المجلة الثقافية الجزائرية

الشاعر هلال العامري والقصيدة

د. محمد حسين السماعنة. الأردن

 

 

احتفلت المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) في الدورة السابعة لليوم العربي للشعر بهلال بن محمد العامري ابن ولاية سمائل العُمانية، ولم يأتِ احتفال (الألكسو) بهلال العامري من فراغ، وإنما جاء نتاج جهد مثمر وعطاء مميز نقشه الشاعر في لوحة المبدعين العرب على مدى سنين طويلة لم تفتر فيها عزيمته، وسعى فيها من غير انقطاع وبجد وعزم نحو الشعرية الأكمل والأجمل والأفضل في عمان، ووضع فيها لبنات خمسة عشر ملتقى أدبيا عمانيا لبنة لبنة، طامحا أن يصل بالأدب العماني إلى القمة، فهو كان يرى أن القمة لن تاتي فكلّما بلغ الشاعر قمّة يشعر أنّه وصل إلى ميناء سيبحر منه إلى ميناء آخر(1).

وكتب عن هلال العامري مجموعة من الكتاب والنقاد منهم: محسن أحمد الكندي في دراسته” الشعر المعاصر في سلطنة عمان”، وسعيدة خاطر في دراستيها “تحولات الخطاب الشعري”، وتقنيات ” تيار الوعي في خطاب هلال العامري” وعبد الرزاق الربيعي في دراسته” سيميائية العنوان في شعر هلال العامري”، وصبري مسلم حمادي في دراسته” تقنيات المغايرة في شعر هلال العامري”، وخالد فهد مياس في دراسته” دلالات التكرار والنداء والحوار في ديوان “الكتابة على جدار الصمت” للشاعر العماني هلال العامري”، وكتب عنه أحمد درويش، وناصر الدين الفارسي، وكمال أبو شلة، وأحمد مشعل …

وحملت دواوين هلال العامري التي جمعت في كتاب” الأعمال الكاملة للشاعر هلال العامري” الإبداع بلونه ورائحته وطعمه، وحملت نظرة الشاعر المتطورة الحرة للقصيدة وللحياة والإنسان، فغمر ماء الشعر قصائده التي انتقى عنواناتها من نظرة شاملة للقصيدة وبشاعرية مرهفة وجمالية ملحوظة، وإبداع فني زاخر بالإيحاء، فمثّل كل عنوان يبنيه لوحة فنية موحية فيها شعرية وخيال وصورة وفكرة كما في (هودج الغربة)، و(قطرة في زمن العطش)، و(الكتابة على جدار الصمت)، و(الألق الوافد)، و(رياح للمسافر بعد القصيدة)، و(للشمس أسبابها كي تغيب)، ومجموعته النثرية (استراحة في زمن القلق).

وقد أثرت بيئة سمائل في الشاعر، وفي قصائده الندية العابقة بالموسيقى الرقيقة والصور الأنيقة، وفي عنوانات دواوينه ما يشهد على الأثر العميق لهذه البيئة فيها؛ فأثر القرية والطبيعة الساحرة واضح في رهافة حسه الشعري، ورقة لغته، ودقة اختياره للألفاظ، وجمال بنائه للصور، فسمائل شكلت لهلال العامري مرجعية يكنُّ لها الشوق كله.

 وكما كان لبيئة سمائل أثرها في تشكل شاعرية هلال العامري، ولبيئة الجامع فيها أثرها الواضح في كتابته للقصيدة التقليدية كان لشخصيته الشعرية الطموحة الذواقة الباحثة عن بصمتها الشعرية الخاصة، وعما يناسبها من أوعية فنية لتخرج فيها، أثر كبير في تدرجه بين القصيدة التقليدية التي كانت نتاج تأثره ببيئة الجامع حيث درس النحو والفقه وعلوم الشريعة، حتى وصوله إلى قصيدة النثر التي جاءت نتاج اطلاعه على كثير من دواوين الشعر العربي المعاصر(2).

وبدأ هلال العامري كتابة الشعر على الطريقة التقليدية؛ فضمت دواوينه: هودج الغربة، قطرة في زمن العطش، الكتابة على جدار الصمت قصائد بسيطة وعفوية فيها خطابية ومباشرة، يرفعها الوزن والقافية والإيقاع، ثم كتب قصيدة التفعيلة، ثم كتب الشعر الحر، واقترب من جوهر الشعر في (استراحة في زمن القلق) بصور جديدة مدهشة وأخيلة غير مجترة.

