المجلة الثقافية الجزائرية

مجول الخير.. وصالونها الثقافي المتوهج

  محمد عبد الظاهر المطارقي

 

القرى تشبه البشر.. فثمة قرية تشعر نحوها بحالة من الضيق والاكتئاب، وتسعى جاهدا لأن تفر من بين مخالبها الحادة، المدببة.. وهناك قرية تفرد أجنحتها الناعمة، الحانية.. كأم رؤوم، إنها قرية حانية وادعة كأغلب قرانا الطيبة تشكلت من نسمة باردة في يوم قائظ.. ولأن قطرة مياه واحدة يمكنها أن تعلن لك عن مكنون المحيط.. فإن شخص واحد يمتلك القدرة على أن يعلن لك عن مكنون تلك القرية بكل ما تحمله من ملامح وتناقضات.

ثمة أناس صالحون إلى الحد الذى يجعلك تشعر نحوهم وكأنهم ملائكة هبطت من السماء. مؤكد أن الطبيعة الانسانية تجمع بداخلها الأضداد، بيد أن هناك من تعلو بداخله نبرات الخير فتبدو صريحة جلية. مما يجعلها اللغة السائدة.

هكذا هى “مجول” والتى عرفناها من قبل أن نطأ بأقدامنا أرضها الطيبة.

عرفناها وتشوقنا لزيارتها والتعرف عليها عن كثب وذلك من خلال شخصيتان رائعتان إلى حد مذهل على المستويين الإنساني والإبداعي، كل منهما نسيج وحده، بيد أنهما يمتازان بقدر هائل من البساطة، والعذوبة.. إنهما الرائعان ايهاب الورداني، ومحمد الدش.. انضما إلى قافلة المبدعين، وصارا لهما حضورهما اللافت. ولأننا جميعا نتعاطى الأدب والإبداع كمجموعة أصدقاء بنادى أدب قصر ثقافة المحلة الكبرى، فلم نكن نستطيع الاكتفاء بوقت الندوة الهزيل، وإنما كان يتحتم علينا أن نستكمل حواراتنا في شوارع مدينتنا الصاخبة ، وعلى المقاهي، وداخل بيوتنا العامرة بالدفء. وامتدت أذرع حانية من قرانا المحيطة تدعونا إليها فكانت صفط تراب، سامول، القيصرية.. ومجول الخير (كما أحب أن أطلق عليها).

كان صديقنا المبدع ايهاب الورداني يهيم بها عشقا، وقد استطاع بمهارة واقتدار أن يتناولها في أغلب أعماله القصصية. فاستحالت كتاباته إلى شوارع، وبيوت وأشجار، وحقول وعالم يضج بالحركة وينبض بالحياة.. هكذا تعمقت نظراتنا إلى مجول، واستدعينا كل الصور الوضيئة التي قدمها الورداني في بساتينه الوارفة.. فكانت زياراتنا الكثيرة إلى مجول تستدعى كل ما قرأناه من ابداعات، أو ما أنشده على قلوبنا ومسامعنا ايهاب بصوته الشجي .. فكنت أستشعر في أعماقي أننى أسير داخل ديوان قصصه، أو رواية من رواياته المدهشة.. فامتزج عالم مجول برؤى وتجليات صديقنا الأعز ايهاب الورداني..

شخصية أخرى تمتاز بالروعة والبهاء استطاعت هى الأخرى أن تغزو قلوبنا، إنه المهندس محمد نصر.. صورة رائقة، محببة إلى الحد الذى يجعلك تستشعر في أعماقك أن ثمة صلة ما تربطك بهذا الإنسان النبيل.. شخصية معجونة بالطيبة والوداعة وسماحة الوجه، والبساطة المدهشة. إنه النموذج الأمثل الذى يتوجب على الآباء أن يقدمونه كقدوة صالحة وملهمة لأبنائهم.. إنه يعد ركيزة أساسية في إنجاح المشروع الخيرى العملاق الذى تم تأسيسه وإنشاؤه في مجول. بدأ المشروع كحلم واستطاع المهندس محمد نصر أن يقبض عليه بكلتا يديه، ويجاهد بكل ما أوتى من قوة في سبيل تحقيقه.. ومعه فريق من المخلصين، الأوفياء، الذين يؤمنون بجدوى الحلم، فكان صرحا هائلا يؤكد على وحدة أهل القرية وتعاونها.

