بقلم: عزيز حميد مجيد*
لقد قلنا في مقطع كونيّ سابق نقلاً عن ألفيلسوف شوبنهاور ألعظيم:
[كلّما قلّ حظ المرء من الذّكاء كلّما بدى له الوجود أقلّ غموضاً].
لكننا لا نريد أن نعيش كل العمر في الهامش و على السطوح و لا نعلم ما في الآفاق و سرّ آلوجود التي تحتاج المزيد من الجهد و المتابعة والدراسة العقلية المنهجية الهادفة والمستدلّة والمرتبطة بعالم سامق وسامي وفوقي, وهذا يحتاج لمعرفة جواب (الأسئلة الستة) و من ثمّ أجوبة (الأربعون سؤآل) .. نعم أصحاب الضمير والوجدان والعشق لا يكتفون فقط بأداء عمل أو مهنة يرتزقون من خلالها فقط؛ إنهم يريدون معرفة كل شيئ أو ما هو الممكن!؟
وبناءاً على ذلك التقرير الشوبنهاوري الآنف الذكر.. قلنا ما معناه من وجه:
[ألبلهاء أكثر سعادة من أهل العقول] مَثلهم : كـ (البيعارية) أيّ لا يحس بآلعار .. حتى لو كان طفيلياً يعيش على قوت و مال الآخرين من دون إنتاج يذكر !؟
وهنا تتعاظم المشكلة عندما نترك الأسئلة !؟
نتركها لتصورنا الخاطئ بأنّ (السّائل) سيفهمه الآخرون بالمقابل من أسئلته بأنه غبي ولا يفهم ولا يعرف شيئاً لذلك يسأل!؟
والحقيقة هو العكس تماماً.. لأن السؤآل لا يأتي من فراغ أبداً؛ إنما نتيجة لكثرة الثمر و يختبئ ورائه جبال من المعلومات والهموم!؟
مشكلتنا في (الأسئلة) وليس في (الأجابات), فلو أنّ البشريّة كانت مركوزة فيها (حسّ الجواب) وحده؛ لما تطورت و لا تقدّمت و لا تحضّرت.. ولبقيت في العصر الحجري الأوّل.. تُكرر وضعا واحداً و جواباً واحداً…!؟
(ألقدرة الإستفهاميّة) مهمّة جدّاً في تكوين العقل وتوسيع المعرفة, ونتيجة لذلك يبرز التفكير الذي منه ينزح نحو الإستدلال العقلي الذي يوصلنا للأهداف المنشودة بإتجاه الكشف والشهود.
و(الأستدلال العقليّ) هو النّهج والطريق نحو العلا والسعادة والأمن والعشق والوصول لسرّ الوجود من أجل الخلود ..
ألأستدلال العقلي يؤدي إلى أن نعلم ونفهم كل حقيقة و ظاهرة:
فعن طريق الإسـتدلال العقلي نفهم سبب نشأة الدّيمقراطيّة !؟
بالأستدلال أو عن طريق الأستدلال العقلي نفهم سرّ الفكر الفلسفي؟
عن طريق الإستدلال العقلي نفهم طبيعة ثلاثة أمور تمثل الفلسفة هي:
الإيبستيمولوجيا.. معرفة المعرفة مع مصادرها و كيفيتها.
الإكسيسلوجيا.. (Axiologie) علم القيم والمثل العليا والأخلاق والأجتماعيات
والأنطلوجيا.. فلسفة ما وراء الطبيعة, أو ألميتافيزيقيا والغيب!
والفلسفة أو الحكمة عموماً تنقسم إلى نوعين:
الفلسفة أو الحكمة النظرية؛ وتشمل الرّياضيات والطبيعيات والألاهيات .
الفلسفة أو الحكمة العملية؛ وتشمل السياسة والأقتصاد وآلأخلاق وإدارة البلد.
وإذا كانت الفلسفة أو الحكمة تمثل كل تلك العلوم؛ فأن الفلسفة هي أم العلوم بحقّ ومديرها, ومن هنا عندما وضعتُ أمامي تلك المجالات و الآفاق:
رأيت أن تلك العلوم لا تحقق لوحدها الأبعاد الكونية لمسألة الوجود وما فيها ككل, لو لم ترتبط بآلكَوانتوم أو الأبعاد الكونية لتحديد العلوم والقوانين.