ويرى هلال العامري أن أزمتنا الزمكانية تقبع في دواخلنا، وأننا مهما نحاول جاهدين إخراجَها فإنها تولج من أوسع أبواب إيقاعات العصر الذي نعيشه لتسبب لنا قلقا نبحث به عن محطة نستريح فيها (3).

وتدرجُ هلال العامري بين أنواع الشعر كان فنيا وأسلوبيا جريئا بلغ ذروته وأوجه حين تحول إلى قصيدة الومضة، أو اللقطة المبنية على أركان القصر والتكثيف والإيجاز. وتمرد على الشعر الرتيب، والبناء الشعري الجامد حين وعى الواقع الثقافي والأدبي، ونضجت تجربته فرأى الحاجة إلى التجديد والتطوير، فدعا إلى نسج قصائد تثير الدهشة والأسئلة، وتستفز القارئ، وتشركه في بنائها، وقد كان للسياب، ونازك الملائكة، ودرويش، وقباني، وسميح القاسم، أثر في تطور نظرته للقصيدة بناء وأسلوبا، فدعا بثقة إلى رؤية جديدة للشعر والشعرية في عُمان بعيدًا عن التقليدي والمعاد والشائع والجاف والجامد (4).

ويرى صبري حمادي أن الشاعر هلال العامري كان يسعى إلى بصمة خاصة لقصائده تنأى عن المألوف والسائد والمكرور عبر تقنيات مختلفة بدءًا بالعنوان ومرورا بالصورة الشعرية والمضامين، وزخم الرموز والإيحاءات، وانتهاء بالمعجم الشعري الخاص، وانتقاء المفردة التي تناسب سياق مضامينه سواء ذات الطابع المحلي أو الإنساني الشامل”(5).

ويعد محسن بن حمود الكندي تجربة هلال العامري في قصائده أولى علامات الانتقال الحقيقي من مراحل الشعر التقليدي الواقعي إلى مرحلة الشعر الجديد الذي جاء بعده، ويرى أن تجربة هلال العامري تمثل “تياراً ينتمي إلى بعد المشاكلة بين ما هو تقليدي وما هو حديث”(6).

ويعد محمود بن مبارك السليمي هلال العامري أحد أهم شعراء التجديد وأحد أعمدة الثقافة لما كان له من دور منذ أن تخرج من الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن استقر في سلطنة عمان، فهو قامة أدبية وشعرية وثقافية عمانية نهل من معين الأدب والتراث من سمائل على يد عدد كبير من الشعراء منهم موسى بن عيسى البكري وعلي بن منصور الشامسي وابوسرور قبل السبعينيات فهو من جلساء شعراء سمائل ورافق الجلسات الثقافية والفكرية مع الشاعر الشيخ عبد الله بن علي الخليلي ونهل من خلال هؤلاء الاعلام وتتلمذ على ايديهم ودرس منهم اللغة والنحو ومبادئ الفقه”(7).

وترى سعيدة خاطر أن العامري يقف في تجربته الشعرية على محطتين فارقتين، الأولى تتسم بطبيعة البدايات وما بها من عفوية وبساطة وضعف وهشاشة، تمثلت في دواوينه الأولى: هودج الغربة، وقطرة في زمن العطش، والكتابة على جدار الصمت، ثم مرحلة انتقالية بين هذه المرحلة وما يليها، تمثلت في كتابه “استراحة في زمن القلق”، الصادر عام 1989 م، والذي يبلور انعطافة شديدة في تجربة العامري، ويطرح نوعا من القطيعة مع مسيرة الشاعر السابقة، معلنا عن بدء جديد لمرحلة مختلفة تماما اقترب فيها العامري من جوهر الشعر بمقدار ابتعاده عن اجترار ما هو عادي ومألوف من الصور والأخيلة والرؤى(8).

