المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

أقدم مخلوق على الأرض قراة تأويلية في رمزية الموت من الشعر الجاهلي إلى العامية المصرية. محمد على عزب نموذجا

د. أحمد كرماني عبد الحميد

   في ديوانه (قبضة ضغط الدم والعصافير اللي هناك) يطرح محمد علي عزب تجربة شعرية تعكس رؤية عميقة للحياة، مستخدمًا لغةً تمزج بين الفلسفي واليومي، بلغة شعرية تجمع بين البساطة ، والتكثيف الشعري والرمزي، من خلال إهداء وسبع وعشرين قصيدة ، وإن كان يعتمد على لغة يومية مألوفة إلا أنها تتغلغل في عمق التجربة الإنسانية، ما يمنحها تأثيرًا وجدانيًا وعقليا قويًا ، يعنى بالتجربة الإنسانية في عمقها ، فمن خلال الإهداء الذي يقول فيه :

للعصافير اللي هناك فوق الشجرة

على شط الحلم التاني تعزف وتغني

وتمد اللحن مراكب ..

للحمام الزاجل اللي بيحط على كفوف فاطمة

وبناتي التلاتة ريم ورنا وجنى

وجايب معه رسايل من بكره اللي بنتظره

لكل اللي واقفين في وش الريح ما ستسلموش

رغم الخريف والعطش ، صاندين زي الشجر اللي

بينتظر ميعاد الطرح المتأخر عنه

   نحن هنا أمام محاور دلالية ثلاثة يدور في فلكها الإهداء :

المستوى الدلالي الأول ( الحلم والطموح ) ويرمز له العصافير اللي فوق الشجرة.

المستوى الدلالي الثاني ( العائلة والمستقبل ) الحلم الزاجل والرسائل

لمستوى الثالث (التحدي والصبر) الصمود رغم الخريف والعطش

  تبدو لي هذه المستويات المترابطة دلاليا صورة متكاملة عن الحياة بوصفها مزيجا من الأحلام ، والعلاقات الإنسانية والتحديات المستمرة ، الإنسان في براءة العصفور يبدأ بالأحلام ثم يرتبط بعائلته وأحبابه ، والحمام رمز اتصال بما هو في المخزون الجمعي من حامل الرسائل ، ثم الحياة بصعوباتها وتحدياتها ممثلة في الخريف والعطش، هذه لغة شعرية تحمل كثافة الرمز الدال ، تتشابك الرموز الطبيعية مع الأبعاد الإنسانية لتجسد رؤية فلسفية للحياة .

  وفي قصيدته البديعة ” أقدم مخلوق على وجه الأرض” ، يقوم النص على زعزعة الفهم التقليدي للموت ، ويقدم قي صورة إنسانية وجمالية ، ذات بناء لغوي يعتمد التكرار وحشد التناقضات الدلالية ، والتحول من المجرد إلى الملموس ، وتتفجر طاقة النص الشعرية في آخر النص بتقديم مشهدية للموت لافتة . وسيقتصر مقالي هنا على قراءة هذه القصيدة البديعة .

الموت في المتخيل الشعري: بين الحقيقة والأسطورة

   الموتُ هو الحقيقةُ المطلقة التي لا مهربَ منها، وهو التجربةُ التي يشترك فيها جميع البشر، لكنه لم يكن يومًا مجرد نهايةٍ صامتةٍ في الشعر، بل ظلَّ فضاءً رحبًا للتأمل والتشكّل والتعبير عن هواجس الإنسان. لم ينظر إليه الشعراء نظرةً واحدةً، بل رأوه بطرقٍ مختلفة، فهو رمزٌ للفناء عند البعض، وطريقٌ للخلود عند آخرين، بينما جعله البعض اختبارًا للقيمة الحقيقية للحياة.

   في المتخيل الشعري، الموت ليس مجرد حدثٍ بيولوجي، بل حالةٌ من التحوّل والانتقال، وقد ظهر بأشكالٍ متعددةٍ في الشعر العربي، من الجاهلية إلى العصر الحديث، مرورًا بتجارب الشعراء الصعاليك، والفخر في الموت، والرثاء، وصولًا إلى الرؤى الفلسفية التي تجاوزت حدود الفقد، وجعلت الموت جزءًا من دورة الحياة المستمرة.