وفي الحقيقة إن ألفكر (الفلسفيّ الكونيّ العزيزي) التي تعتبر (ختام الفلسفة)؛ لا يؤمن بآلنصوص و بتلك الكتابة النثرية الملقاة على عواهنها من قبل الأدباء والشعراء و حتى رواة الحديث رغم إن بعضها تشير لدلائل ميتافيزيقية.. وتتضمن أبعاد مجازية وكاشفة أحياناً لامور هامة لا يستطيع ذوي العقول النيرة والعبقرية العيش بدونها أو يصعب لحد بعيد عيهم العيش بدونها..
كما لا يؤمن بتلك الكتابة الشعرية الموزونة والمقفّاة في دوواين الشعراء.. حسب بحور الشعر الستة عشر أو الثامنة عشر بعد كشف صديق قريب لي بحراً جديدا للشعر.. أيام أسره في إيران خلال الثمانينات!؟
لا بد لكل فكرة من مقدّمات تلزم عنها نتيجة..
ولا بد أن تكون النتيجة ذات نمط عقلي في الفسفة.
وهنا تكمن مفتاح سرّ الفلسفة الكونيّة..
و كذلك مفتاح قوّتها أيضاً..
وفي النهاية إصالتها الكونيّة الممتدة إلى ما لا نهاية ..
لأن أصلها ما لا نهاية لها.. أو لها نهاية لكن يصعب تحديدها على أكثر الظن.. كما لا تحدّها صفة أو زمان أو مكان.
نحن عندما ننصت لخطاب نثري أو لقصيدة شعرية ..
فأننا لا نلزم الشعر والشاعر أن يتحدث بآلأستدلالات العقلية!؟
فآلشاعر إمرء القيس حين يقول:
وليل كموج البحر أرخى سدولهُ
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّى بجوزه
وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي
بصُبْحٍ وما الإصْباحَ فيك بأمثَلِ
فيا لكَ من ليلْ كأنَّ نجومهُ
بكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأنَّ الثريا علقت في مصامها
بأمْراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جَندَلِ
وَقَدْ أغْتَدي وَالطّيرُ في وُكنُاتُها
بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ.
بآلمناسبة كل أو معظم الفلاسفة كانوا أدباء و شعراء ورواة في البداية ثم أصبحوا فلاسفة (1):
وهنا لا يمكننا أن نطلب من هذا الشاعر أو أي شاعر أن يبيّن ويبرهن لنا الأستدلال العقلي لـ [ليل كموج البحر…], كيف يمكن أن يكون الليل كموج البحر وهو شيئ غير مادي بينما الموج مائي – مادة سائلة..
لذلك يجب أن نتطلع على الفكر الفلسفي ونتجاذب التفكير والتحليل والنتائج ..
الفلسفة – عموم الفلسفة – منذ ظهورها حتى قبل اليونان القديم في بلادنا بـ بابل و مصر قبل 6 آلاف عام ثم بروزها في اليونان وأوربا فيما بعد على يد طاليس الذي درس في مصر وهكذا فيثاغورس والسفسطائيين.. لم تكن في أفقها رؤيا لما بعد التنظير الفلسفي.. حتى ظهور فلسفتنا الكونية نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة هذه بعنوان:
الفلسفة الكونية العزيزية أو [ختام الفلسفة].
لذلك حرّي بجميع الذين يملكون ضمائر حية ووجدان فاعل كآلأدباء والشعراء والعلماء خصوصاً و هكذا شبابنا و طلابنا أن يطرحوا السؤآل التالي:
لماذا ينبغي للطالب أن يطّلع على الفكر الفلسفي.. والكوني منه بآلذات!؟
ألعارف الحكيم عزيز حميد مجيد الخزرجي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تُحدّد الفلسفة الكونية العزيزية المراتب الفلسفية إلى 7 مراحل هي:
قارئ؛ مثقف؛ كاتب؛ مفكّر؛ فيلسوف؛ فيلسوف كوني؛ عارف حكيم.