ويبدو أن هلال العامري لم يتخلَ عن روح الشعر التقليدي في كتابته للقصيدة الجديدة فهو صاحب مشروع شعري وسطي حاول فيه أن يجمع بين روح القصيدة التقليدية بإيقاع عمودها الشعري وقالبها الموسيقي، بصرف النظر عن شكل الكتابة وطريقة النظم والروح الحداثية التي غزت الأدب العربي بصورها الشعرية المتمردة وبخروجها على الشكل التقليدي للقصيدة وعلى الوزن فهو شاعر ينطوي على قدر كبير من المشاعر الجياشة والروح المتمردة.

ونتيجة لنظرة هلال العامري الجديدة للقصيدة وللشعر والشعرية فإنه نظر للقصيدة كجسد واحد فأولى عناية خاصة لكل جزء فيها؛ فاختار عن وعي وقصدية عنوانات قصائده، وصاغها بلغة إيحائية رامزة، وقد أزعجه من لم يكتب بجمال العنوان الذي وضعه لنصه، لذلك حرص على اختيار عنوانات أعماله بدقة وعناية وذكاء لإيمانه بأن العنوان هو توقيع الشاعر لهذا النشيج، وسبب رئيس لشد القارئ إلى النص، وأن كل ما في دفتي الديوان يتمحور حول العنوان، وهي عنوانات كاشفة للواقع وتحولاته، ولما تموج به أعماق الشاعر النفسية فعنوان” هودج الغربة” يرمز إلى اغتراب الشاعر المكاني والذهني، لأن الهودج يرمز إلى الرحيل المرتبط بالوداع والفقد، ويبدو أن الاغتراب قد أثر في اختيار الشاعر لكثير من عنوانات دواوينه؛ إذ يكشف شعر ”العامري” عن قلق الاغتراب في المكان والفكر، فهو اختار عنوان ديوانه (الكتابة في زمن القلق) لأن الشعر فيه نابع من زمن القلق الذي أطر سنوات الكتابة تلك، والقلق ناتج عن شعورِ فقدٍ أتعب الفكر، ويقول عن عنوان ديوانه (الكتابة على جدار الصمت) إنه جاء بعد صمت عن الكتابة لظروف كثيرة، فهو اغتراب ذهني وفكري قاد الشاعر للتوقف خلف جدار الصمت الذي عزله عن الآخرين(9). وأما ديوانه (قطرة في زمن العطش) فيقول إنه جاء في وقت(نفسه) “كنا فيه متعطشين للتواصل مع الوطن العربي والخروج من حدودنا، فكتبنا التفعيلة لنتلمس طرقا، كنا متعطشين لكي نكتب، وكانت الكتابة بين شخص تقليدي يصف نخلة وبين آخر يكتب عن معاناة الأمة فكانت الكتابة (قطرة في زمن العطش(نفسه) فهو الجفاف المعبر عن معاناة النفس وغربتها زمانيا ومكانيا. وأما (للشمس أسبابها لكي تغيب) فقد اختار عنوانه لإيمانه بأن هناك كينونة من الخالق لغروب الشمس كي تأتي بيوم جديد. يقول: “كنا نبحث عن حرية جديدة وفكر جديد لنصل الى مبتغانا”.

وهلال العامري من الشعراء المعاصرين الذين جعلوا قضية المرأة وتحررها من قيود الظلم قضيتهم فانحازوا إليها، فهو يبجل الأنوثة، فالقصيدة عنده أنثى، والأنوثة عنده هي مصدر الحياة والتجدد والعطاء، إذ يرى هلال العامري أن المرأة ميزة من ميزات شعره كله، وأن معظم ما في حياتنا أنثى، ولا مفر منها؛ وأن الأنوثة حاضرة في كل ما حولنا للإنسان، وأن القصيدة إن أحسن صياغتها فهي أنثى، وهو يؤكد ضرورة البحث عن مفردات رقيقة لتشكل أنوثة النص، وهو يرى أن موسيقى القصيدة أنثى والكلمة المكونة للنص الشعري أنثى، وأن فكرة التي يتعب الشاعر في البحث عنها وايصالها للآخرين هي أنثى، وأن جمع كل شيء لتشكيل هذا النص يؤول للأنثى، وأن كلمة القصيدة أنثى، وفكرتها أنثى، فهو يتمثل المرأة كحبيبة لها تشكيلات ومعان مختلفة يجب أن يحترمها النص حين يكتب عنها، يقول: “فطالما الأنثى تشكل صياغة النص، لذا يجب أن يؤول النص الى تمجيد هذه الأنثى”(10).

