داود سلمان الشويلي
((فن القصة القصيرة هو شعر الدنيا الحديثة))
نجيب محفوظ
في الكثير من دراساتي التي تحمل الطابع النقدي قدمت أكثر من دراسة عن “القصة القصيرة جدا” في نصوص تراثية، كنصوص الجاحظ، أو نصوص من قبل 100 سنة تقريبا عند جبران خليل جبران، أو من خلال نصوص قصصية في القرآن(1). وفي هذه السطور سأطرح سؤالا مفاده: هل كتب محفوظ (القصة القصيرة جدا) خلال عمره الأدبي، أم لا؟
وجوابي عن ذلك السؤال هو إنه كتب هذه اللون السردي في الكثير من المجاميع القصصية، مثل: مجموعة (اصداء السيرة الذاتية)، ومجموعة (أحلام فترة النقاهة)، إلا ان دارسي محفوظ لم يشيروا الى ذلك حسب علمي المتواضع، وانما أشاروا الى ما كتبه من الروايات، والقصص القصيرة بصورة عامة، ولم يفصلوا ذلك، ولا أعلم ان كانوا قد اعتبروا مثل هذه اللون القصصي يحسب على القصة القصيرة، مثل عدهم القصة الطويلة، أو الرواية القصيرة (نوفيلا) في مجاميعه العديدة، كمجموعة (حكاية بلا بداية ولا نهاية)، محسوبة على القصة القصيرة.
وعندما كتب الأستاذ علاء الدين محمود في ملحق الخليج الثقافي
قراءة في “أحلام فترة النقاهة” لنجيب محفوظ بتاريخ 29 أغسطس 2008، ما يلي: ((في اصداء السيرة الذاتية يبتكر محفوظ شكلاً أدبياً جديداً يربك القارئ بدءاً من عنوانه، فماذا يعني بكلمة اصداء في العنوان. نجد انفسنا أمام راوٍ يصحبه شيخ يطلق عليه محفوظ اسماً دالاً وهو عبد ربه التائه وعبر كتابة تلغرافية يتحدث الاثنان حول القبح والجمال، الخير والشر الواقع والخيال، الحب والكره، وكثيراً ما نراهما يتجولان في أماكن عدة تعود لذاكرة محفوظ أو يقابلان شخصيات مختلفة وعبر الحوار يغوص محفوظ في النفس الانسانية ويستنطق الأمكنة ويطرح اسئلة واجابات كبرى. يسأل الراوي شيخه عن امكانية الخروج من الأزمة فيرد قائلاً: إذا خرجنا من هذه الأزمة هالكين فهو العدل واذا خرجنا سالمين فهي الرحمة.))، فاعتقد انه كان يقصد ما في الشكل من مضمون، ذلك لأن الشكل، القالب، هو قصة قصيرة جدا، وسنرى ذلك.
***
– مقومات القصة القصيرة جدا:
من مقومات القصة القصيرة جدا، والتي وضعها الدارسون لهذا النوع القصصي، هي:
– حجم النص: حيث حدده الدارسون بين ثلاثة أسطر، وصفحة كاملة، وبين هذه الحدود يمكن ان نفحصه في النص القصصي هذا أو ذاك، والذي يزيد عن هذا الحجم يتحول النص الى نص ينطبق عليه مقومات نوع قصصي آخر.
– مجال اللغة: الاقتصاد، (كتابة تلغرافية)، أي:التركيز، والايحائية، والرمزية.
– الخاتمة المدهشة: تحمل الكثير من نهايات القصص القصيرة جدا خاتمة مدهشة، وتمتزج مع المفارقة.
– الروح السردي، أو القصصي: حيث يفحص من خلال ذائقة المتلقي، أو الناقد، حيث يحدد له المدى الذي يصل اليه، فيما اذا كان في النص روح قصصي،أم لا.
– المفارقة: وهي بنية تعبيرية، وتصويرية، متنوعة، وعديدة على المستويين الدلالي، والتركيبي. والمفارقة منها اللفظية، ومنها السياقية، وهي اسلوب تقني لمنح القاريء المتعة الأدبية الابداعية.
وفي هذه الحالة لا يمكن ان نفحصها بالمسطرة الخاصة بالمفارقات، لان ورود مفارقة واحدة في النص تكفي.
هناك احتمال أن تستخدم المفارقة في نوع آخر سردي، والذي يفرق بين هذه الأنواع هو الاشتراطات الأخرى لهذا النوع، أو ذاك، هي التي تحدد هذا النوع السردي.
