المجلة الثقافية الجزائرية

نعومي شهاب ناي

قصائدُ فِلسطینیَّةٌ – ھُنا نودِّعُ الحیاةَ القلیلةَ

نعومي شھاب ناي
 
ترجمة:ُ د. محمَّد حِلمي الرِّیشة*

شاعرةٌ وروائیَّةٌ وكاتبةٌ فلسطینیَّة،ٌ ولدتْ في سانت لویس- میسوري، في 12 آذار/ مارس ،1952 لأَبٍ
فلسطینيٍّ ھوَ عزیز شھاب؛ یعملُ صحافیًّا ومحرِّرًا وكاتبًا، وأُمٍّ أَمریكیَّةٍ تعملُ مدرِّسة،َ وقدْ نشأَ والدُھا فِي
فلسطین،َ وبعدَ النَّكبةِ ھُجِّرتْ عائلتُھُ مِن فلسطینَ فِي العامِ، 1948 فأَصبحوا لاجئینَ فِي الخارج.ِ تعلَّمتْ نعومي الكتابةَ فِي سنٍّ مبكِّرة،ٍ متأَثرةً بقراءَةِ والدتِھا لَھا، وحینَ بلغتِ الرَّابعةَ عشرةَ مِن عمرِھا انتقلتْ عائلتُھا إِلى الضِّفَّةِ الغربیَّةِ فِي فلسطین،َ لزیارةِ جدَّتِھا ھناك،َ وعاشتْ فترةً قصیرةً فِي رام الله والقدس، حیثُ تلقَّتْ جزءًا مِن
تعلیمِھا الثَّانويِّ، وعادتْ وعائلتُھا إِلى الولایاتِ المتَّحدةِ قبلَ نكسةِ حزیران/ یونیو فِي العامِ ،1967 وقدْ تركتْ زیارتُھا لفلسطینَ أَثرًا كبیرًا فِي نفسِھا انعكسَ علَى كتاباتِھا فِیما بعد،ُ وتصفُ زیارةَ جدَّتِھا فِي قریةِ سِنْجِلَ القریبةِ مِن رام الله بأَنَّھا تجربةٌ غیَّرتْ حیاتَھا. أَلَّفتْ أُولى قصائدِھا فِي سنِّ السَّادسة،ِ ونشرتْ وساھمتْ فِي أَكثرَ مِن ثلاثینَ مجلَّدًا فِي الشِّعرِ والقصصِ والكتبِ المصوَّرةِ والرّوایات،ِ وتركِّزُ فِي أَعمالِھا علَى المواضیعِ المتعلِّقةِ بتشابھِ وتباینِ الثَّقافات.ِ

 

■ القدسُ
“لِنكُنِ الجرحَ ذاتَھُ إِذا اضطُرِرنا للنَّزیف.ِ
دَعونا نقاتلُ جنبًا إِلى جنب،ٍ حتَّى لوْ كانَ العدوُّ
أَنفُسَنا: أَنا لك،َ وأَنتَ لِي.”
— تومي أُلوفسون، السُّوید
لستُ مھتمَّةً
بمَنْ عانَى أَكثر.َ
.أَنا مھتمَّةٌ بتجاوزِ النَّاس لھَا.
مرَّة،ً حینَ كانَ أَبي صبیًّا
أَصابَ حجرٌ رأْسَھ.ُ
لمْ یَنْمُ الشَّعرُ محلَّ الإِصابة.ِ
أَصابعُنا وَجدتِ البقعةَ الرَّقیقةَ
ولُغزَھا: الصَّبيُّ الَّذي سقطَ
یقف.ُ دلوٌ منَ الكمَّثرى
عندَ مدخلِ بابِ أُمِّھِ یرحِّبُ بھِ للبیت.ِ
الكمَّثرى لاَ تَبكي.
فِیما بعد،ُ صدِیقھُ الَّذي رمَى الحجرَ
یقولُ إِنَّھُ كانَ یصوِّبُ نحوَ طائر.ٍ
ویبدأُ أَبي فِي نُموِّ الأَجنحة.ِ
.
كلٌّ مِنھما یحمِلُ بقعةً رقیقة:ً
شيءٌ مَا نسیتِ الحیاةُ أَنْ تُعطینا إِیَّاه.ُ
رجلٌ یَبني بیتًا ویقول:ُ
“أَنا مواطنٌ محلِّيٌّ الآن.َ”