وانعكس هذا الاهتمام والتقدير للأنثى على قصائده فتميزت نصوصه بوفرة من الألفاظ الغنائية والرومانسية، ورقة واضحة في موسيقها، وبصور شعرية هادئة أكسبتها أنوثة ورومانسية تخرج من بطن النصوص بألفاظ حذق في اختيارها ودق لتنقل الصورة لعين المتلقي برفق وجمال لتدخل إلى ذهنه بطريقة سلسة مغرية. (11)

والمرأة في قصيدة هلال العامري وسيلة لا غاية أو غرض، فهي لا تحمل سوى الملامح الأنثوية اللغوية، فلا وصف صريح للأنثى، لتبدو المرأة في قصائده إشارة أو رمزا، وإن وجدت فهي مجرد رسم لأن وصفها يتعارض الأمر مع العرف الاجتماعي، ووضعية العامري فيه، ومن ثم كان هذا الغموض وعدم الوضوح متعمدا وهو ما يسعى اليه الشاعر فنيا واجتماعيا (12).

وأما القصيدة لهلال العامري فهي لغة الحب والحياة، ويرفض مظاهر اليأس في وجه الحبيبة، ويؤكد حتمية الفرج، ويصر على انتظاره ويبشر به، فيطلب من حبيبته ألا تقنط من هواه فهو يحبها كأغنية على شفاه الصغار، ويحبها مثل الوجود، فهي عنده أيقونة تضم اختصار النساء والصباح الجميل والقصائد، فهي امرأة تتوحد بالقصيدة تجمعهما معا الأنوثة، فتصبح الأنثى القصيدة هي من يسكن كل دار، يقول في قصيدة “رياح للمسافر بعد القصيدة (13):

فما كنت يوما سألتك أن تقنطي من هواي/ ولا أن تعيشي مع اليأس والذكريات/ لأني أحبك أغنية في شفاه الصغار/ وإني أذكر أني عشقتك مثل الوجود/ وإنك كنت اختصار النساء/ وإنك كنت الصباح الجميل، الجميل/ وإنك كنت القصائد والشعر في كل دار.

وعلاقة الشاعر بالمرأة هي علاقة الإنسان بالحياة، فهي في قصائده فكرة أكثر منها جسدا، وأنوثة أكثر منها فتاة، وكأنه يستخدمها في قصائده كرمز متغير موحِ، ففي قصيدة “سيدة في الدائرة الشرقية” نجد صورة أنثوية لا تشير إلى جسد امرأة، فنحن نكاد لا نتبيّن حقيقتها بوصفها بشرًا فهي سيدة في الدائرة الشرقية، والرحالة أعياها كثرة الترحال نحوها، والشاعر يحلم بها كالاطفال، وكل ما يعرفه أنها تثير في روحه ألف سؤال، يقول (14):

والليل محال أن يغمرنا.. الليل محال/ وأنا أمتشق الرؤيا/ كالأطفال/ وطريقي لا أعرفها/ راحلتي أعياها الترحال/ لكنّي أسمع صوتا في الريح الرعناء/ يكتب في قلبي ألف سؤال/ يكتب موّال/ من سيّدة في الدائرة الشرقيّه“.

وبنى الشاعر هلال العامري قصائده ونسجها بإرادة حرة متجددة متمردة على الرتيب والجامد والجاف فاعتنى بالصورة الشعرية عن وعي بأهميتها ودورها يقول د. ضياء خضير عن الصورة الشعرية في قصائد هلال العامري:” تمزج بين المادي والمجرّد في إطارها الموحّد على نحو يصعب تحقيقه في غير الصورة الشعرية. أي أنها ليست مجموعة من صور فوتوغرافية مأخوذة بعين طائر يحلّق في أجواء زمنية بعيدة، وإنما هي أيضا صور ذهنية ترينا في اللوحة ما لا يرى على سطحها الظاهر”(15).

وتأنّى هلال العامري في اختيار موضوعاته وصوره على نحو نحس معه بواقعية مشاعره وخياله، واختار البحور الصافية لحمل مشاعره ومواقفه مثل: الكامل والمتقارب والمتدارك، أو مزج بينها أحيانا من غير أن يلتزم بعدد محدّد من التفعيلات. فبناء القصيدة لديه خضع لمقتضيات الفكرة والصورة مع تقشّف في اللغة، ودقّة في التناول في اختيار.

