عاطف سليمان
عنبر.
قطٌ مرِحٌ لَعوب، عُمرُه أقل من سنة ونصف، فراؤه أبيض داكن تخالِطه بُقعٌ صفراء على العنق والذيل، كمثلِ بيضةٍ أُهرِقت. وقتما ينتابه مزاجُ اللهو تلتمع في عينيه النظرةُ الظريفة المنتبِهة الذكية المترقِّبة، ويصير بمقدوره أن ينقل مزاجَ الخِفَّة والبهجة والشغف باللعب إلى مَن حوله. عنبر هو مُفردٌ لطيفٌ من سُلالة القط المصري؛ بملامحه ولمحاته التي كأنها نسخة طازجة طالعة من التماثيل والمنحوتات والجبّانات ونقوش الجدران ورسوم البردي المتروكة منذ آلاف السنين حول نهر النيل.
قبل أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة سنة من وجود عنبر، شيَّدَ قُدامى المصريين الأهراماتِ العظمى في عهد الأسرة الرابعة من الدولة المصرية القديمة، انطلاقاً من العاصمة منف (مِنْ نِفِرْ)، وبالتزامن مع رسوخ وتعالي الأهرامات كانوا يؤسسون ويرفعون في تل بسطة (بِر باست)، أي (بيت القطة)، حَرَماً لأجل محبة وتوقيرِ القط المصري واستمدادِ طاقاتٍ وراحاتٍ من لدُن كينونته.
وُلِد عنبر في شقاء الشارع، وعاش فيه طفولتَه وشهورَ مراهقته وبدايةَ شبابه، إلى أن صعد ذات يوم ليشرب من وعاء الماء الموضوع بجوار الباب الخارجي للشقة، فكان أنْ أَنِسَ فتآلفَ ورَضيَ واستقرَ وأقامَ على سلالم البناية وطرقاتها إقامةً شبه دائمة.
على سهوٍ تسلَّل عنبر إلى داخل الشقة ذات ظهيرة، وسرعان ما تخلَّص من فضلاته على أرضيّة طُرقة المطبخ ثم خرج من دون أنْ يُرى. كان الباب الخارجي مفتوحاً في أثناء تنظيف ذلك، فدخلَ وتفقَّد ما يجري بإنكارٍ وقلق، ثم تبوَّل بالقرب من الموضع الذي لم يكد يتنظّف، فغضبتُ منه وحاولت إخراجه من الشقة تهويشاً بالعصا ثم بدفعه ثم برشِّ رذاذ ماءٍ عليه، دون جدوى، إلى أن اضطررت إلى ضرْبه ضربات خفيفة ظلَّ يظنها لعباً في البداية وراح يتخطَّف العصا ويتمايل ويتقافز، لكنه حين اشتد الضرب قليلاً شعر أن المقصود هو الضرب لا اللعب فانصاعَ وتوقّف عن لهوِهِ وخرج خروجاً بطيئاً ساخطاً متغطرساً وهو يموء مواءً محسوراً مفجوعاً، وبدا لي مستنكراً لإزالةِ أثرِه ومصدوماً لضربِه وطرده إلى أنْ خرجَ بثبات ونزل السلم واختفى. لم أكن أدري، ساعتها، أن كل قط يتعمَّد ترْكَ رائحتِه الخاصة مع فضلاته، التي يدأب على تغطيتها بالتراب، باعتبارها بُرهان سلطته على هذه البقعة أو تلك من المكان ومُستنَد حيازتِه لها.
بعد دقائق عادَ وقبعَ أمام الباب الخارجي، ولم يرني وأنا أراقبه من شُرَّاعة الباب المفتوحة قليلأ حتى التقت عيناه بعيني. المعنى الذي رأيتُ عينيْه تقولانه هو الأمر الغريب؛ ذلك أنّ نظراتِه كانت تحمل مزيجاً من إحساسيْن؛ ففيها بدا لي أني لمحتُ أسفَه عمّا يكون قد أساءني منه وكذلك أساه وحسرتَه مني لأنني غضبتُ عليه وعنَّفتُه وزجرتُه وضربتُه وطردتُه. ظل ينظر إليَّ بهذه النظرة حتى أغلقتُ نافذة الباب الصغيرة تلك، وحين عدتُّ لاحقاً وفتحتها استشعرتُ تعاستَه إذْ وجدته نائماً متكوِّراً على نفسه، هو الذي اعتاد أن ينام على ظهره مفروداً ومسترخياً أو في أوضاع غريبة أخرى تشي بأنه آمنٌ ومبسوطٌ بل مُتباهٍ ومُتدلِّل. اقتربتُ منه مُصالِحاً ومسحت على رأسه وعنقه وظهره، فكان أنْ عاد إلى الابتهاج والمواء الناعم والتمطِّي والتثاؤب والتمسُّح والاستلقاء على ظهره وجسده مفرود على الأرض أو فوق كومة الصحف بالقرب مني، بالساعات، بينما أنا أكتبُ أو أفعلُ ما أشاء، وكنتُ في مرآي لانبساطِه التام النقيّ البريء أرى بعيني أن القططَ هي كائناتٌ بلا ضغينة وبلا مماطلات ولا تسويات، حذِرة مع الأغراب عنها، تتأنّى أحياناً في منْحِ ثقتِها وحُبها، ثم إنها لا تتراجع بعد ذلك عن حُبِّ مَن أحبَّته مهما يكن، ولا تتوانى عن إظهار الولاء والتودد وإنْ تعدَّى عليها مَن تثق فيه، حتى لو آذاها، فإنها لا تتولّى عن تلك الثقة، إنما تظل على حُسن ظنها بأن هذا التعدّي ليس إلا من ضروب اللعب. حين نردد أمثولة «القط يحب خنَّاقَه» فإننا نُقِرُّ بضحالةِ فهْمِنا لهذه الكائنات القويمة التي هي بلا مَكْرٍ ولا احتيالاتٍ مع مَن تألفه، والتي تنسى ثأرَها وتتخلّى عن حذرِها مع مَن تحبه فتخلو له ولا تتوجّس منه ولا يخطر لها أنه يقصد بها أيَّ شر.
