المجلة الثقافية الجزائرية

ترانيم الروح

عبدالعزيز الظاهري‬‎ 
 
دخلت القرية خلسة منتصف الليل، هاربًا من المدينة، لأنعم بالهدوء، ومع طلوع الشمس بدأ الإزعاج، لقد علم أهل القرية بوصولي، أخبرتهم سيارتي اللعينة، وبدأ الباب الخشبي العتيق يئن ويرتعش من طرق الكفوف التي خلقت لتكون مبسوطة، كان صوت ندائهم كأنه مطارق تهوي على رأسي، وأنا محجوز داخل غرفة الطين، كي لا يراني أحد من متسلقي النخيل، فالفصل شتاء، وهو الوقت المناسب لتلقيح النخيل، ظللت متخفيًا صامدًا لا أجيب على أحد منهم، خوفًا من هذه الجملة: “الله يحييك على القهوة وعلوم الرجال”.
فجأة سمعت صوتًا لا أنكره، يجفل منه الطير والحيوان، إنه (سعيدان ) الذي يخافه الإنس والجان.
تأكدت إن لم أجب سوف يسوقه فضوله، ويتسلق الحائط، والعذر موجود (خفنا إنه أصابك مكروه).
وما إن فتحت الباب ساقني من يدي إلى منزله، وأجلسني وصرخ في أهل بيته القهوة، اذبح يا ولد.
غاب لدقائق ثم عاد حاملًا معه ورقة، وضعها بين يدي، وقال: اقرأ، وأسمعني.
فاستجبت له وبدأت أقرأ:
لطمتني بيدٍ من حرير، وقالت: أين كنت أيها الحبيب؟
أين جنتك، أخبرني؟
أين عالمك، حدثني؟
أهو هناك عند المغيب؟!
أم خلف الأفق عالمك العجيب؟!
أو فوق رؤوس الجبال منتصب؟
أو أنه على الصخور الصماء منسكب؟
فجأة تاهت نظراتها.
ثم عادت إلي تتهادى وتحدق بفضول، وتسأل: من أنت؟
عرفت عندها أن هنالك شيئًا في عيني يناديها.
فقلت بكل ثقة:
أنسيتني؟!!
أنا الحبيب العجيب الغريب.
وما إن انتهيت، نظر إلي بعينيه المرعبتين وقال: ها ما رأيك فيما كتبت؟ فأنت منهم بياع كلام.
فسألته لأعطي نفسي فرصة لأختار بعناية الكلمات التي ترضيه:
منذ متى وأنت تكتب؟
قال: أكتب!، ها.. لا، هذه أول محاولة، أعجبتك؟
فقلت له: نعم.
صمَت برهة، ثم قال: بنت أختي الدكتورة أهدت إحدى بناتي كتابًا قامت بتأليفه كله خيطي بيطي، ماني عارف له رأس من رجلين، الغريب أنه أعجبني وكتبت مثله.
ولكن تقول أعجبك! إيش فهمت منه؟
عندها علمت أنني في ورطة، ولا بد لي من كلام فلسفي لخداعه، فقلت:
إن ما كتبت هو فن نسميه: (صول سونغز)؛ وهو يعني بالعربي ترانيم الروح،
إنها مثل الحمم تخرج من أعماق النفس البشرية، تطرب الأذان، تفهمها أرواحنا، وتتواصل معها، لكن من الصعب التعبير عنها، فهي ليس لديها لغة البشر.
عندها نظر إلي وقال: تشتريها؟
ها..
وش فيك فتحت فمك!! أقولك: تشتريها؟
يا شيخ خذها ببلاش.
وقام من مكانه متثاقلا وقال: خليني أروح أجيب القهوة، وهو يردد ساخرًا: تكذبون وتصدقون أنفسكم.
يقول لك: “أعماق، صول، مول! 
ضللت في مكاني ضائق الصدر ذليلا وانا اشعر انني في حاجة ماسة لضحك او الصراخ!”.