وسعي هلال العامري إلى القصيدة الجديدة المعاصرة كان بالقول والعمل، فهو في لقاءاته ومداخلاته الأدبية وتوجيهاته في النادي الأدبي والملتقى الأدبي الشبابي أكد ضررة الخروج من عباءة التقليدي والجامد إلى القصيدة الحية التي تعكس الحياة والواقع، وأكد دعوته هذه في شعره بالتحريض، وبكتابة قصائده بتكنيك جديد وصور معاصرة ولغة الحياة، وبأسلوب جديد متجدد فيه روح القصيدة التقليدية، وفيه تجريبية جادة واعية وسطية بيّنها تنظيرا في قصيدته”رياح للمسافر بعد القصيدة التي يستشعر فيها الخطر الذي يتهدد أمتنا، وهو فيها مؤمن بسلطة الشعر وأثره وقدرته على إحداث التغيير نحو الأفضل؛ فالشعرعنده نبض وليس تقليد، وهو نبض متمرد على الجاف، بل هو نبض التمرد وقمر العتمة الذي يضيء الدرب للمدلجين في هذه الحياة، فهو يطلب من الشعر باستخدام فعل الأمر تمثل” وبضمير المخاطب في جمل النداء الإنشائية التي حملت النص على بساط من الخطابية الشفيفة- يطلب منه أن يقف إلى جانب الحياة والتجدد والتطور، ويستحضر هلال العامري لذلك الصعاليك رمز التمرد على الواقع الظالم المفكك المشتت الذي عبر عنه بعصر الدويلات”.

وانتبهت سعيدة خاطر على تيار الوعي الذي قاد الألفاظ والصور في قصائد هلال العامري بسبب تماس الوضع الاجتماعي القائم على القبلية والمشيخة مع الشاعر الشيخ هلال العامري، فرأت أن التوتر الشعري ونضج التجربة، وازدياد الوعي أوجد تضادا حادًا داخل الشاعر بين متطلباته الاجتماعية المحافظة والمؤطرة بالنمطية والتقيد والالتزام، ومتطلبات فنه، وأن هذه الثنائية المتضادة المولِّدة للقلق والتوتر، هي التي قادت هلال العامري إلى اقتحام المرحلة الثانية، وإلى اختيار أسلوب يحقق له المحافظة على الإطار الاجتماعي دون الخدش بأصولياته، والوصول للحرية التي يتطلبها الفن، فلجأ إلى حيلة من حيل الفن وهي استخدام تيار الوعي، أو ما يعرف بالتدفق الحر، الذي يرتكز على استخدام اللاوعي باعتباره الخزان الرئيس ومصدر المعلومات المكبوتة سواء أكانت نفسية أو اجتماعية، متجها إلى إبراز تجربته الجوانية النفسية معبّراً عن كوامنه بتحرر وتدفق الانسياب المتواصل للأفكار والمشاعر داخل الذهن. ومتحررا من اللغة الاعتيادية الكاشفة المباشرة التي تعتمد تسجيل الواقع الخارجي الحسي ونقله، تلك اللغة التي تتعارض مع أسلوب تيار الوعي (16).

وفي قصيدة “وللشعر أهتف يا أيها الشعر” يؤكد هلال العامري قدرة الشعر على التغيير فهو في القصيدة يحاور الشعر كصديق، ويظهر ما فيه من قدرة على التمرد والتجاوز والانطلاق في صور شعرية متتابعة: صورة الشعر قلب ينبض تمردا، والشعر قمر يبدد العتمة، والشعر المصلح المنقذ الذي سيوقف بياض التشابه فينا، والشعر هو منتهى صوتنا، الذي سيوقف هذا التفكك والضعف الذي ينخرنا. وهو يستخدم في ترنمه ألفاظا بسيطة، وعبارات لا تتكئ كثيرا على غموض الصورة (17):

وللشعر أهتف يا أيها الشعر/ يا منتهى نبضات التمرد/ يا قمر العتمة الحالكة/ تمثل سويا وأوقف بياض التشابه فينا/ عيون القريض التي جوفتها السنون/ فعادت ترابا لأمتنا الهالكة/ وللشعر أهتف: يا أيها الشعر/ يا منتهى صوتنا/ تمثل وأوقف زمان التشابه منذ الصعاليك فينا/ وحتى عصور الدويلات والأمم البائدة”.