أ‌- الموت بين الحتمية القدرية والرؤى الفلسفية تحولات الفكرة من الشعر الجاهلى إلى العباسي :

  في ظني كان الشعر عند العرب القدماء أكثر من مجرد فن قولي أو وسيلة للتعبير ، بل كان فلسفتهم الأولى ومفتاح علومهم، ومرآة رؤيتهم للوجود. لم يكن مجرد سجل لمفاخرهم وأحسابهم، بل كان حامل لواء الفكر آنذاك، ووسيلتهم لفهم العالم والتعبير عن مشاعرهم العميقة تجاه الحياة والمصير.

  ومن هنا ، جاءت نظرة الشاعر العربي للوجود محاطة بحتميات كونية، فبحكم بيئته الصحراوية القاسية وظروفه المعيشية الصعبة، كان يرى الكون محكومًا بقوى مطلقة، كالقدر والموت والزمان، وهي قوى لا يمكن الفكاك منها. لذلك، كان الموت حاضرًا بقوة في أشعارهم، ليس بوصفه نهايةً للحياة فحسب، بل كحقيقة راسخة تفرض نفسها على الإنسان، فتثير تأملاته حول الفناء والمجد والذكر الخالد.

 لم يكن الحديث عن الموت في الشعر العربي القديم إذن مجرد رثاء أو بكاء على الأطلال، بل كان جزءًا من رؤية متكاملة للوجود، يتجلى فيها الإحساس العميق بدورات الزمن وتقلبات الحياة، وليست الإغراض الشعرية إلا قوالب تحمل دلالات أعمق.

  فقد كان للموتُ في الشعر الجاهلي حضورًا حتميًا، يتعامل معه الشعراءُ بحكمةٍ واستسلامٍ لمشيئة القدر.

 يقول زهير بن أبي سلمى:

رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ من تُصبْ

تمُتهُ ومن تُخطئ يُعَمَّرْ فيهرمِ

  هنا، الموتُ قوةٌ عمياءُ لا تميّز بين الناس، يطرق الأبواب دون اختيار، فلا يستثني قويًا ولا ضعيفًا. أما كعب بن زهير، فقد لخّص حتمية الموت بقوله:

وكل ابن أنثى وإن طالت سلامتهُ

يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ

  وهكذا، في التصور الجاهلي، الموتُ ليس مأساةً بقدر ما هو حقيقةٌ يجب تقبّلها، فالحياة قصيرةٌ، والموتُ حتميٌّ، لكنَّ الذكرَ قد يبقى.

أما الموت في شعر الصعاليك فقد قام بنيته الموضوعية على التحدي لا الخوف لم يكن الموتُ مرعبًا عند الصعاليك، بل كان جزءًا من نمط حياتهم القاسي، فواجهوه بتحدٍّ لا يخلو من حكمة. يقول عروة بن الورد:

أحاديثُ تبقى والفتى غير خالدٍ

إذا هو أمسى هامةً تحت صيرِ

 يؤكد الشاعر هنا أن الإنسان لا يُخلّد بجسده، بل بآثاره وكلماته. أما الشنفرى، فقد رأى الموت تحررًا، ولم يجزع منه، بل تعامل معه كواقعٍ يجب تقبّله بشجاعةٍ وصبر.

و في الشعر العربي القديم ، نجد مَن جعل الموت ميدانًا للفخر، كما فعل عنترة بن شداد بقوله:

وأُقدِمُ لوْ أَهْلَكْتُ نَفْسي تَكرُّمًا

ولا أَتَّقي حَتَّى يَغيبَ التَّرائِبُ

بينما جاء الرثاء كاستجابةٍ عاطفيةٍ لفقدان الأحبة، كما في مرثية المهلهل بن ربيعة لأخيه كليب:

كليبُ لا خيرَ في الدُّنيا ومن فيها

إنْ أنتَ خلّفتَها فيمن يخلفُوها

  فالموت هنا ليس مجرد حدث، بل هو فراغٌ لا يُعوّض، يجعل الحياة بلا معنى بعد فقد الأحبة.