*
اختفى عنبر. اختفى أو ضاع، أو هو مسجونٌ في مكان ما، أو مات.
قبل حوالي سنتين ونصف من واقعة اختفائه؛ كان عنبر قد جاء من الشارع قطاً فتيَّاً بشخصية جذّابة، له عبوسٌ رزين ومَرحٌ ظريف، وفي أيامٍ قليلة أَلِفَ الحياةَ بالقُرب من عَيْشنا، وداومَ على المجيء للأكل والشرب واللعب. بعد ذلك بحوالي ستة أشهر، وكنا في شهر نوفمبر أو ديسمبر، طلبتُ من إدريس، الذي كان طفلاً في الثامنة، أن يختار، عشوائياً، يوماً نعتبره يومَ ميلاد عنبر فنحتفل به معه بتقديم بعض الأطعمة اللذيذة له وهدايا مرتبطة بالطعام واللعب، وتحمَّس إدريس فأحضرَ قلماً وقصاصات، واختلى بعنبر، وقرفصَ، وأمعنَ كأنه يتذكّر، وحَسَبَ، ودوَّنَ، ثم أعلن اختيارَه يوم 20 أكتوبر يوماً لميلاد عنبر؛ وبذلك بات من سوء حظ عنبر أن ذكرى ميلاده قد مرت منذ فترة قصيرة، وأن عليه الانتظار لحوالي عشر شهور حتى يحلَّ عيد ميلاده من جديد. وبالفعل؛ في 20 أكتوبر التالي احتفلنا مع عنبر بعيد ميلاده فأكل ما اشتهى من سردين الماكريل وأطعمة أخرى، واشترى له إدريس وعاءً فخارياً جميلاً ليشرب الماء فيه. أثناء النهارات أَحبَّ عنبرُ دوماً الإغفاءَ فوق كومة من الجرائد بالقرب من الطاولة التي أكتب عليها وأصفف فوقها كتبي وأوراقي وجهاز الراديو والمسجل الصوتي، وكنتُ ألحظُ أنه كان يهُمُّ برأسه بعد نوم طويل ثم يقفز فجأة ناحية الباب ويموء طالباً أن أفتح له لكي يخرج، ثم كان دائماً يعود ثانيةً بعد عدة دقائق برفقة ليلى وإدريس، وكان واضحاً بالطبع أنه يشعر بقدومهما بينما هما لا يزالان على مسافة أمتار من مدخل البناية وعلى بُعد خمسة طوابق من كومة الجرائد التي يغفو فوقها.
خلال السنتين ونصف اختفى عنبر ثلاث أو أربع مرات لفتراتٍ تراوحت بين الأسبوع والأسبوعين، مخلفاً وراءه شجناً وقلقا. وفي تعليل اختفاءاته كان فضولُه هو الذي يُرجَّح، على الأغلب، إذْ تسوقه استطلاعاتُه فيدخل خلسةً شقةً ما من شقق العمارة، الكثيرة، التي يعرفها جيداً، والتي تُستعمل كمخازن للبضائع، من دون أن ينتبه أحد، أو يكترث، إلى دخوله، وفي آخر الأمر يُغلَق المخزن الذي دخله عنبر ويغيب عنه مستعملوه طيلة تلك الفترات التي يعيشها القط رهن الحبْس والجوع والعطش. ولقد نجا في جميع المرات، وإنْ كان يعود هزيلاً أو مفرط الهزال مهزوزاً بعد الغيبات الأطول.
