المجلة الثقافية الجزائرية

رجل في الأعلى:

أمينة رَضْوِي

كل يوم أراه يتحسس الطريق الى السماء بعصاه الخشبية أقول: اليوم سيسقط، وعندما لا يسقط أقول : غداً إذن. أتحيَّن الصّلوات الخمس، أو السّت أو الألف في المسجد فقط لأراه يسقط، وقد لا يسقط، وهذا شأن الأجل، لكني أذهب في أذهب ابعد في يقيني: اليوم يسقط!

أتسلل خلفه، أنسل تحت خطاه مثل بركة ماء ما فتئت تتسع. أراه ينتبذ مكاناً شرقياً من المسجد فيجد السلالم التي اعتاد تسلقها لخمسين سنة -حسب رواية المشايخ- وصولاً إلى قمة المئذنة المستدقة بحواجزها المنخورة التي تهدد بالسقوط، عندئذ ترتجف العصا في يده، يبكي دمعاً أبيض كعينيه.. أقول: سيسقط الأعمى!

ويكون للأجل شأن آخر.

يحين موعد صلاة العصر، لم يرفع الاذان بعد، الأصح أن شيخنا لم يرفعه بعد.. أقطع الشوارع جرياً حتى المسجد، أصلي التحية، أجلس مستقيم الظهر، غير شارد الذهن مراقباً الباب حتى يظهر، اراه يقلب الأرض بعصاه، على وهنه وكبره، أقول: سيسقط! وحماس مخجل مؤذٍ يغزوني.. أقوم فألاحقه. 

كلانا يعي وجود الآخر: أنا أراه بحواسي المتوثبة، وهو يراني بالحاسة السادسة، أو الحاسة التي يستمدّها العميان من عماهم. يتمتم بدعاء وعظامه تطقطق: “أنت ربي، عليك توكلت، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.. ” يستغرق في الدعاء تماماً، لو أخذ منه الصعود الى المئذنة -او الى القيامة- ألف سنه لما تعِب. 

لكنــي تَعِب. 

أسمع انفاسي تتلاحق في صخب. أختنق في رطوبة الهواء، مثل سمكة مقذوفة.. “ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن” يبتعد الصوت، يختفي تماماً.. أتخيله يسقط، فأعاود ملاحقته باليقين نفسه مذ رأيته أول مرة يصعد في هدوء سلالم المئذنة، متوجهاً بذات الهدوء نحو حتفه، مثل طقس انتحار مُرجأ.. أحياناً أشعر بضميري يفتل، بعيداً مثل جدعة لا أستطيع تحريكها، شعور مخز، مغثٍ، أخضر طحلبي، ربما لزج، لا قوام له، لا خاصية فيزيائية اللهم إلا الالتصاق بي قبل نومي، او في لحظات خوفي من الارتفاع الخطير للمأذنة، عندما اراجع تهوري بالصعود، يقيني الكريه.. من أين آتي به، هذا اليقين؟ وربما لا يسقط، وربما لا يسقط اليوم.

لكني أعرف أنه سيفعل. 

ثم لا يحدث شيء، يرفع الآذان، وينزل سالماً. “ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن” أسمع صوته في رأسي، لا ضعيفاً كضعفه ولا هادئاً هدوءه.. بل قاهر مثل يقيني: غداً إذن! 

لكن لماذا هذه الملاحقة؟ بماذا يعنيني هذا الشيخ الإمام؟ سقوطه أو نجاته؟ وبماذا يعنني أكثر من الآذان الذي يرفعه، الصلاة التي يقيمها، او حتى شؤوني الخاصة؟ هل أنتصر ليقيني بسقوطه؟ لحدسي الذي قارب التنبؤ؟ وعندما يسقط الأعمى -قريباً- هل سأراقب من الاعلى واقول: لقد عرفت؟ أم أني -والعياذ بالله- سأشمت به شماتة العارف أو حتـى أبتسم؟