عند المتنبي، يتحوّل الموت إلى امتحانٍ للقيمة الحقيقية للحياة، إذ يرى أن الفرق لا يكمن في الموت نفسه، بل فيما يسبقه من حياةٍ ذات معنى:

طَعمُ المَوتِ في أمرٍ حَقيرٍ

كطَعمِ المَوتِ في أمرٍ عظيمِ

أما أبو العلاء المعري، فقد قدّم رؤيةً فلسفيةً أكثر تجريدًا، حيث رأى أن الموت ليس نهايةً، بل امتدادٌ لدورة الطبيعة، فقال:

صاح خفِّف الوَطْءَ ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا مِنْ هذِهِ الأجسادِ

هنا، تتحوّل الأجساد إلى جزءٍ من الأرض، وكأنَّ الإنسان لا يموتُ، بل يعيد تشكيل نفسه في صورٍ أخرى.

ب – الموت في المتخيّل الشعري الحديث: محمد علي العزب نموذجًا:

   لاشك إن ، رمزية الموت في لغة الشعر المعاصر الفصيح أكثر كثافة وتعقيدًا من الشعر القديم، فإن ذلك يعود إلى تعمق الإنسان المعاصر في الفلسفة والفكر الوجودي، مما جعله يعيد تشكيل الموت في بعد تأملي وأسطوري، كما نرى عند أدونيس الذي يجعل الموت مدمجًا مع فكرة التجدد والانبعاث، موظفًا رمزية طائر الفينيق، ليجعل الإنسان والحضارات قادرة على إعادة التشكل والنمو بعد الفناء.

يقول أدونيس في أغاني مهيار الدمشقي:

أنا الفينيق الذي يموت ويحيا،

أنا الفجرُ، أنا البدايةُ، والنهايةُ،

أنا الحريقُ الذي يصوغُ رمادهُ،

هيكلًا للحياة.”

  يتجلى الموت هنا كتحول، حيث لا يكون نهاية مطلقة، بل حالة انتقالية تعيد الإنسان تشكيل ذاته، مثلما تفنى الحضارات ثم تنهض من رمادها. هذه الرؤية تعكس التأثير الصوفي والفلسفي الذي يجعل الموت جزءًا من دورة أبدية، لا تتوقف عند الفناء بل تمتد إلى الانبعاث والتجدد.

   وعلى العكس من التجريد الفلسفي عند أدونيس، نجد أن محمد علي العزب يقترب بالموت من اليومي، مستخدمًا العامية بأسلوب حكائي ومشهدي رمزي، مما يجعله أقرب للمتلقي. الموت عند العزب ليس تأملًا مجردًا، بل ملموس وحاضر في تفاصيل الحياة اليومي . يدمج العزب التأمل البسيط بالسخرية الناعمة، حيث يجعل الموت ليس مجرد نهاية، بل حدثًا حميميًا، مرتبطًا بالطبيعة، وكأنه قوة تتفاعل مع الأرض لتعيد إنتاج الحياة عبر الزرع والنمو. هذه الرؤية الشعبية الرمزية تجعل الموت قريبًا من إحساس القارئ، بعيدًا عن التجريد الفلسفي، وأكثر قربًا من العاطفة الإنسانية. في قصيدته “أقدم مخلوق على وجه الأرض”، يعيد محمد علي العزب تشكيل صورة الموت بأسلوبٍ حداثيٍّ يحمل في طيّاته أبعادًا فلسفيةً ورمزيةً، حيث يقول:

الموت

أقدم مخلوق علة وجه الأرض

وأظن الموت والأرض أخوات

وزمان

كان دايما يظهر ويبان

للخلق اللي أتوجدت قبل الإنسان

مخلوف ضخم وجبار

وعينيه فوهتين بركان

بيعرق مية نار

رجله الأولى ف شرق الدنيا

والثانية ف غرب

ويمد صوابعه بخقة ساحر

يقطع كل خيوط الوصل

بين الروح والجسم

  هنا تصوير الموت كأقدم مخلوق على الأرض يعطيه صفة الزمنية المطلقة ، والحتمية الطبيعية لكنه محاط بالغموض والقوة ، يرتبط بالخطيئة الأولى لآدم وجريمة القتل الأولى، يرتبط الموت هنا بالحياة ، وهو ما يتماس مع النص القرآني للموت مقدما على الحياة ، يقول تعالى : ” الذي خلق الموت والحياة ” .