ويختم الشاعر قصيدته بدفقة شعرية فيها بيان شعري عالي الصوت، يبشر بالأجمل القادم الذي سيصوغه الشعر، وبالانتصار الذي سيحققه، والعبور المثمر إلى بر الأمان ويجتازه بأمتنا، فالشعر عنده عنصر فاعل في التغيير، وأداة فاعلة لتغيير الواقع، وهو ليس عبثيا وإنما هو جزء من معركتنا نحو تحقيق الذات، ويؤكد الشاعر دور الشعر المؤثر بتكرار الفعل المضارع، وبالحوار المتكئ على جملة النداء التعجبية الإنشائية، يقول (18):

لك الله يا أيها الشعر/ حين تصوغ برمزك أحلامنا/ وتعبر تعبر تعبر رغم الصعوبات/ كل الدروب التي أصبحت شائكة.

وفي قصيدته “رياح للمسافر بعد القصيدة” يعطي هلال العامري الشعر مهمة الحياة، وتحقيق التغيير، والوصول للفجر المنتظر، يقول (19):

إلي ببعض من الشعر كي أستفيق/أوزع خبزا وخمرا بهذي المدائن/ وأرسم فجرا بأرض المدائن/ وأركب أشرعة الانتشاء/ فوق ضفاف اليقين.

ويرى أن شعره محارب لأنه صادق، وتخرج فيه كلماته مغمسة بدم قلبه، وهو قوي وقادر على الصمود والتغيير والانتصار.

ويرسم هلال العامري صورة جسمية درامية للشعر فهو يكرر أنه حرف يتوجع، يغتال علانية، ولأنه نسيج عواطفه الصادقة فإن سطوره تعتاش من دم الشاعر، وتعيش في قلب الشاعر عذابا دمويا، ومع كل هذا العذاب والتعذيب والقهر والاغتيال فإن الشاعر يصر على أنه سيظل يغني للرعد الآتي (20):

حرفي يتوجع يتوجع يتوجع/ وسطور الشعر تعيش عذابا دمويا/ وأنا أقطف من قلبي كلماتي/ حرفي يغتال علانية حرفي يغتال/وأنا زلزال أعبر نهر الظلمات/ أتفجر في الأرض الحبلى/ وأغني للرعد الآتي.

وتكشف دفقة في القصيدة عن قلق الاغتراب في المكان والفكر عند هلال العامري، فهو يدعو فيها الى حرية الحرف والتعبير، ويفضح القهر والقيد بإعلان الصمت، وإعلان السبب الذي من أجله سيصمت في تحد واضح لقوى الشد العكسي التي تعيق التقدم والتطور والتغيير، التي تعي خطورة الكلمة فتثير الأسئلة حولها وتعذب بها، يقول في قصيدته” رياح للمسافر بعد القصيدة”(21):

إليّ ببعض من الصمت/ إن الكلام يثير السؤال وراء السؤال/ ويولج قائله في دهاليز قعر الزنازين/ يدخله في فيافي العذاب

ويؤمن الشاعر أن للقصيدة مهمة إحداث تغيير وأن للشعر وظيفته، وأنها بعيدة كل البعد عن العبثية، يقول في مقدمة ديوانه، رياح للمسافربعد القصيدة” (22): “جئت إليكم أبحث عن مساحة ناصعة البياض في سويداء القلوب.. أبحث عن شهوة الرياح في قمم النخيل السامقة فوجدت وردة حمراء في رياض القصائد.. قطرة نور في غبش يحاصره العسس.. جئت إليكم مبحرا بزورقي التائه في يمّ الكتابة علّنا نلتقي عند شاطئ البرهان لنشعل أفق الغد “وقد نلتقي وفي قطرة من دمي/ سأفرش كلّ الدواوين حين تجيء/ وألبس كلّ القصائد عطرا/وأرسم بالضوء شكل الحصار”.

