قراءة نقدية، هشام شمسان •
▦ ” ضد المجهول” هي أول رواية للكاتب المبدع أوس الإرياني، ومع ذلك، فقد صيغت بأسلوب متقدم لمفهوم الرواية الحديثة، وتنم عن كاتب مثقف، مقتدر، وملهم، بإقدامه على تجربة كهذه غنية بالإبداع، والتعقيد.
رواية صيغت بأسلوب لغوي متوازن، جمع بين البساطة والعمق، وبين الكتابة المجازية، والواقعية، فلم يترهل السرد عنده، ولم يذُب في خضم التفاصيل، بل يجذب القارئ من أول فقرة ..
▦ الرواية بموضوعها، وأحداثها السردية، تسير في تكوينات معقدة، تجمع بين الحقيقة والخيال التنبؤي، ولكن في عرض ذكي، وفطن، ومثير، وتسعى أحداثها لتفكيك القيود التي تلصقنا بالواقع الملموس، فتجرنا إلى أحداث تبدو مبنية على الحقائق، لكنها تحمل جوانب من الخيال التنبؤي، المتعلق بالقلق والخوف من المستقبل، ومخاطر الفوضى، والصراع، والحروب التي تواجه الإنسانية، وتعصف بحياة الأفراد، والمجتمعات، والشعوب ؛ نتيجة أفعال بشرية متهورة، بحيث يصبح “المجهول” في نهاية الرواية أكثر رعباً، وفزعاً، يجعل القارئ يتساءل عن معنى الحياة، وما الهدف منها في ظل عدم اليقين، والاستقرار، النفسي، والعقلي، والمعيشي .
▦ عنوان الرواية” ضد المجهول” فيه استشراف للمخاطر، باعتباره يقدم نظرة متسائلة حول طبيعة الوجود البشري، ومكانة الإنسان في عالم متغير، ومتصارع، وغير مستقر، ويعطي العنوان- كذلك- انطباعًا واضحاً عن طبيعة التوتر الناتج عن مواجهة الأحداث المجهولة؛ فيُظهر صراع الإنسان الدائم مع المصير، رغم الفناء المحتمل .
▦ فكرة الرواية- بمجملها- تعالج تيمة الصراع بين المعرفة والجهل، وتطرح نقدًا للواقع الراهن الذي نعيشه؛ فتؤكد على أهمية الاستعداد للمستقبل المجهول، وضرورة التحضير لمواجهة تحديات مهولة، وأحداث غامضة غير متوقعة .
إنها- باختصار- موقف نقدي تجاه واقع يتم إغفاله، أو التغابي عنه، أو تجاهله، أو عدم فهمه.
▦ إن رواية الإرياني ليست مجرد سرد لأحداث فحسب، بل تتداخل فيها الأبعاد النفسية، والاجتماعية، والسياسية، على نحو أتاح لها تذويب الحدود بين الواقع والخيال .
ويعد الصراع الداخلي- في بيئة هذه الرواية- هو العنصر الرئيس. فالعديد من الشخصيات الروائية تعاني من صراعات تتعلق بالسلطة، والهُوية، والقيم، والاختيارات الحياتية، بفعل عوامل كالجهل، والطمع، والقوة، والنفوذ، والاتباع، ومنها البحث عن الذات .

ومثل هذه الديناميات جعلت من رواية “ضد المجهول” تمثيلاً، ورمزاً للصراع الإنساني في كل أنحاء الأرض، لكنه- للأسف- لم يكن صراعاً من أجل السلام، والاستقرار، بل كان صراعاً من أجل الاندثار، وبحثاً دؤوباً عن أسباب الفناء.
▦ في الرواية يبرز دور المرأة على نحو واضح، ينعكس تأثيرها في الحب، والحياة الأسرية، بل وفي الانتقام، والغدر. فتنقل لنا الرواية أنواعًا من النساء ، بدءًا من الأم التي تحافظ على الترابط الأسري، إلى الزوجة التي تدعم زوجها، وتسانده، إلى الزوجة الخائنة التابعة، المخدوعة التي تتآمر ، وتقتل، بفعل الغيرة، والتبعية للأعداء. ويبدو دور الأخيرة على نحو جبروتي، مخيف .
▦ كما تسلط الرواية الضوء على موضوعة الحب، وكيف يمكن له أن يتفتح وينمو حتى في أوقات الشدائد والصعوبات، وبين أشواك العداوات، مما يثبت بأن المشاعر القوية مثل الحب تستحق التضحية.
▦ قام الكاتب بتوظيف الحكم، والأمثال اليمنية، وسياقات من اللهجة اليمنية، على نحو بليغ، فأنشأ تفاعلاً جميلاً بينه، وبين القارئ؛ بخلق جو من الأصالة المجتمعية إلى جانب تدعيم هوية الشخصيات، وإضاءة خلفياتهم الاجتماعية والعائلية، وهو ما منح الكتابة عمقاً حيوياً، وأعطى القارئ شعورًا بالمشاركة في الحوار، والارتباط بالشخصيات الروائية .
إلى جانب أن بعض تلك المقولات المحلية، والأمثال، كانت تضفي طابع المرح على السرد، بما يساهم في تخفيف الأجواء السردية.
▦ أخيراً نقول: إن رواية العزيز أوس الإرياني تعدُّ، بحق، تحدياً للفهم النهائي. حيث يتوقف الكاتب بنصه الروائي على نهاية مفتوحة، مرعبة، وفي فضاء، مفتوح، يندفع فيه القارئ للتفكير في خيارات الشخصيات الثلاث المتبقية من هذا العالم، وقبل ذلك، هو مضطر لإعادة القراءة من جديد، لترتيب علائق الفهم المنطقية، للرواية برمتها .
○○○
(*) هي الرواية الفائزة بالمركز الأول في دورة الروائي اليمني محمد أحمد عبد الولي، التي نظمتها دار “عناوين بوكس” في القاهرة، وفاز بالمركز الأول الكاتب، والروائي اليمني أوس الإرياني*
• كاتب وناقد من اليمن .





