بقلم: د. عمرو منير محمد
كعادتنا نحن العرب لا نقرأ الحكايات إلا من سطرها الأخير فللأسف نحن مغرمون بالاستسهال وتفضيل عدم بذل الجهد للوصول إلى العمق والاكتفاء فقط بتطبيق انطبعاتنا الشخصية عن أية حكاية أو حدث لنطلق أحكاما جزافية وغير منطقية وننقاد خلف الإعلام العربي والغربي المغرض فقط بسبب كسلنا وعدم رغبتنا في الوصول إلى قلب الحدث ولب الحكاية …
قضية العلاقة المحتقنة دائما بين دولة الجزائر العربية الشقيقة والدولة الفرنسية ذات الماضي الاستعماري الطويل …
من تلك القضايا التي أجد أن ما تم ذكره سابقا من استسهال واستهتار في التناول العربي يمثل الجانب الغالب فنجد أن معظم العرب المتابعين لهذه العلاقة المحتقنة و ما يكتنفها من شد وجذب بشكل مستمر يوالون صف الجمهورية الفرنسية متأثرين بالهالة البراقة المحيطة بفرنسا والتي تتصدرها العاصمة باريس (عاصمة النور ) والتي تترك أثرا عميقا لدى العقلية الجمعية العربية بأنها دولة الحضارة والثقافة والمساواة بينما يحمل الكثيرون من العرب صورة نمطية عن الجزائر و شعبها لا تتعدى خلافات مشجعي مباريات كرة القدم حيث يتمتع الجمهور الجزائري كمثله من جماهير الساحرة المستديرة بحالة مفرطة من التعصب نحو منتخبهم الكروي والذي يظهر جليا في اشتباكات متفرقة مع جماهير الفرق الأخرى …
تقريبا لا يمر وقت طويل دون أن نرى نحن المتابعين أزمة جديدة بين الجزائر وفرنسا و يعقب تلك الأزمة تهديدات مباشرة ومبطنة من كلا الطرفين و قد تصل إلى سحب دبلوماسيين أو اتهامات متبادلة لافتعال المشاكل من لا شيء…
ما سبق..
هو ما يطفو دائما على سطح الأحداث لكن تلك ما هي إلا قمة جبل الجليد الغاطس معظمه في قلب محيط من تاريخ حافل بالعداء بين الدولتين بسبب احتلال فرنسا للجزائر لمدة تخطت القرن من الزمان و ما تخللها من أقصى درجات الإجرام الاستعماري الاستيطاني تجاه شعب الجزائر الأبي والذي رفض طوال تلك الفترة طمس هويته العربية الإسلامية و قاوم لكي لا يتم مسخه إلى جزائري فرنسي أو بالأصح مواطن فرنسي درجة ثانية للمواطن الفرنسي الأصلي فلولا مقاومة شعب الجزائر لتلك العملية الاستعمارية الثقافية المعقدة لمكثت الجزائر حتى وقتنا هذا ولاية فرنسية صرفة تخدم المواطن الفرنسي الأصلي و كانت ستصبح رافدا اقتصاديا لا أكثر لفرنسا الاستعمارية الغاصبة ….
هذا الاحتلال الفرنسي للجزائر لم يكن احتلالا نمطيا ولكنه تميز عن غيره من الأنماط الاستعمارية بحالة من القسوة المفرطة تجاه شعب الجزائر و التي تمثلت في العديد من الوقائع التاريخية الهامة و التي ستؤكد للقارئ أنه أمام نظام غربي لا يمت للحضارة الإنسانية و مبادئها التي نادت بها الثورة الفرنسية من مساواة و عدل و أخاء …
ومن هذه الوقائع التاريخية الأهم نذكر منها الآتي :
١ ) امتد الاحتلال الفرنسي للجزائر من عام ١٨٣٠ حتى عام ١٩٦٢ (حوالي ١٣٢ عاما ) ..و مارست فرنسا في تلك الفترة أقسى درجات القمع و الإجرام في حق الشعب الجزائري مما أدى إلى ثورات الجزائريين المستمرة على الاحتلال الفرنسي والتي انتهت بثورة التحرير الجزائرية والتي فقدت فيها الجزائر حوالي مليون ونصف شهيدا تقريبا ..
٢ ) فرضت فرنسا على الجزائر قانون “الأهالي” بدءا من عام ١٨٣٤ والذي كان يشمل اليهود والمسلمين ثم تم استثناء اليهود منه ليشمل فقط مسلمي الجزائر و تعامل مع الجزائريين بوصفهم غير مواطنين
و بمقتضى هذا القانون اكتسبت السلطة الإدارية اختصاصات وصلاحيات السلطة القضائية، وسقطت بذلك الضمانات الأساسية لحرية الأفراد بحجة المحافظة على السلطة وإقرار النظام و هذه الاختصاصات يمكن تلخيصها في أن سلطة الحاكم العام في توقيع العقوبات دون محاكمة من أجل المحافظة على الأمن العام و الأخذ بمبدأ المسؤولية الجماعية، فالفرد وحده لا يعنيهم إذا أرتكب جريمة أو حريق، بل كل سكان المكان مسؤولون و سلطة الإداريين ورؤساء البلديات، بحبس الأشخاص ومصادرة أملاكهم دون حكم قضائي.
