المجلة الثقافية الجزائرية

فيينا.. أو المستحيل المهدور!

أجدور عبد اللطيف

أتذكر مطالعتي في طفولتي الأولى، لقصةٍ مترجمة، من قصص الجيب، ذوات الصفحات الصفراء، اللواتي اختزلن روائع الأدب العالمي! من روايات أغاثا كريستي البوليسية حتى روايات غابرييل غارسيا ماركيز الدرامية، من الأمريكيتين حتى ضفاف أوروبا وآسيا.. كانت قصتي، سردا مستفيضا يروي عبره طفل متشرد يعيش في فيينا بالنمسا، عن وقائع حياته اليومية، يصف شعت عيشه وقساوة ظرفه، يحيك نسيجا علائقيا طفوليا دافئا مع عناصر مكانية تؤثث فضاءه المطبوع بالبؤس، كان ينقل عن تفاصيل تتراوح بين المعتاد والدراماتيكي الذي يجعل قلب طفل في مثل سني وهشاشتي وجموح مخيلتي يتقافز كفرخ طائر الطنان، ويستجلب عاطفته، والأهم، تواطؤه، سكب الكاتب العليم هذا المتن بتفصيلاته الجميلة في سرد ممتع منساب، جعلني أقع في حب المدينة، وأتابع وصف أزقتها وقصورها وحاناتها ومجاريرها وأكشاكها، وأنا أحمل كاميرا ذاكرتي ومخيلتي، أطبع عليها كل شيء، وأحفظ فيها فرادة كل عنصر.

أتذكر جيدا تدوين اسم المدينة والدولة، وبعض الأزقة وأسماء بعض المقاهي والحانات، ودور السنما، في قصاصات ورق خبأتها بإحكام داخل كتبي المدرسية المضجرة، المُعدمة من نصوص بهذا الزخم والسحر، والمحشوة بنصوص ذات حمولة سياسية أو إيديولوجية سعوا جاهدين في إلباسها صفة البراءة الطفولية دون أن يفلحوا في دفع الصفاقة التي لا يتسع عالم الأطفال الخالص. كانت في ذلك الوقت تبدو إمكانية سفري للنمسا ضربا من الخيال المنحرف، الذي خجِلتْ مخيلتي الصغيرة آنذاك حتى من الإقتراب منه، فقد كانت ترزح الفاقة شديدة، ح ومجرد الانضمام لرحلة مدرسية واجب المشاركة فيها لا يتجاوز العشرة دراهم تُعدّ رفاهية لا يمكن بحال الالتفات إليها.

لقد كانت القصاصة الورقية إذن، مجرد حفظ لمتعة القراءة الأخاذة عن فيينا، وتحنيطا للذكرى لا أقل ولا أكثر.

تمكنتُ، أنا الطفل نفسه، بعد زهاء عشرين سنة خلال الصيف الأخير، من تحقيق المعجزة، معجزة الطفل صاحب القصاصة، وقلب فرخ الطنان، والذي كان وعده آنذاك بإمكانية تحقيق حلم الزيارة لفيينا، يُعادل بنظره وعدا بإمكان إحياء ميت أو زيارة المريخ، أو إحلال السلام في الأرض.

لقد استمتعت خلال خمسة أيام بكل إنش من المدينة العتيقة، بكل تفصيل ممل، بكل رائحة أو طعم أو همسة، أو شتيمة أو مغازلة، أو ومضة أو جرس إنذار، لقد استدعت الزيارة الذكريات الطفولية حول القصة، وبحثت بشكل طفولي عن حانات بعينها، عن نزل رخيص، عن دور دعارة، عن كنائس وأسواق، ومقاه وأشجار وأجمات، لم أستطع العثور على أغلب ما حفظته الذاكرة، إما لأنها أمكنة غيّرت جلدها، أو أنها سليلة مخيلة الكاتب لا أكثر، وأدركت، متفاجئا، أنني كنت أحمل هذه اللحظة، طوال مراحل حياتي، حتى في الأوقات الحالكة، التي كنت أظن فيها جهلا وغبشا، أنني أبعد شخص في الكون عن هذا المكان الوديع.

ترهل مفهوم المستحيل في نظري بعد الزيارة، وتداعت رهبة المعجزة واللاإمكان، وأضحت كل فكرة قد ترد إلى خَلدي، وهذا ما ينبغي أن يرضعه كل طفل مع حليب أمه، أتوماتيكيا ممكنة وقابلة للتطبيق، بما فيها إمكانية زيارة للمريخ في المستقبل، أو امتلاك أغلب الأسهم في شركة أمازون، أو الزواج من ابنة عاهل هولندا، أو كون غاندي، نيتشه، غابرييل ماركيز… المقبل.

الرسالة، أيها السادة، باقتضاب، أن لكل شخص الحق الكامل التام الناجز، في أن يحلم أي حلم لعين يؤرقه، مهما بدا الحلم غريبا ومتطرفا، دافعا بكل جرأة ووقاحة لو لزم الأمر، المشككين والمثبطين، والنمطيين المعششين داخل الصندوق، المفكرين بما لا يتجاوز شروط وجودهم البهيميّة، المنساقين لحدود الوهم التي يقود بها الساعة ورجال الدين الشعوب في العادة، فلولا غرابة عباس بن فرناس وايديسون في الحلم، ما حلقنا في السماء، ولا استضأنا ليلا بضياء، مع ضرورة اتخاذ العمل المكثف الصادق، دافعا نحو الإقتراب من لفظ المستحيل الذي سيظل – كما أردد دوما – عبئا على المعاجم والقواميس.

 – المغرب