والتكرار تيار دافئ من البوح يصف الشاعر به الواقع المر الذي نحياه، ويرسم به صورة قاتمة له، فهو، كما يراه، واقع مثقوب، مليء بالضياع والعجز والضعف والتخلف، وثقوب أخرى كثيرة؛ فالباب الذي ندخل منه إلى الحياة مثقوب ببداياته وعتباته، وشعرنا مثقوب، ودمنا مثقوب، وهي ثقوب علاها الغبار، كما علا القصائد، والنفوس الضائعة (23):

 وفي الباب بعض الثقوب/ ثقوب على حبرنا/ ثقوب على دمنا/ ثقوب على دمنا التصاعد للفاجعه../ قوب علاها الغبار/ غبار الحضاره/ غبار النظام الجديد/ غبار القصائد/ غبار النفوس التي أصبحت ضائعة”.

ويمتزج التصوير بالمشاعر في خلطة شعرية يقف فيها الشاعر مع لقطة في التلفزيون تصور طفلا من أطفال فلسطين في انتفاضة الحجارة، وهو طريح يغرق في دمائه، فيصور المشهد بحرف دامع يعتصر حزنا، وبصور تقطر أسى، فيجمع الندى والدماء، والموت والحياة فيغدو للسفح لهيب، والحزن أرجوحة ومع كل هذا الموت والدم والعذاب والحزن فإن البوصلة ظلت تشير إلى فلسطين بحثا عن الضوء والفجر والاستنارة (24):

سجي الطفل/ بين الندى والدماء/ فوق لهيب السفوح/ على قارعات المدى/ والحزن أرجوحة/ في مهب الحجارة/ والوقت مقصلة الليل/ خيل السحاب/ رسول العبارة/ والمد صمت الوثوب/ بحد الشراع المغلف بالريح/ بوصلة للدماء التي شكلت بحره/ كونت شرعة للجنون/ بحثا عن الضوء والفجر والاستنارة”.

وفي قصيدة “بين الجرح وذاكرة البحر” يؤكد هلال العامري بالصور الشعرية المعاصرة المتتابعة أن الشاعر يبحث عن السلام؛ فهو يأتي بالورد بعد الحجارة، والشعر يعانق صفو الحياة، ويسجد، والألم يبتهل، في دفقات ممزوجة بتقنية التدفق الحر السريع، ليوحي للقارئ أنه لن يتخلى عن رسالته كشاعر يرى أن الكتابة حق، وأنها تكون أفضل ما تكون وهي نهر يبعث الحياة بما فيه من ماء، وتتحرك في القصيدة روح شاعر متمرد يؤمن بأن ما يكتبه مداده الدماء، ويرافقه الألم. وتزدحم القصيدة بالأفعال مما يضفي عليها حركية واستمرارية وفعل يوافق ما فيها من سعي ومقاومة، وردات أفعال معارضة، يقول (25):

أتيتك بالورد بعد الحجاره/ وخلت الكتابة حق/ وخلت التفجر نهر/ وعانق شعريَ صفو العباره/ لكي يسجد الشعر عمدا/ وينزف بالجرح مد/ وتتسع الرؤية الفاصله/ وتأتي الأبابيل مخفورة بالألم/ وتأتي الحروف رصاص/ وتغدو الدماء مداد القلم/ وعند ابتهال الألم”.

لقد كان التكرار سمة أسلوبية حاضرة في أكثر قصائد الشاعر يستخدمه لتأكيد شعوره ولإعطاء القارئ مساحة من البوح ليشاركه فيه في حزنه، أو فرحه؛ ففي صورة المرأة التي تلملم أطراف غربتها بوقار وقت الوداع الأخير يكرر الشاعر لقد تدرج هلال العامري في كتابة الشعر عن قصدية ووعي لطبيعة الشعر وفهم عميق لدوره، وهو كتب القصيدة كما يؤمن بها.

الخاتمة

يمثل شعر هلال العامري نموذجا عاليا من تطور الشعرية لغة وأسلوبا في منطقة الخليج العربي، فهو شاعر عماني انتقل في بنائه للقصيدة من بناء فني إلى آخر بثقة وثبات نابعين من وعي بواقع الشعر العماني، واطلاع على نتاج الشعراء العرب المعاصرين.

وقد ارتبطت لغة هلال العامري بموقفه من الشعر، وبتطور نظرته له، وبموقفه من المرأة، فجاءت سهلة اختارها بذكاء ودقة لتعبّر بصدق عن نبضات قلبه؛ وجاءت في أكثر قصائده جديدة تقوم على الصورة والرمزوالدلالات الإيحائية، وتحطيم الزمان والمكان، وتهمل علامات الترقيم.