سؤآل من [ألأربعين سؤآل] :
علاقة السعادة الفردية بآلمجتمعية:
وهي إحدى الأسئلة التي أكّدنا عليها في حزمة الأسئلة الكونيّة ألأربعينيّة التي كتبناها كمحاور للمنتديات الفكريّة حول العالم بعنوان:
[الأربعون سؤآل], وهو السؤآل الذي ورد ضمن التسلسل (5) ونصّه:
5- أيّهما يتقدّم على الآخر: (إصالة الفرد أم إصالة المجتمع), وما هو نظر الفلسفة الكونيّة العزيزيّة من ذلك ؟
تقول الكاتبة (هبة عبد الله السليم) :
[لخلق مجتمع سعيد وآمن، نحتاج إلى تأييد المواقف التي تفيد الأشخاص من حولنا، حتى لو لم تكن مفيدة لنا بشكل شخصي. لا تعود السعادة إلينا من خلال “الكارما” مثلما تدّعي الخرافة البوذية، عندما نتصرف بشكل جيد؛ إنما أسعد المجتمعات هي تلك التي يتبنى فيها الناس مواقف تفيد الآخرين].
ويعني أنّ جودة المجتمع تعتمد على كيفية وطبيعة تعامل بعضنا مع بعض, و[قيمة المرء ما يحسنه], حسب قول الأمام علي بن أبي طالب(ع) وما يُقدّمه من عطاء لمن حوله ولمجتمعه، وهذه سمة مميّزة للمجتمعات المُتحابّة – المتعاونة أكثر من غيرها من المجتمعات ذات النزعة الفردية الأنانيّة المشوبة بآلعنف والعشائرية وتعدد المليشيات المنظمة.
من زاوية أخرى، لا بُد من التنويه بأنه على الرغم من أنّ ذلك الأرتباط الاجتماعيّ المُميّز بالسعادة يبدو مثيراً للإعجاب، إلا أنّ الأبحاث الحديثة تحذر من أخطار الترويج لضرورة الإفراط في المشاعر الإيجابية بتضخيم آلشّخصية وتميّزها عن الآخرين وكما يفعل الطغاة.
فعلى سبيل المثل، يتضح بروز السعادة بوضوح من خلال العديد من مُدرّبي السّعادة والحملات وكتب المساعدة الذاتية التي تزودنا النصائح والحيل لتنمية العقلية الأكثر إيجابيّة، ولكن أيضا بشكل ضمني أكثر ؛ من خلال ما يبدو حياة مثالية للمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشار الوجوه المبتسمة وتلميحات السعادة في كل مكان في الإعلانات والمجلات والخطب، وهو ما يشعر الناس بالضغط لتقديم أنفسهم بطريقة إيجابيّة للغاية، أيّ الأهتمام بالعرض أكثر من الجّوهر و كما هو حال المتصدين المتحاصصين في عراق المأساة والتخلف.
ولتحقيق مجتمع سعيد يجب إعتماد المعرفة كأساس للفكر والبناء الثقافيّ وتلك هي القاعدة الأساسيّة التي يجب أن تستند عليها الشعوب لتكوين تراث إنسانيّ – مدني يُمهّد للتعاون والتآلف بين جميع أبناء المجتمع وكذلك المجتمعات البشرية التي عليها أن تنتقل فوراً من البشرية – الحيوانية إلى الأنسانية الممهدة لبلوغ الحالة ألآدمية التي معها فقط يتحقق التواضع والمحبة كتوأمان لتحقيق رسالتنا الكونيّة.
ويجب أن تواكب المجتمعات مستجدات العصر والعقل باستمرار وان يتمّ إغناؤها بآلأفكار الكونيّة, فالسعادة فعلٌ لتحقيق الذات من أجل العوام وهي تشمل ألفرد والمجتمع, وكل إنسان يستحق أنْ يكون سعيداً ومحققاً لما يصبو إليه، فقد جئنا لهذا العالم كي نتطوّر ونؤدي رسالة مع أنغام الوجود لتكتمل سعادتنا بعد الوصول إلى مدينة آلعشق الأبديّة .
خلاصة المقال أعلاه بحسب تقريرات (الفلسفة الكونية العزيزية) هي :
[لا سعادة لمجتمع دون سعادة الفرد, ولا سعادة لفرد دون سعادة المجتمع].
يعني تداخل المسألة بين الطرفين بعلاقة متشابكة بدليل الحكمة الكونية العزيزية :
[لا يُسْعد مُجتمع فيه شقيٌّ واحد فكيف إذا كان المجتمع كلّه يشقى](2)!؟
ألعارف الحكيم عزيز حميد مجيد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) للأطلاع على باقي الأسئلة الكونية عبر الرابط أدناه:
https://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=807435
(2) للمزيد من الحكم الكونيّة, راجع: (همسات فكرية كونية) ستة أجزاء عبر الرابط التالي:
Noor-Book.com همسات فكرية كونية ألجزء آلأول (4).pdf