هذا القانون سمح لفرنسا بالاستيلاء على أراضي العرب و منحها للمستعمرين الفرنسين بشكل أشبه بما يفعله الاحتلال الصهيوني حاليا في فلسطين التاريخية..
٣) قامت فرنسا بتنفيذ العديد والعديد من المذابح في حق الجزائريين و التي شملت جرائم إبادة جماعية و منها على سبيل المثال لا الحصر
– مجازر 08 مايو 1945 بمدينة سطيف وقالمة وخراطة خلال ثلاثة أيام قُتل حوالي 45 ألفا بحسب إحصاءات الذاكرة الوطنية الجزائرية برصاص الشرطة والجيش ومليشيات المستوطنين.
– ارتكب جيش الاحتلال الفرنسي العديد من الجرائم ضد المدنيين والتي سماها المؤرخون بالرازيا (بالفرنسية: Razzias) و كانت ممنهجة واعتبرت مصدرا لتموين الجيش فمثلا ذكر
العقيد الفرنسي فرانسوا لوسيان دي مونتانياك في مذكراته واصفا بعض أفعال الجيش الفرنسي في الجزائر عام 1845:
«لقد محا الجنرال لاموريسيير (La Moricière) من الوجود خمسة وعشرين قرية في خرجة واحدة، إنه عمل أكثر انعداما للإنسانية»
كما يذكر أيضا في نفس السياق
«إن الجنرال لاموريسيير يهاجم العرب ويأخذ منهم كل شيء: نساء وأطفالا ومواشيا. يخطف النساء، يحتفظ ببعضهن رهائن والبعض الآخر يستبدلهن بالخيول، والبقية تباع في المزاد كالحيوانات، أما الجميلات منهن فنصيب للضباط. »
٤ ) حارب الجزائريون مع الفرنسيين في الحربين العالميتين الأولى والثانية على كافة جبهات القتال وشملت الحرب العالمية الأولى ٢٦ الف قتيل جزائري و في الحرب العالمية الثانية ١٨ الف قتيل جزائري.
٥) تم تفقير وتهجير واحتكار الأراضي المملوكة للجزائريين و مُنحت للمستوطنين الفرنسيين و الأوربيين حتى وصل عدد الأوربيين في الجزائر إلى مليون مستوطن في نهاية القرن التاسع عشر ..
٦) قام الفرنسيون بمحاربة العقيدة الإسلامية وهدم المساجد وتحويلها إلى كنائس ( ومثال على ذلك تم قتل أربعة آلاف مسلم أعزل معتصم في مسجد كتشاوة قبل تحويله إلى كنيسة) و محاولة تنصير الجزائريين.
٧) تفكيك نظام القبيلة لتسهيل الاستيلاء على الأراضي
عن طريق استبدال ألقاب الجزائريين الثلاثية وتعويضها بألقاب لا ترتبط بالنسب عن طريق سن قانون الألقاب، وموجب هذا القانون تم تغيير أسماء وألقاب الجزائريين بصفة عشوائية بل عوّضت العديد منها بأسماء مشينة و مسيئة وبعضها نسبة لأعضاء الجسم والعاهات الجسدية، وألقابا أخرى نسبة للألوان و للفصول ولأدوات الفلاحة وللحشرات وللملابس وللحيوانات ولأدوات الطهي وكان الغرض من ذلك هدم معنويات الجزائريين.
٨) حظر استعمال اللغة العربية واعتبارها لغة أجنبية في الجزائر و منع تدريس تاريخ الجزائر و جغرافيتها.
٩) قيام فرنسا الاستعمارية خلال الفترة الأخيرة من احتلالها للجزائر بـ 57 تجربة نووية شملت 4 تفجيرات جوية في منطقة رقان، و13 تفجيرًا تحت الأرض في عين إيكر، بالإضافة إلى 35 تجربة إضافية في الحمودية، و5 تجارب على البلوتونيوم في منطقة عين إيكر الواقعة على بعد 30 كيلومترًا من الجبل، حيث أجريت التجارب تحت الأرض ووصل عدد الضحايا من الجزائريين إلى 30 ألف شخص على الأقل من الذين تعرَّضوا لأمراض ناجمة عن النشاط الإشعاعي.
١٠) قضية جماجم الجزائريين من القضايا الشائكة والتي توضح مدى إجرام المحتل الفرنسي حيث احتفظت فرنسا بجماجم قادة الثورات الجزائرية من بدايات الاحتلال الفرنسي للجزائر ومنها ستة وثلاثون قائدا من قادة المقاومة الجزائرية الذين قاوموا الاحتلال الفرنسي، أهمهم الشيخ بوزيان، وسى موسى الدرقاوي، وبوعمر بن قديدة، ومختار التيطراوي، وعيسى الحمادي، وشريف بوبغلة..