ووقف هلال العامري في الوسط بين ثنائية ضدية واضحة: سلطة الواقع الاجتماعي والقصيدة المعاصرة ومتطلباتها.

ووقف هلال العامري إلى جانب الأنوثة، وظل يردد مقولة أن القصيدة أنثى، فكانت المرأة في قصائده رمزا متحركا متغيرا، وانعكس ذلك على قصيدته بناء ومضمونا ولغة.

كان لبيئة سمائل أثر في شعرية هلال العامري؛ في لغتها وبنائها.

اتسمت شعرية هلال العامري بصفات أسلوبية كثيرة أنجحته، منها: التكرار، الاهتمام بالصورة الجديدة، الارتباط بالواقع. فقد كان التكرار سمة أسلوبية حاضرة في أكثر قصائد الشاعر يستخدمه لتأكيد شعوره ولإعطاء القارئ مساحة من البوح ليشاركه فيه في حزنه، أو فرحه.

الهامش

1- انظر: صحيفة عمان، هوامش ومتون: هلال العامري…سندباد الكلمات،21/مارش، 2021.

2- انظر: نزوى، 1/اكتوبر، 2021.

3- مجلة نزوى، تقنيات تيار الوعي في خطاب هلال العامري الشعري،4فبراير، 2019.

4- انظر: الكندي، محسن بن حمود، الشعر المعاصر في سلطنة عمان https://www.alnrjs.com/475720.htm، 29/12/2012.

5- مجلة حياتي اليوم، أمسية احتفائية بالعماني هلال العامري في يوم الشعر العالمي في النادي الثقافي، 25/مارس ،2023.

6- انظر: محسن بن حمود الكندي، الشعر المعاصر في سلطنة عمان، صفحات التمهيد https://www.alnrjs.com/475720.html، 29/12/2012.

7- صحيفة عمان، هلال العامري يترجل عن صهوتي الشعر والحياة بهدوئه المعهود، https://www.omandaily.om// 5/2/2022

8- انظر: نزوى، تقنيات تيار الوعي في خطاب هلال العامري الشعري،4فبراير، 2019.

9- انظر: الربيعي، عبد الرزاق، هلال العامري لا مفر من القصيدة أنثى، نزوى، 1أكتوبر.2009.

10- نزوى، العامري، هلال، لا مفر من القصيدة ألأنثى،1، أكتوبر،2009.

11- انظر: نزوى، هلال العامري، لا مفر من القصيدة ألأنثى، 1، أكتوبر،2009.

12- انظر، خاطر، سعيدة، نزوى، تقنيات تيار الوعي في خطاب هلال الغعامري، 4، فبراير، 2019.

13- العامري، هلال، ديوان رياح للمسافر بعد القصيدة، دار سعاد الصباح، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993.

14- العامري، هلال، رياح للمسافر بعد القصيدة، ص79.

15- “. مجلة حياتي اليوم، أمسية احتفائية بالعماني هلال العامري في يوم الشعر العالمي في النادي الثقافي، 25/مارس ،2023.

16- انظر: حياتي اليوم، أمسية احتفائية بالعماني هلال العامري في يوم الشعر العالمي في النادي الثقافي، 25/مارس ،2023.

17- انظر: هلال العامري، ديوان الألق الوافد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991 م، ص60.

18- عن حياتي اليوم، العدد السابق.

19- حياتي اليوم، المصدر نفسه.

20- كتابات، أمسية احتفائية بالعماني هلال العامري في يوم الشعر العالمي في النادي الثقافي، https://kitabat.com/cultural/ 27/3/2021.

21- العامري، هلال، رياح للمسافر بعد القصيدة، القاهرة، 1993، ص87.

22- صحيفة عمان، هوامش ومتون: هلال العامري…سندباد الكلمات، أعمدة، 21/مارش،2021.

23- هلال العامري، ديوان رياح للمسافر بعد القصيدة، دار سعاد الصباح، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993 م، ص35،37.

24- هلال العامري، ديوان الألق الوافد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991 م، قصيدة البسوس تخونها الذاكرة ص42.

25- مجلة الخليج، تجربة الشعر المعاصر في سلطنة عمان (https://www.alkhaleej.ae / 24/يوليو، 2010.