ان هذه المقومات، أو الاشتراطات، هي التي تجعل هذا النوع مغايرا لنوع القصة القصيرة.
***
– الفحص:
لنأخذ قصة قصيرة من كل مجموعة من المجاميع المذكورة ونفحصها حسب المقومات التي ذكرناها. القصة الأولى بعنوان (رثاء) من المجموعة القصصية (أصداء السيرة الذاتية).
– النص:
((كانت أول زيارة للموت عندنا لدى وفاة جدتى، كان الموت مازال جديدا لا عهد لي به إلا عابرا في الطريق، وكنت أعلم بالمأثور من الكلام أنه حتم لا مفر منه، أما عن شعوري الحقيقي فكان يراه بعيدا بعد السماء عن الأرض، هكذا انتزعنى النحيب من طمانينتي فادركت أنه تسلل في غفلة منا إلى تلك الحجرة التي حكت لى أجمل الحكايات. ورأيتني صغيرا كما رأيته عملاقا، وترددت أنفاسه في جميع الحجرات فكل شخص تذكره وكل شخص تحدث عنه بما قسم وضقت بالمطاردة فلذت بحجرتي لأنعم بدقيقة من الوحدة والهدوء، وإذا بالباب يفتح وتدخل الجميلة ذات الضفيرة الطويلة السوداء، و همست بحنان لا تبق وحدك.
واندلعت في باطنى ثورة مباغتة متسمة بالعنف متعطشة للجنون وقبضت على يدها وجذبتها إلى صدرى بكل ما يموج فيه من حزن وخوف.)).
***
لا أريد هنا أن أشرح ما في هذه القصة القصيرة جدا من رمزية مبطنة بقدر ما أريد أن أفحصها من خلال المقومات الخاصة بالقصة القصيرة جدا لأرى مدى تطابق تلك المقومات معها.
– الحجم:
حجم هذا النص المطبوع في المجموعة ثمانية أسطر، فهو يقع ضمن المسموح للقصة القصيرة جدا.
– مجال اللغة:
الاقتصاد، (كتابة تلغرافية)، أي:التركيز، والايحائية، والرمزية.
اتسمت لغة هذا النص بالاقتصاد، والتركيز غير المضيّع لفكرة النص. والايحائية حيث ان اللغة توحي، ولا توضح، أو تشير الى. ولغتها رمزية.
– الخاتمة المدهشة:
يصيب القاريء بعد قراءته لهذا النص بالادهاش المفضي الى المفارقة.
يقول النص:
((وضقت بالمطاردة فلذت بحجرتي لأنعم بدقيقة من الوحدة والهدوء، وإذا بالباب يفتح وتدخل الجميلة ذات الضفيرة الطويلة السوداء، و همست بحنان لا تبق وحدك.)).
ان الجميلة ذات الضفيرة الطويلة السوداءهمست في إذن الصبي ألا يبقى لوحده. نتساءل: لماذا؟
– المفارقة:
هذه النهاية هي مفارقة دلالية. ((واندلعت في باطنى ثورة مباغتة متسمة بالعنف متعطشة للجنون وقبضت على يدها وجذبتها إلى صدرى بكل ما يموج فيه من حزن وخوف.)).
تؤكد المفارقة الدلالية، على أما أن تكون ذات الضفيرة الطويلة هي الموت بعينه، أو هو النوم.
– الروح السردي:
كل من يقرأ هذا النص القصير يتبادر الى ذهنه انه قصة قصيرة، إلا انها قصيرة جدا، لما فيها من روح سردي يسري بين كلمات لغتها.
***
في مجموعته القصصية الثانية “أحلام فترة النقاهة” يوزع محفوظ سرد أحلامه على مدى 209 حلما كلها تحمل دلالاتها، ومعانيها، التي أراد أن يوصلها عن طريق قالب القصة القصيرة جدا. فقد جاء في الحلم/4 ما يلي:
* نص “حلم/٤”:
((بَهو مترامي الأركان، متعدِّد الأبواب، خالٍ من كلِّ شيء، فوقف ثلاثتنا في ركن مكنون، صاحباي يرفلان في كامل حِليتهما حتى رباط العنق، على حين اكتفيت أنا بالجلباب المغربي. ودون شعور بأي حرج لشدة الألفة التي تجمعنا، سمعت حركة، نظرت فرأيت رجلًا لا أدري من أين جاء، في ملابس رسمية توحي بأنه ممن يُشرفون على الحفلات. تلفَّفت في جلبابي وقلت لصاحبَي: أخاف أن يقام حفل!
فقالا بالتتابع: لا أظن.