ربما هو الفراغ فقط، فراغ داخلي يدفعني الى تقصي حياة الآخر التي لن تطول كما أزعم. أو هو الجوع الى الخوف ما يدفعني الى الخوف منه/ عليه. لكن لماذا هذا الشيخ وهذه الجاهزية للمراهنة على سقوطه وان لم يحدث؟ ولماذا هذه الهرولة الورِعة الى المسجد لا بقصد الصلاة، بل تكرار الملاحقة؟ وربّما يوقد فيّ إيمانه الراسخ إيمانا شبيها، او على الاقل رغبة او توبيخا؟ أم هو القلق عليه من وهنه؟ من اصراره رغم عماه على الصعود؟ ام المراهنة النزقة على حظوظه في النجاة؟ أم هو الملل؟ 

وأيا كان دافع الملاحقة، فهو اقوى من دوافع تركها، وقد لا أتوصل انا نفسي الى جواب لها. لكنه يعطي شعوراً. يبعث حركة متشنجة في هدوء روحي الذي يشبه المَوَات.. إنه بعثٌ من نوع ما، حياة في الموت، أظافر تنمو في جثة أو فسيلة ما بعدَ القيامة.. قد يكون من أجل هذا الشعور صعودي أحد عشر سلماً نحو السماء، وربما من اجل شعور كهذا يصعدها الشيخ، على عماه وضعفه، سامحا لهذا الشعور بأن ينتقل بيننا في سيرورة.. شاعرين أحدنا بالآخر، منفتحين بحواسنا كلها على بعضنا، ملتقطين في الهواء الرطب ترددات خوفنا وتساؤلاتنا، متفكرين في الصمت، في الشيء العظيم الذي يبعث في روحينا، بشكل متزامن وإن كل على حدى، وكلٌ في حياته الداخلية الخاصة.. مسيرة تخفف وتصوف، تبدو للعين المجردة عقيمة

°•°•°

لقد فتح هذا الشاب بملاحقته المتكررة الهادئة ذاكرة الشيخ على حياة سابقة، مطمورة، على حزن لم يُنتَسَ، وسمح له أن يمرره له في مجرى من الفرات اللاعياني النشيط، حاملا في تياراته الصغيرة حياةً كاملة؛ منذ الميلاد وحتى لحظة النهاية المحتومة التي يشعر بها كلاهما، بحواسهما، بحدسهما الذي قَارَبَ التنبؤ: الطفولة المبكرة، ايام الفقر، وخزات الجوع، الاستعمار، الحرية المفاجئة، الكسب، الأُنس، رعب الإرهاب، الفقد، التصوف، يُتم الحبيبة، الابنة الوحيدة التي بذل لها أبوته الكاملة، الساعة المنحوسة التي زوجها فيها، أفولها المطلق من حياته، زوجها الذي منعه رؤيتها.. شوقه إليها، البكاء عليها حتى ابيضت عيناه…

يا يعقوب زمانك، أترتدُ بصيراً إن عادوا بيوسف؟ 

أنه منفتح على النهاية، يشعر بها هنا والآن وهذا قول الأجل، لقد زاره في منامه، خيّره، قال: “الرفيق الأعلى. ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن..”

شعر بالدوار، رَفع الآذان، “الله أكبر الله أكبر”… صوته الرخيم، أيصل إليها؟ 

دوار مجدداً.. مر به سرب حمام، جاءه بريحها، ريح يوسف، ارتد بصيراً بصيرة داخلية، رأى وجهها في الحمام.. قال: “لا تذهبي أبعد!” وألقى عصاه فإذا هي حمامة أخرى.. طار مع سرب الحمام، ولم يعد الى الارض بعدها أبدا

•°•°•

رآهم الفتى يركبون مكبرات صوت في المئذنة، متأخرين على حياة سقطَت وعلى حضارة. “لم يكن على أحد أن يصعد هناك” قال الامام متأسفاً عندما سُئِل. “عرفتُ أنه سيسقط” قال أكثر من صوت بحماس مخجل. قبل صلاة الجنازة رُفع آذان الظهر.. ولم يكن الآذان في المكبرات سوى تسجيل صوته!