في مساء أول سبتمبر التالي، كان عنبر نائماً كعادته على سور البلكونة الجداري العريض في شقتي بالدور الخامس، حيث استمرأَ أن يثِب عليه ويتمشّى ويروح ويجيء وينام، لكنه في هذه المرة كان قد تزحزح قليلاً عن موضع نومه المعتاد؛ فلم ينم بالضبط على رقعة الزاوية المتسعة من السور، بل نام في مكان عادي، أضيق، بطبيعة الحال. جاءتني مكالمة تليفونية فبادرتُ بالخروج إلى تلك البلكونة التماساً لمزيد من كفاءة الخدمة التليفونية، ورأيت عنبر يصحو وقد بوغِتَ واضطربَ من جرّاء صخبي وأنا أدخل البلكونة، ثم انتصبَ وسارَ خطوة أو اثنتين، وفي لحظةٍ فقدَ توازنَه واختل وسقط من سور البلكونة إلى أرض الشارع، ولقد حاول التشبُّثَ بالسور الذي لا تزال محفورةً عليه علامةٌ غائرة بإظفرٍ واحد من إحدى يديْ قطٍ منكوب. كنتُ قد أنهيت المكالمة فوراً وأنا لا أصدِّق ما أراه، وما زلتُ لا أصدق؛ لأنه كان عادةً يقوم بحركات تهوي بالقلب وهو يتحرك باستهانة على السور، ويعبُر من شقة إلى شقة بمخاطراتٍ لا تُعقل. تابعته في سقوطه كأني أسقط معه، ورأيته على أرض الشارع الـمُضاءة وهو ينهض واقفاً بعد أن تدحرج مرتين، ثم عَبَرَ الشارعَ الذي كان خالياً من السيارات والمارة في تلك اللحظات، ودخل حارةً ضيقة شبه مظلمة بجوارها قطعة أرض صغيرة خالية غير مرئية لي من حيث كنتُ. واستغربتُ من كوْنه قد تعرَّف على إحداثيات موضعِه وعلى جغرافية الشارع فور سقوطه إذْ انزلق سلِساً إلى الحارة الضيقة وكأنه كان قد نزل طوعاً على السلالم! في الحال نزلت ليلى لإحضاره، فلم تعثر عليه، وكنتُ أتابع من البلكونة، وبعد وقت قصير نزلت ليلى مرة أخرى ولم تجده أيضاً، فرجحَ الظنُّ بأن عنبر لا بد قد ساوره الشعورُ بالموت بعد هذه السقطة المريعة، وأنه قد توارى ليختلي بنفسه ويموت مستتراً عن النظر.
لم يظهر عنبر طيلة اليوم التالي فكان فقيداً مسكيناً ترثيه خواطرُنا التي وَقَرَ بها أنه قد مات، غير أنه عاد في اليوم الثالث سليماً إلا من جروحٍ طفيفة وتسلخاتٍ بسيطة في وجهه، وإلا من كوْنِه قد بدا تعيساً مهزوزاً تائها. كان ظهوره فرحة حقيقية فاحتفلنا به وأطعمناه ودلَّلناه، واعتبرنا أولَ سبتمبر يومَ ميلادٍ ثانٍ له.
ظل عنبر لعدة أيام لا يدخل البلكونة، وقد كانت مكانه المفضل، ثم صار يدخلها لماماً ويسارع بالخروج منها، ثم صار يدخلها ويقفز ويعتلي السور ويتمشى عليه مثلما كانت عاداته، غير أني لم أره نائماً عليه مرةً أخرى.
وفي يوم 20 أكتوبر التالي حلَّ مُجدداً عيدُ ميلاده، بحسب التقويم القديم، وحظي ببعض السردين الذي عشقه، وصنعنا له قُبعة من الورق لاح بها ظريفاً مضحكا. وبعد يومين اثنين من ذلك العيد اختفى عنبر نهائياً، ولم يعد حتى هذه اللحظة، ولن يعود أبداً هذا الذي كان له وجودٌ مؤنس محبوب حلو، وكان كائناً بلا شكاوى وبلا مطالب سوى بعض البقايا من الطعام المناسب وبعض الماء، ومن ثم يكتفي ولا يبدي سوى سعادته واطمئنانه وإيناسه وامتنانه. ولا يمكن رؤية أو تذكُّر سور البلكونة ذاك من دون حضور ذكراه، ولسنواتٍ عديدة ظلت آثار إظفره المتشبث باقيةً على الجانب الخارجي للسور، حتى لاحظتُ خفوتَها مؤخراً مع تتالي السنين.
*
في أنحاء هذه البناية وُلِدَ العشرات من القطيطات خلال السنين الماضية، وعلى سلالمها وفي طُرقاتها عاشت، واعتادت جميعُها القدومَ إلى جانب باب الشقة لشُرب الماء دائماً أو لتناول لُقمة كلّما تيسّر ذلك، وقد تجنّبتُ اقتناء القطط أو العصافير أو أي كائن حي آخر داخل البيت إذ ليس بمقدوري ضمان الإيفاء بمتطلباتها على الدوام، وبالأساس لستُ أريدُ أن أعطِّل فيها حواسَّها وغرائزَها بحبسِها وإعفائها بل حرمانها من حياتها الطبيعية.
تُرى أين انزوى عنبر! لعله لم ينزوِ، وإنّما، لشعوره بأن حياته تهالكت، دَرَجَ إلى ملتقى تي إس إليوت الكونيّ السنويّ للقطط، وهنالك صادفَ الحظَّ الحسن إذْ اُختير فصعدَ إلى جنة القطط ونالَ حياةً جديدة عاد بها.
*الجسرة


