المجلة الثقافية الجزائرية

زاردشت النبي ونيتشه المربي. المحذوف في نصوص نيتشه والمسكوت عنه في فلسفته.

“لماذا أنا حكيم جدا” ” لماذا أنا مميت جدا” نيتشه

بقلم محمد بصري  

 

قراءة نيتشه تتخذ صورا سلبية عند بعض الشراح وجمهور معين من المتفلسفة. الذين أضاعوا فرصا كثيرة في فهم عقائد هذا المفكر الفيلولوجي الأخير . هو ثائر لغوي ترعرعت فلسفته تحت أحجيات الحروف والكلمات وتَمكّنت منه إلى غاية اللعنة والجنون. لا يمكن فهم الفلسفة الألمانية إلا داخل أنساقها فهي الإبيستيمي الوحيد الذي يعزف على أوتار الشعر وإيقاع التاريخ الجدلي الذي لا تقوم نهاياته و ساعته الأخيرة إلا على مركزية الرجل البسماركي الذي يصادر مواطنيه من المتشبثين باللوغوس والكوجيتو الغربي حقهم في التَحلُّق حول روح التاريخ الهيغيلية.

يجب أن تلتزم الحياد وأنت تكْتُب سير الفلاسفة فهم حكماء بدون نبوات، خفِّفْ نبض قلمك حتى لا تزعجهم في برزخيتهم فأسفارهم الفلسفية هي عبور كوني لِسَردِيات لطالما وَجدت الطريق للعقول النيرة النورانية .نيتشه كثير الإنسحاب سريع التذمر لا يمكن تسييجه بِنَسق أو نظام معرفي، بل فكره عصي على التنميط خارج التصنيف.فهو كثير الثناء على فاغنر، عاشق للموسيقى الأوبيرالية لكن سرعان ماينزلق للتعنيف والرفض والشك المقيت الساخر واللعين، يقول بعدما كره فاغنر وسخط عليه “إن أسلوبه الدرامي هو ليس سوى نوع من أنواع الأساليب الرديئة حتى أنه ليس أسلوبا في الموسيقى” [1]. الوقت الذي هو كثير الرضا على شوبنهاور يقول” إن ما قلته عن شوبنهاور مربيا يسعدني كثيرا.هذه القطعة الصغيرة هويتي “.

عندما كان نيتشه يحفر في الطبقات الصوفية للمشرق عثر على كنزه وأسطورته الأبدية “زرادشت” وهو الذي يتم التأريخ للحداثة وما بعدها بموته. الرجل قام من برزخه الأبدي وهو يشير إلى ضرورة التأصيل للثقافات البشرية انطلاقا من مهدها الحضاري أي الشرق العظيم.

كان الجنود الألمان في الحرب العالمية الأولى يحملون في محافظهم وجيوبهم إلى جانب الذخيرة والرصاص كتاب “هكذا تكلما زرادشت” وكأنها نسخة ضائعة من إصحاحات انجيلية منسية، كما يروي جمهور نيتشه عن هذا الكتاب الخالد فقد تطايرت أشرعته في السماء لتزف وصايا وتعاليم هذا النبي المفقود من فارس إلى الشعوب الهندوأوروبية التي طَوَتْ سيرها التاريخية. كتاب أسطوري مبهج يجاري ألغازا ميتافيزيقية عصية على المبادئ الكلية للعقل الأرسطي تُقدِم أفكار زرادشت وتوجيهاته التعليمية عبر نيتشه المطرقة ذاتها إلى العالم وفق نمطية راديكالية مُغرية. نموذج التعليم العنيف المثير [رغب نيتشه في جعل نفسه مرئيا ومسموعا، ربما اكثر من اللازم، وبعدها سيغدو كل شيء على مايرام][2]

ليس من قبيل الصدفة أن يتم التجديف في كتابات نيتشه ومن السهل جدا أن يفتش المُرْجفون عن مبررات لاقتلاع وتحريف كثير من نصوصه .ما قامت به اليزابيت فورستر أخته التي كان يصفها بالإوزة العرجاء.التي تلاعبت ببعض عناوين كتبه ونصوصه .ليس اختلاقا وبدعة أن يكون عنوان كتابه “هذا هو الإنسان” وقد حذفت منها عبارة “وهو في حالة من الجنون التام” بصورة تربصية ما يشبه اعتداءً واضحا على متونه .-

انهيار نيتشه كمفر وفيلسوف لا يعود فقط إلى أمراضه الكثيرة والتي تتطلب تحقيقا تاريخيا بل إلى العنف الأسري الأبوي والحصار الذي ضُرب عليه منذ طفولته.

لم يكن نيتشه نازيا ولا مرجعا لشوفينية تلفيقية بل تَنصّل كثيرا من هذه الهويات القاتلة وتشير دراسات حديثة جدا أن جزء عظيم من نصوصه تم حذفها من كتابه “هذا هو الإنسان” تَبَّين أنه انزعج كثيرا من انتمائه الألماني وهي الصيغة التي ترفضها النزعة والأيدولوجيا الألمانية التي أسست لجحيم تاريخي وحريق إثني أشعل حربين كونيتين يقول .”أنا نبيل بولندي خالص،لا يوجد في دمي أي قطرة دم فاسدة ولاسيما ألمانيا” [3].

