المجلة الثقافية الجزائرية

العقل الأعرابي والعقل العربي.

بقلم محمد بصري*

يقول هابرماس” سنشاهد بدون شك ،في يوم من الأيام، الانجاز الفلسفي العظيم في زمننا هذا، وذلك بإعطاء البديل للوعي كنموذج، وسيكون هذا الانجاز مشابها للانفصال الذي مثلته فلسفة كانط المتعالية” [1]

قدم الجابري رحمة الله عليه مشروعا متكاملا منظما، له نسقه المغاربي العربي عن تكوين العقل العربي، هذا العقل الذي فرَّ بجلده من المشرق إلى الأندلس هو الذي يستمد قواه الفلسفية من الرشدية ..تفكيكية الجابري طالت أنظمة العقل العربي ومشاربه وأنسجته. نعم للعقل أنسجة كالحياة العضوية وبَـــــــيّن لنا أنه عقل تتنازعه غواية الشعر فالشعراء يتبعهم الغاوون وأنه عقل عرفاني إشراقي التوجه مُسْتَلب القوى تحت طائلة المقولات الآرامية والسريانية والعبرانية والإخمينية والغنوصية والزاردشتية التي استمد منها أصوله ومبادئه العتيقة .

تنبه قبله كانط عمانويل صانع أنوار العقل التنويري الغربي ووريث السّر الديكارتي صاحب أعتى كوجيتو مُؤسِس للحداثة ولما بعد الحداثة .كانط فَطَن قبليا لنظام العقل وهو يقرأ انتشاره في الكون لذا لم تنفصل فكرته وبحثه الفلسفي و عقله عن التصور الكسموبوليتيقي أو الكوني .فكرة الكوسموس تبلورت بشكل عميق مع فكر الهولندي اليهودي باروخ إسبينوزا وأثرت على توجهات الفلسفة المعاصرة. يبرهن كانط على حضور العقل المحض الخالص كونه كشْفٌ داخل الزمان اللامتناهي. وكانط يفتش عن هذه الفرضية كما يفيد كارل بوبر اكتشف أن الزمان الفارغ هو فضاء ممتد لا بداية ولانهاية اتفقت أدبيات معينة على تسميته بالعدم فهو غير قابل للقياس بالمعنى الدقيق لأنه منسجم مع بنياته متشابك مع امتداده ونهايات أفقه غير المعلومة خارج نظام الأشياء. الزمن كما هو المكان يخرجان عن الفهم التجريبي عندما نُخَلِّصهما من التشيؤ أي حين ندفع العقل إلى أقصى طاقاته التجريدية كي يفصلهما عن الظواهر والحوادث والوقائع أي أن يعطيهما مكانهما المثالي داخل المجرد بنزعهما انتزاعا من المُشخص.

كانط كما يشير كارل بوبر أيضاً في تفكيكه النزعة العقلية الترونستوندالية والمثالية والعقلانية دفعته للاعتراف بالتجربانية وبحدود دافيد هيوم. كانط كان إقليديا يؤمن بالبداهة العقلية ويعترف أن الإغريقي الرياضي إقليديس أسس نظريته حول المكان من فكرة الفراغ لكل بحدوس تجريبية وواقعية . أي أن الفضاء هو أصل نظرية الموازيات والمثلثات والمستوي. فالعقل لا يسبح خارج التجربة بل يستمد صورا من التمثلات الحدسانية المادية وهي وقود تفكيره. إقليدس لم يكن إلا مبدعا وملهما مكتشفا حَوَّل حدوسه العقلية إلى نظريات عقلية رياضية وهندسية وتجرأ على الطبيعة باستبدالها بالرموز والفراغات.”إنما نحن من يُنتج النظام الذي نجده في الكون أو جزء منه على الأقل إنما نحن من يخلق معرفتنا عنه .إننا مكتشفون والاكتشاف فن ابداعي[1].

أزمة العقل العربي أنه لم يستقل بذاته بل استقال منذ زمن بعيد عن وظائفه الأصيلة والمركزية . مشكلته البنيوية أنه لا يملك حضوره الميتافيزيقي أي لا يعرف متى يقرر وكيف فهو يُصدر أحكاما لأن ميلاده الكوني كان ناقصا فهو لا يملك حريته ولا يصدر قرارات إلا تحت إرثه العرفي والقيمي والأخلاقي والقبلي والسوسيوثقافي فهو أقرب للضمير الأخلاقي والوازع الديني منه للملكة فقد تبرأ من وظائفه الذهنية وأضحى مكبلا بقيم دينية واجتماعية وقداسية.

.العقل الذي تقَّصَده الجابري لا يستجيب للحداثة والحضارة و بمفهومها الآني واللحظي . تجده أنه رافض للحوار والقياس في أفقه السياسي اللهم إلا في فضاءات الفقه والمعارف الشرعية وهو قياس يستمد حضوره من الإغريق الذين شرعوا للبرهان العقلي بأقيسته الشرطية و الحملية . لقد تبخر وتحلل العقل العربي كما تصوره وتمثله المفكرون العرب واندثر بفعل فاعل ففاجعته القصوى أنه أُستبدل بشروط غير شروطه الحضارية الأولى وبمبادئ غير مبادئ ارسطو السرمدية لقد تم اغتياله من طرف العقل الربيب والبديل وهو العقل البدوي المُشبَّع بالقبيلة والعشيرة والجماعة والقطيع هذا الأخير كالسوسة أو الأفعى الرقطاء الأسيوية التي تتقن الهجوم والقتل وترفض التريث، العقل البديل والمستقيل يضيق درعا بالحوار والجدال الحميد وفن التثاقف فهو مقيت لا يؤمن إلا بالسكونية والوثوقية المطلقة رافض لآليات التجدد والتجديد يعتقد أن كل خطاب تنويري ضده والقمع الفكري بالنسبة له ركن من الأركان الحصينة في تكوينيه . لذا نجد أن الدكتاتوريات السياسية وغير السياسية تجد مرتعا في الفضاء العربي لأنها تستمد مشروعيتها الاجتماعية من وجوده . الماضي بالنسبة له هو الحاضر والمستقبل يعيش الآخرة اليومية .يتقن فن الانتظار لأنه فاقد للتفكير في الراهن. مؤمن بالحلول السحرية والقدرية (الغرب المسيحي يبحث عن حلول للمرض الفيروسي والبقية تنتظر المطر والشفاء من السحر والشعودة والأسطورة ).كل نقد وشك يحيله إلى تصور ذاتي في الأسس .فن النقد بالنسبة له فجور ورفث ورذيلة لأنه يستمد قواه من وهم قيمي أخلاقي بالتعالي.عندما يتحرر هذا العقل من أوهامه التاريخية وأحكامه الاخلاقية ويقبل النقد الذاتي لأسسه يمكنه أن يركب القاطرة الحضارية التي تتجاوزه بسنوات ضوئية طويلة.

صري محمد الجزائر

هوامــــــش

1- دفتحي التريكي معقولية التنوع دفاتر ص09 عدد 02 خريف 1985

2- كارل بوبر كارل بوبر بحثا عن عالم أفضل ترجمة أحمد مستجير جمعية الرعاية المتكاملة القراءة للجميع ص166

*باحث جزائري