عبد المنعم همت
في زمن الحروب تتداخل الأشياء وتضيع المسميات وفي ذات الوقت تنبلج الخفايا لتخرج المشاعر الصادقة بما فيها من كذب وصدق. يخرج الناس من بيوتهم إلى متاهات تكسوها الغموض خوفا من الذين يحملون الموت على ظهور المحن. في أم درمان البقعة التي دنسها البارود وظلت تشهد الموت منذ أن حمل الاستعمار المدفع ليغير التاريخ.
في عبق التاريخ ومنحنى الفوضى يجلس شيخ الأمين المشهور بشيخ الجكس. رجل تسبقه ابتسامته وتسامحه العريض، تختلف معه ولكن تجده في الشدة بازاً لا يعرف الخوف. خرج الناس من أم درمان بفعل الحرب ولكن ظل الأمين في مكانه وبيته مفتوح لسكان الحي وللقادمين من كل ضيق، يقدم أصناف الطعام ويجود بصناعته بنفسه أحيانا من أجل أن يبقى الجميع في سكينة فوجوده يعطيهم القدرة على الصمود في زمن الخذلان والفقدان والتيه. تحول منزله إلى مشفى يساق إليه المرضى والمصابين فليس هنالك مشفى في المدينة إلا ونالت منه القذائف. في منزله تجد المتطوعين من الأطباء الذين يعملون بلا معينات كافية ولكن يقينهم وإيمانهم بالإنسانية يسد جوف الخوف والمرض.

قذفت أسلحة لفظية كبيرة على شيخ الأمين ومارسوا ضده كل أنواع التقليل من الشأن ورغم ذلك لم يرد على الإساءة بأكبر منها بل لزم الصمت الحارق والذي يسمى الصمت الجميل.
الآن يجلس في منزله ويرفض مغادرته رغم أن كل أنواع الأسلحة المدمرة تحيط بمسكنه، فلم يعبر الحدود إلى دول الجوار أو ينزح إلى مدينة أخرى. لقد فعل ذلك البقاء والصمود بيقين كامل وثبات دون أن يرتعد وكل ذلك دوافعه أخلاقيه فهو لا يريد أن يترك البسطاء بلا سند باعتباره والداً وولداً لتلك المنطقة التي عرفته وعرفها.. لقد تعلمنا درسا من شيخ الأمين بأن الدفاع عن الفقراء لا يمر بالحناجر بل بالقلوب الصادقة التي عرفت معنى الانتماء إلى الناس.. دعونا نختلف بمحبة ونعلم أن الآخر لن يكون عدواً إلا إذا فقد إنسانيته وتخلق بأخلاق الوحوش.. دعونا نرد الجميل لبعضنا في زمن الأزمات فربما كلمة طيبة فتحت أبواب السماء.
لا نزكي أحدا ولكن المواقف تعطينا الجواب، فلن نبخس الناس ودهم فهم كرام يفتحون قلوبهم قبل الأبواب.