التدخل السافر في حياة نيتشه من طرف أطراف غير محايدة أبدا كأخته “اليزابيت” شكّل له أزمات عاطفية ونفسية ووجودية انتهت بتقريع الذات ثم إلى السخط العام على الأسرة والنظام الأبوي الذي يبدأ فيه الاستبداد ضئيلا ثم يتفاقم ليلتهم براءة العزلة والوحدة والحقوق الشخصية والخاصة. علاقة نيتشه بلو أندرياس سالوميLou Andreas-Salomé 1861/1937 اليهودية الفنلدية الأصل والمواطنة الروسية التي نعتها كثير من الفلاسفة بأنثى الثعلب اللعوب “الثعالة” التي نسجت مصيدة عِشْقية للحالم المُتَيم نيتشه هذا العقل الألماني الرهيب والساخر كان يسقط في الفخاخ النرجسية من أول نظرة ويراهن كثيرا على البدايات النبيلة والكاذبة لينتهي به المطاف مخذوعا مخذولا مريضا غاضبا فينثر حنقه كألسنة اللهب فوق نصوصه. تَــــمَّ سلب هذا الفيلسوف نصوصه الخام حتى ما يتعلق بسيرته الشخصية عبث بها لصوص النصوص وعلى رأسهم الإوزة العرجاء اليزابيت . نيتشه كان يصنع بهجة النصوص لكن قلما عاش ابتهاجا شخصيا. هاهو ينكر على أخته في نص محذوف تدخلها في فك الارتباط الذي طال علاقة وُلِدت ناقصة مشوهة لتنتهي بالوأد والدفن وهي في أوج نشاطها .أخته شهَّرت بالعلاقة بينهما وأشعلت حربا مفتعلة مع “لو” إلى حد الشجار والشتائم .ويبدو أنها لم تكتفي بالحراسة على نصوصه بل تمادت إلى إنهاء كل حب رمزي كان بإمكانه إنقاذ فريدريك نيتشه من الهوس والمرض والجنون. يقول”عندما أبحث عن أعمق نقيض لنفسي عن خسة الغرائز التي لا تحصى لا أعثر إلا على أمي وأختي إن الاعتقاد بأنني مازلت على صلة بهؤلاء الأوغاد سيكون بمثابة إساءة لألوهيتي .لقد اعتقدت أنهما شيطانتان قادمتان من الجحيم” [4]

نيتشه ارتبط مفاهيميا بفلسفة الرعب و الديناميت والمطرقة إنها فضاء لألغام اثمولوجية يجب أن تراعي أين تضع رجلك. فلم تسلم منه أي مؤسسة من التهشيم فالنظام الأبوي لطالما أفسد مزاجه كما أزعجته المنظومة الدينية فالمقولات التي يدفعها للتاريخ منهكة للضمير الأخلاقي يقول”يجب عليّ أن أغسل يدي بعد الاتصال بأي رجل متدين،بل أعتقد أنني ممتلئ بالحقد حتى أؤمن بنفسي،..لا أريد أن أكون قديسا،بل أفضل أن أكون مهرجا،وربما أنا مهرج بالفعل..إنني صوت الحقيقة، لكن حقيقتي فظيعة،فحتى الآن سميت “الأكاذيب ” حقائق”[5]

نيتشه كان يبحث عن مشروع تعليمي تربوي شامل وكوني وعابر .كثير منا يعتقد أنه وَجـــَد نموذجه في شوبنهاور حين كتب “شوبنهاور مربيا” لكن التأسيس الفلسفي والمفاهيمي للتربية يرجع إلى زاردشت النبي هو الملهم الأول لنيتشه وولي نعمته في الإبداع والإنبثاقية الفلسفية.التربية وفق براديغم نيتشه يجب أن تكون نخبوية تنحصر في فئة شبيه بالانثلنجسيا اليونانية. تعليم خاص وفق أُفُق منظم ومعقد ومنهاج أفقي صارم تستثنى منه الطبقات المطحونة في المجتمع لأنها عبء على الدولة وكل عملية تعميمية للتعليم بصورة هجينة هي تكريس لما يسمى مدرسة ميتة .المدارس مثل الثكنات، فائض عارم في الجهد ونتائج هزيلة في المردود كون الحلقة التلقينية المفرغة التي تدور فيها المقررات لا تعيد سوى إنتاج نسخ مكررة من البشر ومن التعاليم. هي دعوة لتحرير التعليم من الشمولية والغوغائية وإن كانت طبقية موغلة في الفحش الليبرالي.لا يخفي نيتشه بهجته بالتعليم الذاتي كما فعل زرادشت. فهو ضد الانصياع النهائي للمؤسسة أو نمط من تدجين وترويض الأضعف للأقوى.

الانسان الأعلى هو الصورة المثالية لإرادة القوة الشوبنهاورية هو يتمثل الروح المتوثبة لكائن يمكنه أن يتجلى وفق إحداثيات استشرافية للمستقبل. رجل نيتشه ماهو سوى إرادة شوبينهاور وتعاليم زرادشت وقيم الشرق التي تخطفتها عقول الغرب بشيء من الانتقائية والتحريف أيضا.

محمد بصري باحث جزائري

الهوامش

1- أنظر نيتشه “شوبنهاور مربيا ” ترجمة جاسم قحطان جاسم ط 2015ص09 ي

2- انظرروديغر شميدت وكورد سبريكيلسن فلسفة نيتشه للمبتدئين ترجمة روضة حسام دار اكتب للنشر والتوزيع مصر ط 1ص6.

3- 2 انظر نفس المرجع ص 09

4- نفس المرجع ص 10.

5- نفس المرجع ص16

6- نفس المرجع ص 16.

*باحث من الجزائر