– لا أهمية لذلك.
وجدت حركةً أخرى فنظرت فرأيت رجلَين مماثلَين للأول، قد انضمَّا إليه فزال كل شك، وهربتُ إلى أقرب باب وفتحته وكأني وجدت وراءه سدًّا من جدار البَهو، فكرَّرت المحاولة مع الأبواب جميعًا، وخاب مسعاي كالمرة الأولى. رجعت إلى صاحبَي، واندسست بينهما كأنما أستتر بهما.
وطمأنني بعض الشيء أن الرجال الثلاثة لم يُعيرونا أي الْتفات.
وتتابعَت الحركات، وانهمر سيل من المدعوِّين من كافة النواحي.
وأخذوا يملئون المكان دون أن ينظر نحونا أحد، مركِّزين أبصارهم في ناحية واحدة، فلم نملك إلا أن نفعل فعلهم. وبدا فجأةً شخص جليل في هيئة الزعامة، فتعالت قعقعات الهتاف، وكلما تقدَّم الرجل خطوة، اشتدَّ الهتاف، ولكنهم حذَّروه في الوقت نفسه من السير نحو الباب الذي بدا أنه يقصده، وقلت لصاحبَي: سيُفتح الباب عن سد لا منفذ فيه.
وتقدَّم الزعيم وسط هتاف متصاعد وتحذير مستمر، حتى فتح الباب ودخل مختفيًا عن الأنظار.)).
***
عندما يوثق محفوظ أحلامه فان كل حلم هو بمثابة نص قصصي، والحلم هذا الذي بين يدي الدراسة من المجموعة القصصية (رأيت فيما يرى النائم) يعدّ نص سردي من نوع القصة القصيرة جدا.
* نص الحلم/1 “رأيت فيما يرى النائم”:
((أنني راقد، أنني نائم أيضًا، ولكنَّ وَعْيي يُرامق الظلام المحيط … وثمة أنثى أقبلَت يندُّ عنها حفيفُ ثوب، والحجرة ما الحجرة؟ أهي حجرتي الراهنة أم أخرى آوَتْني فيما سلف من الزمان؟ ويتهادَى الوجه إلى حسيٍّ رغم الظلام باستدارته الناعمة وسمرته الصافية ورنوته الناعسة، نسقُ تسريحتها عصريٌّ … أما ثوبها فقديم يجرُّ ذيلًا مثل سحابة رشيقة، وهمس صوتٌ لم أرَ قائله: للزمن نَصْلٌ حادٌّ وحاشية رقيقة.
وركعَت في استسلام وانهمكَت في عمل، ثبتَت عليها عيناي، ولكني لم أنبس بكلمة … وحَدسْتُ وراء انهماكها غايةً دانية، وقال الصوت: الأنفاس العطرة تصدر عن قلب طيب.
وانتظرتُ حتى جمعَت أدواتها ونهضَت في رشاقة، ومضَت نحو الخارج … شدَّتني بخيوط خفية لا تنقصف، فانزلقتُ من الفراش وتَبِعتُها، وهيمن عليَّ شعورٌ بأنني مدعوٌّ لأمر ما، وأنني لن أحيدَ عن التطلع إلى الأمام … تمضي متأوِّدة كأنها ترقص باعثة وراءها بنسائم من الذكريات، تعرف طريقها في الليل وأهتدي أنا بشبحها، ومررتُ بأشياء وأشياء ولكني أُنسيتها فتوارَت مثل شرَر متطاير. وعند موضعٍ عَبِق بشذا الحناء فصَلَ بيننا قطارٌ سريع طويل رجَّ الأرض ومَن عليها … وبذهاب ضجيجه استوى الليل أمامي وحده فضاعفت من سرعتي، وأطبق الليل وحده واختلجت فيه الوعود المضمَّخة بشذا الحناء … لم يَعُد في وسعي التراجع، وليس معي من الحوافز إلا الظمأ والشوق.)).
ولو طبقنا جميع مقومات القصة القصيرة جدا على هذا النص، والذي قبله، لوجدناها تنطبق عليهما، واترك القاريء يقوم بذلك ليرى مدى تطابقها.
***
وهذا التحليل لهذه النصوص هو اجابة لسؤالنا الذي طرحناه في بداية هذه الدراسة، هل كتب محفوظ (القصة القصيرة جدا) خلال عمره الأدبي، أم لا؟
***
الهوامش:
1 – أسئلة السرد ج1 – دراسات في القصة القصيرة جدا – مطبعة الحسام – ط1 2022 .