  يسيطر على النص في بنيته اللغوية الصرفية حضور طاغي للأفعال : ” يظهر ، يبان ، بيعرق ، يقطع…” ، مما يوحي باستحضار للصورة ، واظهار الموت في صورة المخلوق الاسطوري ، أما الأسماء فتمثل المفاهيم الكبرى ” الموت ، الأرض ، الخلق ، الروح ، الجسد ” مما يجعلنا لانقف أمام حقيقة الموت مجردة عن مفاهيم حياتية وجودية ، أما السطور الشعرية القصيرة المرتكزة في نهايتها على الأصوات الساكنة ( التاء ، النون، الراء ، الميم ، بطبعتها المتعددة بين الهمس والتردد ، فتعطي التجربة إيقاعا خلابا ، ونبرا دراميا يعكس الصراع الوجودي بين الحياة والموت ، يوازي الشاعر بين التراكيب موازنة تقوم على التقطيع ، وتخلق إيقاعا داخليا ناتجا عن التماثل بين أجزاء الجملة الواحدة في صور من التكرار: ” الموت عنده رومانسيه / أيوه رومانسية شويه / بدليل إنه / بيحب يشوف الزرع الأخضر / محطوط فوق قبر الميت ،وانظر هذا الصورة التي هي بيت القصيد ، وإن صح القول انظر هذه الصورة التي هي صورة القصيد ومرمى الشاعر البديع :

بس برغم دا كله

الموت عنده رومانسية

أيوا رومانسي شوية

بدليل إنه

بيحب يشوف الزرع الأخضر

 محطوط على وق قبر الميت

  هذه قصيدة مكتملة ، تمثل الجملة الأولى تهيئة القاريء مع ماسبق من حديث ، حيث يُمنح الموت هنا صفة الرومانسية التي تخلق حالة من الدهشة ، والتناقض مع ما قررت الصور السابقة من قوة أسطورية، لكن الشاعر يبني موضوعه بناء حجاجيا ، يأخذ بيد المتلقي إلى عالمه الرحب، ويعطي للصورة صفة الحتمية ، عن طريق التكرار: ” أيوا رومانسي شوية ” ، وتقديم الحجة الاقناعية ” بدليل ” في صورة بصرية ” بيحب يشوف الزرع الأخضر محطوط فوق قبر الميت ” ، هنا الموت ليس عدوا للحياة ، الموت رومانسي جزء من إيقاع الحياة ” بيحب يشوف الزرع” ، يتحول الحزن هنا لتأمل ، ويصبح الموت جزءا من نظام كوني عام أكثر رحابة واتساعا.

  هنا، يتم تصوير الموت ككائنٍ قديمٍ مرتبطٍ بالأرض نفسها، وليس مجرد حدثٍ عابر. يضيف العزب بعدًا أسطوريًا لهذا الكائن، فيجعله يمتلك “عيني بركان”، ويمدّ “صوابعه بخفة ساحر”، ليقطع “كل خيوط الوصل بين الروح والجسم”.

  وفي موضع آخر، يقدّم رؤيةً فلسفيةً تمزج بين الوعي الإنساني والموروث الديني:

أول ما نزل آدم من الجنة

اخترع الموت حاجة زي طاقية إخفا

بهذا التصوير، يصبح الموتُ قوّةً متخفيةً، تمارس وجودها دون أن يراها أحد، لكنها حاضرةٌ في كل لحظة.

أما في مقطعٍ آخر، فيكشف عن المفارقة العميقة في علاقتنا بالموت:

كلنا كارهينه

بس برغم دا كله

الموت عنده رومانسية

   هذا التناقض يعكس طبيعة الموت في المخيال الشعري الحديث، حيث لا يُنظر إليه كرعبٍ مطلق، بل يمتلك أيضًا جانبًا غامضًا يحمل شيئًا من الجمال، مثل الزرع الأخضر الذي يوضع على القبور.

   في المتخيّل الشعري، الموتُ ليس مجرد فناء، بل هو مساحةٌ للتأمل، وأحيانًا مدخلٌ إلى الخلود. الشعراءُ لم يتعاملوا معه كنهايةٍ قاطعة، بل أعادوا تشكيله وفق رؤاهم، فكان عند البعض طريقًا للبطولة، وعند آخرين تجربةً فلسفيةً، بينما أصبح في العصر الحديث كيانًا متخفيًا، يتحرك بيننا دون أن نراه، لكنه يترك أثره في كل لحظة. ما بين التحدّي والرضا، بين الأسطورة والواقع، يظل الموت في الشعر مساحةً مفتوحةً، حيث لا يموت الشاعر حقًا، ما دامت كلماته تتردّد، وما دام أثره حيًا في الذاكرة.