2
امرأَةٌ تتحدَّثُ إِلى شجرةٍ بدلاً منِ ابْنِھا. ویأْتي الزَّیتون.ُ
قصیدةُ طفلٍ تقول:ُ
“لاَ أُحبُّ الحروب،َ
یَنتھِي بِھم الأَمرُ مَع الآثار.ِ”
إِنَّھُ یرسمُ طائرًا بجناحَیْنِ عریضَیْنِ
لماذَا نحنُ بطیئونَ للغایةِ؟ .یكفیانِ لتغطیةِ سقفَیْنِ فِي وقتٍ واحد.ٍ
جنودٌ یراقبونَ صیدلیَّة:ً
البنادقُ كبیرة،ٌ وأَقراصُ الدَّواءِ صغیرة.ٌ
إِذا قمتُ بإِمالةِ رأْسِكَ قلیلاً
ھناكَ مكانٌ فِي عَقلي .فھذَا أَمرٌ مثیرٌ للسُّخریة.ِ
لاَ تَنمو فیھِ الكراھیة.ُ
أَجسُّ لُغزَھا: الرِّیحُ والبذور.ُ
شيءٌ مَا یوخزُنا ونحنُ نیام.ٌ
.
الوقتُ متأَخِّر،ٌ لكنْ كلُّ شيءٍ یأْتي فِیما بعد.ُ

■ زھریاتٌ صغیرةٌ منَ مدینةِ الخلیلِ
ترتفعُ أَفواھُھا نحوَ السَّماء.ِ
الفیروز،ُ العنبر،ُ
الأَخضرُ الدَّاكنُ مَع مقبضٍ مُخدَّد،ٍ
إِبریقٌ بحجمِ إبھامین،ِ
وشفةٌ صغیرةٌ وخصرٌ رشیق.ٌ
.
ھُنا نضعُ أَصغرَ زھرةٍ
كانَ منَ الممكنِ أَنْ تعیشَ غیرَ مرئیَّةٍ
فِي تُربةٍ طریَّةٍ بجانبِ الطَّریق،ِ
وغُصنًا مِن إِكلیلِ الجبلِ النَّضر،ِ
ونعناعًا منحنیًا.
.
ھُنا نودِعُ الحیاةَ القلیلة،َ .تَنمو عمیقًا فِي وسطِ الطَّاولة.ِ
والخیط،َ والقطعة،َ والنَّفَس،َ
وانحناءَاتِھا. إِنَّھا تنتظرُ طوالَ الیوم،ِ
بَینما یبردُ الخبزُ والأَطفالُ یفتحونَ كرَّاساتِھم الرَّمادیَّةَ
لیشكِّلوا الحرفَ الَّذي یشبِھُ
مِدخنةً ترتفعُ مِن مَنزل.ٍ.

3
وماذَا تقولُ العناوینُ؟
.
لاَ شيءَ منَ البتلةِ الأَصغرِ مرتَّبةً تمامًا داخلَ أَكبرِ بتلةٍ
أَو طریقةَ مُرشِّحاتِ الزُّجاجِ الملوِّنةِ للضَّوء.ِ
الرِّجالُ والفِتیة،ُ یصلُّونَ حینَ موتِھم،ْ
ویسقطونَ مِن جلودِھم.ْ
أَبجدیَّةُ الحیاةِ كلُّھا،
ورؤوسُ وذیولُ الكلمات،ِ
والجُمَل،ُ بالأُسلوبِ الّذي قالُوا بھ،ِ
“یَا اللهُ!” حینَ انْدھَشوا،
أَو “یَعنِي” مقابلَ “أَنا أَعنِي”—
كأْسٌ مھشَّمةٌ تحتَ الأَقدامِ
لاَ تزالُ تضيء.ُ
لكنَّ الطِّفلةَ ابنةَ الخلیلِ نائمةٌ
علَى الرَّغمِ مِن جَلجلةِ سقوطِ إِخوتِھا
والحزنُ الطَّویلُ للَّونِ الأَحمر.ِ

