(2)
من كذبة دار الحقّ إلى حقيقة دار الباطل
محمّد خريّف*
كان جدّي يُردّد بلهْجته لمّا كان على قيْد الحَياة ما يًعادل:” نَحْن في دَار الباطل وهُم في دار الحقّ”، والحَاصِل عندي- بعد تجاوُزمرحلة الاِعِتقاد الطّفوليّ الساذج في أنّ دار الحقّ دار أخرى في الأرْض- أنّ جدّي يقْصد ب”هُم” الموتى في قُبورهم ،وقبورهم دار حقّ، وما دار الباطل إلا الدّنيا الفانية – ، وهي دار الكذب والزّيف ويُسمّيها المعرّي “أمّ دُفر” كما يسمّيها غيره وينعتها بأسماء ونُعوت أخرى : فهي الغادرة أو الكاذبة اللّعوب السّارقة،فالتّسمية- وإن كانت أداة تُلْغي كلّ ما في الدّنيا من تفرّد وخصوصيّةطبيعيّة لصالح التأثرالبليغ بالحوافّ الدّينيّة التي هي متأتّية من مُلهمات الفلسفات المثالية وعلى رأسها فلسفة أفلاطون، إذ غدا الحقّ أو الصّدق مطمح الإنسانيّة وغايتها المُثلى وصار البَاطِل منبوذا غير مرغوب فيه، ودار الحقّ دار الموت الدّائمة ، نُفارقها بالوِلادة ونَعُود إليها بالوفاة ،ولأفلاطون آراء في الباطل أي الكذب بصِنفيْه الحقيقيّ والقوليّ أو الكلاميّ** فالحقيقي مرفوض والقوليّ مقبول أو مسموح به.ويظل الصّراع بين مِحْوَر الحقّ وعُنوانه “الخلافة الحق” ولا سيّما الخلافة الإسلاميّة مأسوفا عليها وهْما وإيهاما، وهامش الباطل وَعًنْوَانُه دُوَل يَعْتَبِرُهَا دُعَاةُ الحَقّ دُوَلَ شرّتُعْرَفُ بامْبراطورّية البَاطِل وَتَضمّ في ما تضمّ منذ القِدَم إلى يوْمِنا الحَاضر رُومَا وأمْريكا وإسْرائيل وغيرها من البْلدان التي يَنعتها أهل الحقّ بالشيْطانيّة. لكن الحقّ وإن حَظي بالعناية والاِهْتمَام عبر التّاريخ لاسيّما من فلاسفة القيم المُثلى كما كان ولا يزالُ مهمّة سامية من مهامّ المُصْلحين ودُعاة الخيْر من فُقَهاء تابعين مُقتدين بِسِيَر أنباء ورُسُل وحتّى قيادي جماعات دينيّة وتنظيمات سياسيّة تدّعي الإصْلاح وتهذيب الأخلاق باللّسان والسّيف ضدّ الكذب باِعِتباره سُلوكا بعضه محمود وبعضه منبوذ.هذا و لم يُهْمل دراسة الكذب رُوّاد الفكر القديم من فقهاء وفلاسفة أمثال أفلاطون وأرسطو وغيرهما كما درسه باعتباره مبحثا علاماتيّا علميّا سِيميائيون مُعاصرون أمثال درّيدا وامبرتو أيكووغيرهم في نطاق ما يُعْرَف “بسيميائيّة الكذب” أو تاريخ الكذب وفلسفته ، وعن الكذب.يقول بيار سار في كتابه “حوارات التّاريخ القديم”** وهو كتاب صادر عام 2010 يتناول مسألة الكذب من أفلاطون إلى سانت أوقستان: فالكذب عند الكتاب القدامي أمثال ستوباي ونيجيد يوس Stobée et Nigidius يتحدد بالإرادة والنية يُحْمَد منه ما لا يلحق الضير بالبشر ويُنبذ منه الكذب اللآخر الذي يهدف إلى المُغالطة والإساءة للغير : ف”كذب” تختلف عن “قال كذبا”وغلط تختلف عن غالط وكذلك صنف أفلاطون الكذب صِنِفيْن مُختلفين: كذبا حقيقيا وآخر قوْليّا أو كلاميّا،وهل أخْتَلِف بدوْري مع مقولة جدّي فأكتب في غير جزْم :”من كذبة دار الحقّ إلى حقيقة دار الباطل” ؟ وهل للكذب والحقيقة كما للسّرقة من دِيَار للسّكَنِ غَيْر ما تفترضه تموْضُعات العلامة الماسِخة الممْسوخة التي تُبْنَي لتهدّم وتُهْدَم بالتّفْكِيك اللّولبيّ لا التّرْسيخ الاِسْتِعاريّ الدّائريّ ،وبماأنّ أمر الكذب والسّرقة كان مشغل الفكر الغربي وسؤاله السّيميائيّ اِتصالا وانفصالا فكيف كان له أن يكون في المدوّنة العربيّة الإسلاميّة ؟
**Pierre Sarr:Dialogues de l’Histoire ancienne :Discours du mensonge de Platon à Saint Auguistin- persée 2010.
*ناقد من تونس





