المجلة الثقافية الجزائرية

وجبةُ عشاءٍ

 بقلم/ محمد عبدالغني عمارة

لم تدخر جهدا يوما ما، كانت حريصة أن توازن بين جل أمور حياتها رغم كل المعوقات والصعوبات التي تواجهها يوميا، أمٌ مثالية تتقن فن التعامل والتربية، زوجة تقدر معنى الحياة الزوجية… ترضي الله في زوجها مما جعل زوجها لا يرى غيرها في حياته، معلمةٌ لا يباريها ولا يستطيع أحد من زملائها أن يتفوق عليها في عملها، شعلةُ نشاط وحماس في المشاركة بالأعمال الخيرية والمشاركات المجتمعية النسائية؛ حتى خصصت من يومها ساعتين كل مساء للمساعدات الطبية والإسعافات الأولية في قسم الاستقبال والطوارئ بالمستشفى القريب من منزلها.

أشرقت الشمس بنور ربها تداعبُ عيون جهاد وأطفالها من خلال النافذة؛ استيقظت جهاد وأيقظت زوجها وأبنائها، أدت فرضها وأعدت الفطور واستعدت هي والجميع لمغادرة المنزل حتى يذهب كلٌ منهم إلى وجهته ومقصده، علمت جهاد من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وهي في طريقها للمدرسة أن جيش الاحتلال يتوعد بالرد القاسي على ( طوفان الأقصى ) انتابها شيءٌ من الفزعِ وهي على يقين بأن القادم ليس بهينٍ.

انتفض طابور الصباح بصحوة نشيد الوطن، دخل الطلاب الفصول وهم رافعين رؤوسهم بكل فخر وعزة وكرامة، دق جرس انتهاء الحصة الأولى مع دوي صافرات الإنذار في أرجاء المكان مع صوت انفجار داخل محيط المدرسة تقشعر له الأبدان، صراخ وعويل يعم المكان، جهاد ببصرٍ مشلول من هول الصدمة والمنظر… دماء تسيل على الأرض، أشلاء أطفال متناثرة، الجميع في حالة استنفار وهلع؛ رقم هاتف جهاد يرن بدون توقف… تارة المنزل وأخرى المستشفى المتطوعة بها، سيارات الإسعاف تحيط بالمكان، دون تردد تصعد جهاد في إحداها مع المصابين والجرحى، تلتقط بعض أنفاسها وهنا ترد على هاتفها: ألو! وبلهفة شديدة… فارس طمني عن الأولاد! أنتم بخير… نعم نحن بخير… طمنينا أنت عنك!… أنا جسديا بخير لكن الوضع حولي ليس بخير، من فضلك أعطني ولدنا نضال أو ابنتنا مرح كي أطمئن عنهما بنفسي… ألو! حبيبة قلبي مرح أنا بخير اطمئنوا سأتأخر قليلا لكن لن أنسى أن أحضر لكم العشاء ومما تحبونه… في أمان الله.

وصلت جهاد إلى المستشفى مع المصابين، دخلت مسرعة وجهزت نفسها وارتدت زيها الطبي، راحت تدور بين أيدي الأطباء والمسعفين للمساعدة، ساعات تمر والوضع أكثر من سيء، أفل النهار وحل الليل، قلبها يصارع عقلها على أولادها، صافرات الإنذار تدوي مرة أخرى أنباء عن قصف في حي الكرامة: الحي الذي تقطن فيه جهاد، خرجت مسرعة مع سيارات الإسعاف دون تفكير أو تردد إلى أن وصلوا مكان القصف… بالفعل تم قصف منزلها، أصبح كله ركام! أصابتها حالة من الجنون والهذيان… نضال مرح نضال مرح، راحوا من غير أكل… أنا جبت العشا!