■ قدْ یقولُ فلسطینيٌّ
ماذَا؟
لاَ تشعرُ بأَنَّكَ فِي بیتِكَ وأَنتَ فِي وطنِك،َ
بالكادِ بینَ عشیَّةٍ وضُحاھا؟
كلُّ الأَشیاءِ البسیطةِ
الَّتي اھتممْتَ بِھا،
ربَّما تُعتَبرُ أَمرًا مفروغًا منھ…ُ
أَتشعرُ بالإِھانة،ِ أَنَّكَ غیرُ مرئيٍّ؟
تقریبًا كأَنَّكَ لستَ ھناكَ؟
لكنَّكَ ھناك.َ
حیثُ قبلَ أَنْ تختلطَ بحریة…
النَّاسُ الَّذینَ لمْ یُقَدَّروا
ھُمْ مثلكَ تمامًا…
الانقساماتُ تَنمو بشكلٍ أَقوَى.
ھذَا مَا سیفعَلھُ “المختارُ” و”غیرُ المختارُ”.
(فقطْ اِبْقِ عینَیْكَ علَى بیوتِكَ وحدائقِك.َ
اِبْقِ عینَیْكَ علَى تلكَ الشَّجرةِ فِي إِزھارِھا.)
نعم،ْ جدار.ٌ جاءَنا فِي وقتٍ لاحق،ٍ ولكن…ْ
مَن یتحدَّثُ كمْ تَبدو الأَرضُ حزینة،ً
ومُحدَّدةً بجدارٍ ضخمٍ؟
ھذَا لیسَ ظلاًّ عادیًّا.
إِنَّھُ شيءٌ آخرُ یَلُوحُ فِي أُفقِ حیاتِك.َ

 

■ حِكمتي

4
حینَ یكونُ لدَى النَّاسِ الكثیرُ
.یریدونَ المزیدَ
حینَ لاَ یكونُ لدَى النَّاسِ أَيُّ شيءٍ
سوفَ یشاركونَھُ بسعادةٍ
*
بعضُ النَّاسِ یقولون:ُ
لاَ تشقُّوا طریقَكمْ
أَنشؤوا شخصیَّةً
یجبُ أَنْ تكونَ شخصیَّتُنا الآنَ
عمیقةً وواسعةً كقارَّةِ
إِفریقیا، وأُسترالیا
شلاَّلاً عملاقًا منَ النُّجومِ
*تتساقطُ خللَ لَیْلِنَا الضَّخمِ
أَینَ ذھبتِ القوَّةُ؟
ھلِ استمتعتْ باستراحتِھا؟
ھلِ استنفدتِ الطَّاقةَ؟
مَا ھيَ القوَّةُ الحقیقیَّةُ؟
مَن یملكُ القوَّةَ حقًّا؟
ھلِ تعطَّلَ المولِّدُ؟
ھلْ نتخیَّلُ الصَّمتَ
أَقوى لأَنَّھُ
قدْ یَحتوي علَى كلِّ شيءٍ؟
یعیشُ الھدوءُ دائمًا
داخلَ الضَّوضاء.ِ
*لكن،ْ ھلْ تمَّ إِنجازُ الكثیرُ؟
ینتظرُ الصَّمتُ
*الحقیقةَ لیحطِّمَھا
یمكنُ أَنْ تَبكي التَّقاویمُ أَیضًا
*تریدُنَا أَنْ نَحظى بأَیَّامٍ أَفضلَ
مرحبًا بكلِّ دقیقةٍ
*اُشعرْ بأَنَّكَ محظوظٌ لأَنَّكَ لاَ تزالُ فِیھا
لاَ طائرٌ یَبني جدارًا
*
حافظةُ السَّماءِ
تغیِّرُ
* الجلجلةَ

5
لنْ نسلِّمَ
آمالَنا
مِن أَجلِ أَيِّ شيء!
*
لیسَ خطؤكَ
*أَنتَ لمْ تصنعِ العالمَ
كیفُ یجرؤُ ھذَا علَى الاستمرارِ والاستمرارِ؟
*
بكَى مَن یؤمنُ بالصَّلاةِ
إِنْ شاءَ اللهُ إِنْ شاءَ اللهُ إِنْ شاءَ اللهُ
وكانَ ھناكَ آخرونَ ممَّنْ یصلُّونَ
* للآثارِ والقِرمیَّاتِ
النَّخیلُ المكشوفُ
* یحملُ المزیدَ
رفضُ ارتكابِ الأَخطاءِ
*فیھِ قوَّةٌ كثیرةٌ
الشَّخصُ المزعجُ؟
الشَّخصُ الَّذي طلبَ منِّي البقاءَ فِي البیتِ
وأَنْ أَفعلَ مَا تفعلُھُ الفتیاتُ الأُخریاتُ؟
إِذا اختفیتَ
*فقدْ أَفتقدُكَ
یریدُ الأَطفالُ مساعدتَنا
إِنَّھمْ یضحكونَ
مِن دونِ سببٍ
*
اِنتبھْ جیِّدًا
لقطرةِ ماءٍ
علَى طاولةِ المطبخِ
*
لاَ یمكنُكَ أَنْ تقولَ كلمةً واحدةً عنِ الدِّینِ
وتستبعدَ “أَحمدًا”

 

* شاعرٌ ومترجمٌ وباحثٌ فلسطینيٌّ.
Mohammad.h.rishah@gmail.com