سعيد بوخليط
يُعتقد عموما بوجود خُطَّتين لدى المترجِم، فيما يتعلق بتسيُّده على النصِّ الماثل لتمرين الترجمة:
*إمّا يشتغل على البناء المعجمي، من خلال الاهتمام بترجمة الكلمات في المقام الأول ثم صياغة الجمل ثانيا بناء على ضوابط الدلالات الحرفية خَطِّيا، لكن مع حفاظه على نفس البناء التركيبي للنص المتوخى ترجمته دون تغيير. المؤاخذة التي توجَّه إلى هذه الآلية، أنَّها فقط تسقط صاحبها ضمن صرامة العلاقات الأفقية بين العلامات تفقد معها الدلالة رحابتها، لذلك يقال بأنَّ أغلب الترجمات السيِّئة غير المقروءة، تندرج ضمن هذا النوع من المقاربات.
*بينما يدعو التصوُّر الثاني، إلى خُطَّة منهجية مغايرة للسابقة، تكمن في ضرورة قراءة المترجِمِ فقرة مثلا قراءة محيطة بنيويا وتركيبيا، ثم يغلق دِفَّتَي المقروء ويعيد صياغة ماقرأه على طريقته الخاصة. بدورها، هي وجهة نظر عرفت انتقادات قوامها حتمية إفضاء تحرُّر بهذه الكيفية، وجهة تحوير كبير للمعنى، وانسلاخ غير مضمون للعواقب حيال المساحة المسموح بها للمترجِمِ.
حقيقة، بناء على تجربتي المتواضعة، أعتقد بأنَّ المنهجية المثلى أو على الأقل مثلما يفترض، من تحاول الموازنة اللغوية بين الانضباط التركيبي نحو مكونات الجملة الأصلية، في ظلِّ مرونة دلالية وتداولية غير خجولة أو مندفعة، فقط الاستعانة بتجربة بسيطة تتمثَّل في أن يعيد المترجِمُ تلاوتها بصوت مرتفع وقد أغمض عينيه على طريقة طقوس اليوغا، ويضع ذاته إبَّانها موضع القارئ المحتمل، كي يستعيد على وقع ارتدادات صمت مغنطيسي مدى انعكاس الوضوح والتجلِّي.
نعم، تقتضي الترجمة خلال مراحلها نمطين من القراءة، صامتة بداية بغية اقتحام النص واستيعاب خباياه، بعدها يلزم المترجِم اختبار ممكنات تداول المعنى لدى القرَّاء، بمحاولة قراءة ماكتبه جهرا، كأنَّه بصدد التمرُّس على إلقاء خطاب رسمي أو الاستعداد لبروفة مشاهد مسرحية. يبدو للوهلة إجراء مضحكا، لكنه بعد كل شيء يؤتي أكله حين قراءة النصِّ بصوت مرتفع، يوضِّحُ مستويات انكشاف المعاني عند السطح وقابلية تقاسمها مع القرَّاء.
هكذا تنساب، وأنتَ تترجم، عبر محاورة جغرافية النص، ومحاولة استلهام مداخلها، ثم فجأة يحُول عائق ما دون السَّعي اللذيذ، حينها يتعثر الاسترسال، مادام الإبهام أو الاضطراب أو التشويش السياقي قد غمر فقرة أو جملة أو كلمة أو اشتقاق لفظي محدث، يصعب حينها مواصلة الحوار بنفس الوتيرة السابقة، وتتوقَّف كي تفهم بتمعُّن طبيعة ماجرى.
قد يأخذ الصِّراع زمنا طويلا أو قصيرا، وربما وضع المترجم ثغرة العقبة الكأداء بين قوسين، وأبقاها معلَّقة إلى أجل آخر للحسم وإتمامه المهمَّة، لكن التطلُّع لايتحقَّق دائما، حسب السهولة المتصورَّة واليسر المأمول.
ربما، تبنَّى المترجِمُ حلاًّ إجرائيا، بأن يترك المقطع النصي مثلما ورد في لغته الأصلية دون مساس، وعلى القارئ التكفُّل بترجمته بنفسه.
أستعيد بهذا الخصوص مثال باشلار المولع بالشعر الانجليزي والألماني إلى جانب شغفه بالفرنسي طبعا، فقد احتفظ بمجموعة مقاطع وأبيات مثلما هي، احتراما منه لقناعته الراسخة، بأنَّ ترجمة الشعر في نهاية المطاف تعكس تأويلا اعتباطيا، بحيث لاتخلو المهمة من مجازفات شتى، رغم الانفتاح الهائل الذي أرست معالمه هذه اللغة الشعرية، نتيجة رحابة الآفاق التي جاءت بها ظاهراتية باشلار.
إذن، يشكِّل الوقوف أمام عائق دلالي، اختبارا حقيقيا وتعليلا لمدى اقتناعه بما يفعله، ومدى استعداده النفسي والذهني ثم اللوجيستيكي في مرتبة ثالثة، فيما يتعلق بالعثور على حلول ملائمة بخصوص تحديات النصوص، لاسيما الكبيرة منها، كتابات موسوعية وعميقة وسميكة أسلوبيا ومكثَّفة على مستوى غنى الإحالات الهامشية.
أحيانا، لايعني استسلام المترجِم أمام صلابة جدار المُتَرْجَمِ، انهزامه المبدئي، ويلزمه بالتالي البحث خلال أسرع وقت ممكن عن توظيف مايلزمه توظيفه، قصد بناء النص في لغته الجديدة، بل يعني قبل ذلك؛ضمن احتمالات مختلفة، أنَّ صاحب النص الأصلي من كتب لغة غير متوازنة من ناحية مستوياتها التركيبية والدلالية، فأخرج معنى مشوَّها يحتاج إلى جرعة حدسية فائضة لدى المترجِمِ كي يعيد الأمور إلى نصابها.
بهذا الخصوص، نعاين أحيانا لدى القرَّاء والنُّقاد، تثمينا واضحا للنص المترجَمِ قياسا للنص المرجعي، وتتفوَّق النسخة على الأصل، ثم ينجح المترجِمُ مقارنة مع الكاتب، فيما يتعلق بالإخراج النهائي والأخير.
عموما، تبقى جلُّ الأحكام نسبية بما في ذلك معطى الغموض واللاوضوح، مهما تباينت مستوياته، واستعصت مناحيه.





