المجلة الثقافية الجزائرية

شرارة

عبدالعزيز الظاهري‬‎

أنا أعمل في إحدى الكسارات من شروق الشمس إلى مغيبها براتب بالكاد يكفيني.

أقضي يوم إجازتي الأسبوعية نائمًا من شدة الإرهاق وقلة المال.

لم يكن هذا حالي قبل عام من الآن.

فقد كنت نديمًا لأحد الوجهاء، لم يكن هذا الرجل غريبًا علي، بل كان صديقًا وزميلًا من أيام الدراسة، فجأة فتح الله عليه أبواب الابتلاء.

ورغم المكاسب التي جنيتها، والتي لا تُعد ولا تُحصى من هذه الوصافة، إلا أنه في بعض الأحيان، بل أكثر الأحيان، أشعر أنها لقمة صعبة، تتصلب في الفم، تحتاج لمجهود عظيم لبلعها، فصديقي – إن جاز لي تسميته بذلك – يحقق رغباتي، لكن متى ما شاء وبطريقته التي يشاء، وهذا الأمر يغيظني وأحيانًا يُشعل شرارة الكرامة التي يُخمدها بسرعة الواقع، فالكرامة هي بضاعتي الوحيدة التي يشتريها صديقي .

على كل حال في أحد الأيام اتصل صديقي هذا بي منتصف الليل وكالعادة:

“حضر نفسك بعد ساعة سوف أمر عليك”.

جهزت نفسي سريعًا قبل انتهاء الساعة، وانتظرته لساعات؛ أقف، أنظر من النافذة، أتجول في الصالة، أستلقي على الفراش وكل ذلك بكامل لباسي، فأنا إحدى حقائبه يجب أن تكون جاهزة واقفة إلى جانب الباب.

سمعت بوق مركبته المميز، هرولت وصعدت السيارة.

لم أسأله أو حتى أُلقي عليه التحية، فالكلام بأنواعه: المدح، الثناء، التهريج، والنصيحة، حتى الضحكة، الابتسامة، التحية والسلام، لها مناسبتها.

إن علاقتي بصديقي لها معايير دقيقة، مثل مُركب كيمائي، أي خلل في المقادير نتائجه عكسية، وهنا لا أقصد الخطأ، فالخطأ أساسًا مستبعد، بل محرم، ما أقصده هو ما دون اللمم، نعم ما أقوله حقيقة يجهلها الكثير، فعملي يحتاج الكثير من الدهاء والحنكة والحكمة والجهل والحماقة، إنه مزيج يصنع منك خادمًا ومستشارًا.

المهم لم تمضِ إلا ساعات، وإذا بي أتجول مثل جرو صغير خلفه في أحد المنتجعات خُصص لأصحاب السلطة والمال.

وقف ووقفت أمامه على بُعد خطوات، حام بنظره واختار كرسيًّا واستدعاني بإشارة من إصبعه.

ضايقني هذا الأمر، وأنا في طريقي لإجابته كنت أستمع لساكنين بداخلي؛ أحدهما يقول لي:

“الخلائق مسخرون لبعضهم، فهنالك من خُلق ليأمر وآخر ليُطيع”.

وآخر رغم انشغالي عنه لا يتوقف عن الثرثرة، كم أكرهه وأكره صوته.

فبسببه ارتفعت يداي عاليًا، وانبسط كفي من دون إذن أو علم مني، وهوى بحقد على خد صديقي فخرجت من جنة الدنيا الى جحيمها!