وقُتل هؤلاء القادة على يد القوات الفرنسية فى الجزائر وقطعت رؤوسهم فى أواسط القرن الـ 19، وحسب المؤرخ المختص فى التاريخ الاستعمارى باسكال بلاشا، فإن الجنود فى الجيش الفرنسى كانوا يقطعون الرؤوس ليبرهنون للمدنيين على مقتل قادتهم المدنيين و كدليل انتصار عندما تنقل إلى فرنسا كغنائم عسكرية.
انتهت الثورة الجزائرية والتي فقدت فيها الجزائر حوالي مليون ونصف شهيد بعد مفاوضات امتدت ما بين 7- 18 مارس 1962، توّجت بإعلان توقيع اتفاقيات ايفيان وإقرار وقف إطلاق النار، وإقرار مرحلة انتقالية وإجراء استفتاء تقرير المصير، كما تضمّنت اتفاقيات التعاون في المجالات الاقتصادية والثقافية سارية المفعول لمدة 20 سنة بعدها قام شارل ديغول إعلان استقلال الجزائر في 3 يوليو وأعلنت جبهة التحرير الاستقلال الرسمي للجزائر في 5 يوليو 1962.
ضمت اتفاقية ايفيان بنودا لضمان مصالح فرنسا الاقتصادية والتعاون في مجال استثمار الثروات الطبيعية، خصوصا استخراج النفط في المناطق الصحراوية، إضافة إلى تفضيل فرنسا عندما يتعلق الأمر بتقديم رخص للتنقيب عن النفط في مقابل تعهد باريس بتقديم مساعدات تقنية ومالية تسمح للجزائر بالنهوض باقتصادها.
مرت العلاقات الجزائرية الفرنسية بالعديد من المنعطفات والتي كانت دائما خلفيتها لا تخلو من مما سبق ذكره من تاريخ استعماري دموي ولكن مع ذلك استمر التعاون بين الطرفين حتى في أحلك أوقاتها تأكيدا لمقولة هواري بومدين الشهيرة
“قد تكون العلاقة بين فرنسا والجزائر جيدة أو سيئة، لكنها لا يمكن أن تكون تافهة بأي حال من الأحوال”
كانت نقاط الخلاف الرئيسية بين البلدين تتمحور حول مجموعة القضايا التي تظهر و تختفي كل فترة من الزمن لتكون بمثابة شرارة ليشتعل فتيل الاحتقان التاريخي
و من أهم تلك الموضوعات الخلافية
١ ) تأميم بومدين لشركات الطاقة والشركات الصناعية مع إدارة شركات البترول وخطوط النفط المملوكة لفرنسا ..
٢ ) الجزائريون المهاجرون إلى فرنسا أحد أهم أسباب التحريض المستمر خصوصا وان الرأي العام الفرنسي عمومًا سلبيًا تجاه المهاجرين العرب بعد عقود طويلة قضاها هؤلاء العرب خدمة للنشاط الاقتصادي الفرنسي و تم معاملتهم معاملة عنصرية و نُفذَّت ضدهم عمليات بحث عشوائية عن أوراق قانونية، وترحيل سريع دون استئناف في حال وجود مخالفات و لا تزال الجاليات الشمال أفريقية(وعلى رأسها الجزائريون ) في فرنسا معزولة نسبيًا، ولا تزال المشاكل المزمنة قائمة للجزائريين الذين يحاولون الحصول على سكن وتعليم ووظائف ويحدث سنويا عدد من الحوادث ذات الدوافع العنصرية بين المهاجرين الجزائريين و العرب وبين أهل البلد الأصليين.
٣ ) التدخل الفرنسي في الصحراء الغربية ضد جبهة البوليساريو وصولا إلى الاعتراف مؤخرا بالسيادة المغربية على الصحراء.
٤ ) توجه الدولة نحو تعريب الجزائر مع إلغاء الفرنسية كلغة وطنية ثانية والتركيز على مناهج تعليمية معربة خصوصا مع تزايد الاستقطاب في المجتمع بين النخبة الناطقة بالفرنسية والجماهير العربية … كل هذا هدفه دعم الهوية الثقافية العربية والإسلامية بدلًا من الثقافة الفرنسية للمستعمر السابق..
يمتد الحديث و يطول ..
عن تاريخ استعماري دموي لفرنسا في الجزائر و يوضح مدى الحساسية المفرطة والمفهومة من هذا السرد التاريخي الطويل و هنا لا يمكن أن نفهم أي رد فعل جزائري ضد موقف فرنسي ما حتى لو كان بسيطا إلا في ضوء تلك العلاقة الشائكة والتي لا تزال حاضرة في ذاكرة تلك الدولة العربية التي تحاول حتى الآن التخلص من خيوط الاستعمار الفرنسي المتشابكة والتي تمتد لألوان متعددة الدرجات من خيوط اقتصادية و ثقافية و اجتماعية تتخلص منها الدولة الجزائرية تباعا واحدا تلو الآخر..
لعلها تنسى هذا التاريخ الأسود من استعمار دولة نادت ثورتها بالحرية والإخاء والمساواة بينما في الواقع تعاملت مع البلدان التي احتلتها و امتصت ثرواتها بعكس تلك المبادئ تماما…
*طبيب وروائي وقاص و عضو اتحاد كتاب مصر





