثقافي قضايا مهمة مثل أنساق الهوية الثقافية، والتنوع الثقافي، والتعددية، والعولمة، والهجرة، واللغة، والدين، والنوع الجندري، والتمثيل الإعلامي، والكثير من القضايا التي تتعلق بالثقافة والمجتمعات والعلاقات الإنسانية.
ويسعى النقد الثقافي في النصوص الأدبية إلى فهم تأثير هذه العناصر الثقافية على القارئ وعلى المجتمع، وكيفية صياغة التفكير الثقافي، والإجتماعي في مجتمع معين.
مع التأكيد على النقد الثقافي يمكن تطبيقه على مختلف أشكال الإنتاج الثقافي، مثل الأفلام والمسرحيات والأعمال الأدبية والفنون التشكيلية والموسيقى والإعلام والتكنولوجيا والألعاب الإلكترونية وغيرها. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يستفيد النقد الثقافي من التطور التكنولوجي الحديث، واستخدام وسائل الإعلام الجديدة في تفعيل دوره وزيادة تأثيره.
ولهذا يتطلب النقد الثقافي فهمًا عميقًا للقيم، والافتراضات، والسياسات الاجتماعية التي تؤثر على كيفية بناء الهوية الثقافية لدى الناس والمجتمعات. ومن خلال هذا الفهم العميق، يمكن للنقاد الثقافيين التركيز على تأثيرها على السياق الاجتماعي والثقافي لتلك الأعمال .
ونستطيع تقسيم النقد الثقافي إلى عدد من الفروع، منها: النقد الثقافي للأدب، النقد الثقافي للفن التشكيلي، النقد الثقافي للسينما، وغيرها. ويهدف كل فرع من هذه الفروع إلى تحليل المفاهيم والأفكار الثقافية، وكيف تتم تجسيدها وتأثيرها في الفن والأدب والمجتمعات عموماً .ويستعين النقد الثقافي بأساليب تحليلية ونقدية مختلفة لهذا الغرض، مثل التحليل السيميائي، والفني، واللغوي، والوصفي، وكذلك النقد الجمالي والفلسفي.
إن من أهم أهداف هذا النقد إمكانية استخدامه لتغيير وجهات النظر الخاطئة والمعتقدات النمطية، والتحيزات للأشخاص، والمجتمعات المختلفة، وتعزيز قبول الآخر، والتعايش بصورة سلمية ومثمرة..كما يمكن استخدام النقد الثقافي للمساهمة في محاربة العنصرية والتمييز والتعصب والكراهية التي تعمق الانقسامات والتوترات في المجتمعات المختلفة، والمساهمة في خلق مجتمعات أكثر توازنا وتسامحًا وتناغماً بين أفراده.
سنقدم مثالاً بسيطاً، وسهلاً من النقد الثقافي لمقطع شعري مختار من إحدى قصائد محمود درويش:
يقول الشاعر :
“كيف حال والدي ألم يزل كعهده،
يحب ذكر الله والأبناء ..
والتراب .. والزيتون؟
وكيف حال إخوتي هل أصبحوا موظفين؟
سمعت يوما والدي يقول:
سيصبحون كلهم معلمين…
سمعته يقول: “أجوع حتى أشتري لهم كتاب”
لا أحد في قريتي يفك حرفاً في خطاب
وكيف حال أختنا هل كبرت .. وجاءها خطّاب؟
وكيف حال جدّتي.ٍ.؟ (٣)
يشير المقطع إلى بعض التقاليد العربية العريقة، وعادات المجتمع المحلي الفلسطيني، من خلال الاهتمام بقيم الأسرة، وقضايا الوطن، والمجتمع، وتواصي الأجيال بأهمية الوطن ومحبة،الأرض، وماتزرعه الأرض مثل شجرة الزيتون التي يكثر زراعتها هناك، وتعد رمزاً للتراب الوطني .
كمايعبر عن الوضع الاجتماعي والتعليمي لبعض القرى الفلسطينية، حيث يصعب العثور على الأشخاص الذين يتقنون مهنة التعليم.
وهو- أيضاً- يجدد المعاناة المستمرة للمجتمع الفلسطيني، نتيجة للحصار، وقلة الدخل، وانعدام مصادر الرزق ، ومن طرف خفي يشير إلى ظاهرة العنوسة، وتأخر سني الزواج أحياناً ..
إن الشاعر ينسج شعره من واقع المجتمع المحلي الفلسطيني، ويستخدم الصور الشعرية، والمجاز؛ لإيصال رسالته بصورة بديعة، ومؤثرة.
هامش :
(1) كتاب النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية. المركز الثقافي العربي. ط: 2005.
(2) هذه الأنساق بعناصرها، ليست مقتبسة، بل كانت خلاصة قراءات عديدة، وعميقة في كثير من الكتب، والمقالات، والدراسات الثقافية العربية، والأجنبية (المترجمة) التي تناولت مفهوم النقد الثقافي، وأبعاده، وتمثيلاته، وأنساقه، ومجالات تناولاته، وتم صياغتها بذاتية، ومرجعية شخصية، ليس فيها أثـر نقلي، مقتبس من أي مرجع منها .
(٣) من قصيدة ” رسالة من المنفى”
——————–
أديب وكاتب من اليمن