بداخل هذا الصرح منارة مضيئة تسمى “الصالون الثقافي”.. والذى شرفت أن حللت ضيفا عليه في بدايته الأولى.. وكان بدعوة كريمة من الصديقين الأديب ايهاب الوردانى .. والشاعر محمد الدش. باعتبارهما مسئولان عن الأنشطة الثقافية.

دعونا نؤكد أن ما يميز هذا الصالون الثقافي هو نوعية الحضور والتى تختلف عما عهدناه في نوادى الأدب .. وفى كافة الندوات والفاعليات والمؤتمرات التى يشهدها ويقوم على رعايتها أدباء، أو من لهم علاقة بالأدب والإبداع.. هذا جمهور يمتاز بالوعى الشديد.. نحن نعلم يقينا أن منتجوا الأدب هم أنفسهم مستهلكوه، بما يعنى أن الجمهور الذى يحضر الفاعليات الأدبية يكون وثيق الصلة بعمليات الإبداع وممارستها. لكن الصالون الثقافى للجمعية الخيرية بقرية مجول لايعنيهم أن يكونوا أدباء، لكنهم يملكون القدرة على التلقى والمشاركة الفاعلة بحماس يستشعره الضيف ويراه ماثلا أمامه مما يزيد لدية وتيرة التوهج. ومتعة التواصل.

غالبية الحضور الدائم من أبناء مجول، ما بين شباب واعد، وشيوخ تتدفق مياه الحماس في أوصالهم. ويبدو ذلك واضحا في المداخلات، وطرحهم أسئلة ذكية، مما يثرى اللقاء ويضفى عليه لونا من الاهتمام. وبالرغم من كون الصالون قد تم تأسيسه ليكون منبرا للفنون الأدبية والابداعية باعتبار أن القائمون على رعايته أدباء. مما دفع بهم لدعوة العديد ممن يتعاطون الكتابة من مختلف المحافظات، واستطاعوا أن يقيموا فيه مهرجانات للشعر، يحضرها كبار الشعراء فى مصر والعالم العربى.. إلا أن الصالون قد انطلق بقوة في أنشطته الفكرية والثقافية حتى بلغ به أن أصبح منبرا توعويا لمختلف التخصصات العلمية والثقافية.. فالصالون يقوم بدعوة أصحاب الاختصاص ليقدموا تجاربهم الناجحة، ويحاضروا الجموع الحاضرة في مجالات تخصصاتهم والتى هى وثيقة الصلة بالواقع والحياة كقضايا التلوث، الوقاية من الأمراض.. الطفل والأسرة، التعليم، الصناعة والمشروعات الصغيرة.. وأهم القضايا الدينية وغيرها من الموضوعات.

وإذا كان أديبنا الكبير ايهاب الوردانى قد انتقل إلى رحمة الله بعد أن أسهم إلى حد كبير في تحقيق حلم الصالون الثقافى، فإن شاعرنا الهمام محمد الدش (بارك الله عمره) يقوم على رعاية الصالون بكل ما أوتى من جهد، فهو بدماثة أخلاقه، وثقافته الواعية، وتحققه في الأوساط الأدبية قد ساعد على تطوير الصالون وإنجاحه فإننا نرجوا من الله تعالى له التوفيق والسداد دائما..

كل التحايا الطيبة والشكر الواجب لكل أهل مجول.. والتحية الخالصة للقائمون على شئون الجمعية الخيرية.

المطارقى..

المحلة الكبرى

  نوفمبر2024