عبد الغفور مغوار*
مقدمة: إن تتبع مسارات التأثير والتأثر بين الآداب المختلفة يشكل واحدا من أعقد المباحث في الدراسات الأدبية المقارنة، إذ يقتضي من الباحث أن يخوض غمار شبكة معقَدة من العلاقات الثقافية والفكرية التي تتداخل فيها العوامل الجمالية بالسياقات التاريخية، والتجليات الشكلية بالمضامين الفلسفية. وإذا كانت الرواية، بوصفها الجنس الأدبي الأكثر قدرة على استيعاب تحولات العصر ومتغيراته، قد شهدت في القرن العشرين ثورات جذرية طالت بنيتها وتقنياتها وفلسفتها الجمالية، فإن ميشيل بوتور (Michel Butor) يقف في مقدمة أولئك الروائيين الذين أسهموا في إحداث هذا التحول النوعي في مفهوم السرد وآلياته.
ولد ميشيل ماري فرانسوا بوتور عام 1926 في مونس آن بارول شمالي فرنسا، وقد أضحى اسمه مقترنا بالتجديد الجذري في الرواية الفرنسية، حيث احتل موقعا مركزيا في حركة “الرواية الجديدة” التي هزت أركان السرد التقليدي في منتصف القرن العشرين. وإذا كان بوتور قد بدأ مساره الفكري بدراسة الفلسفة والفيلولوجيا في جامعة السوربون المرموقة، فإن رحلاته التدريسية إلى مصر وجنيف ومانشستر قد وسعت من آفاقه المعرفية وأكسبته تجربة ثقافية متنوعة انعكست بوضوح على مشروعه الإبداعي. ولعل إقامته في مصر بين عامي 1950 و1953 قد شكلت منعطفا حاسما في وعيه الثقافي، إذ أتاحت له الاحتكاك المباشر بالثقافة العربية والتراث الشرقي، مما ترك بصماته الواضحة على رؤيته الأدبية وتصوره للكتابة بوصفها جسرا بين الثقافات.
لقد برز بوتور كواحد من أبرز منظري ومبدعي الرواية الجديدة، هذا التيار الأدبي الذي نشأ في فرنسا خلال الخمسينيات والستينيات، والذي سعى إلى تفكيك البنية السردية التقليدية وإعادة تشكيل مفهوم الرواية ذاته. وقد تميز مشروعه الأدبي بالجرأة في التجريب والتجديد، حيث قدم في روايته الشهيرة “التغيير “(La Modification, 1957نموذجا فريدا للسرد يقوم على تقنية “الأنت” (Tu/ vous) بدلا من الضمائر التقليدية، مما خلق نوعا من الإشراك المباشر للقارئ في تجربة السرد. كما طرح في أعماله النظرية مفهوم “الإطاحة بالحواجز” في الكتابة، داعيا إلى كسر القوالب الجامدة والانطلاق نحو آفاق سردية جديدة تستطيع أن تحتوي تعقيدات الوجود الإنساني المعاصر.
إن مفهوم “الرواية الجديدة” الذي ازدهر في فرنسا منتصف القرن العشرين، يمثل ثورة حقيقية في تاريخ السرد الحديث، إذ جاء كرد فعل على الرواية التقليدية بأساليبها المكرسة وبنيتها الخطية الثابتة. وقد تجلَت خصائص هذا التيار في تلاشي الحبكة التقليدية وتعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة والأمكنة، بالإضافة إلى التركيز على اللحظة الراهنة والوعي الذاتي للشخصيات. ولم يكن بوتور وحيدا في هذا المسعى التجديدي، بل وقف إلى جانبه كوكبة من الكتاب المجددين أمثال آلان روب-غرييه (Alain Robbe-Grillet) وناتالي ساروت (Nathalie Sarraute) وكلود سيمون (Claude Simon) ومارغريت دوراس (Marguerite Duras)، الذين شكلوا معا ما يعرف بمدرسة الرواية الجديدة.
وإذا كانت تأثيرات الرواية الجديدة قد تجاوزت حدود فرنسا لتصل إلى آداب العالم، فإن الرواية العربية لم تكن بمعزل عن هذه التيارات التجديدية. فقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحولات جذرية في السرد العربي، حيث بدأ روائيون عرب في الانفتاح على التجارب الغربية الحديثة والإفادة من تقنياتها الفنية، مع الحرص على الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية والحضارية. وهنا تبرز إشكالية بحثية بالغة الأهمية تتمثَل في محاولة رصد وتحليل تأثيرات ميشيل بوتور وتيار الرواية الجديدة عموما على مسار الرواية العربية وتطورها.
إن طرح هذه الإشكالية يقودنا إلى تساؤلات جوهرية تشكل محور هذه الدراسة: كيف تسربت تقنيات الرواية الجديدة، وبوتور تحديدا، إلى الرواية العربية؟ وما طبيعة هذا التأثير وحدوده؟ وهل كان تأثيرا مباشرا وواعيا أم غير مباشر وضمنيا؟ ثم من هم الروائيون العرب الذين يمكن اعتبارهم نظراء لبوتور في التجريب والتجديد؟ وإلى أي مدى نجحت الرواية العربية في استيعاب هذه التقنيات الحديثة وتوطينها ضمن سياقها الثقافي الخاص؟
لعل أسماء مثل إدوار الخراط وجمال الغيطاني والطيب صالح وواسيني الأعرج تقفز إلى الذهن عند الحديث عن التجريب في الرواية العربية، وهم روائيون تميزوا بجرأتهم في كسر القوالب السردية التقليدية والانفتاح على تقنيات حديثة في الكتابة. فالخراط في “رامة والتنين” قدم نموذجا للرواية التجريبية التي تحطم الحدود بين الأجناس الأدبية، بينما نجد الغيطاني في “الزيني بركات” يوظف التراث بأسلوب تجريبي حديث، والطيب صالح يفكك في “موسم الهجرة إلى الشمال” مفاهيم الهوية والسرد بطريقة تذكر بتقنيات الرواية الجديدة.
غير أن المقارنة بين بوتور وهؤلاء الروائيين العرب تتطلَب حذرا منهجيا، إذ لا يمكن إجراؤها دون مراعاة اختلاف السياقات الثقافية والتاريخية والاجتماعية. فالرواية العربية، رغم انفتاحها على التجارب الغربية، ظلت محكومة بخصوصياتها الحضارية ومشاغلها الفكرية والسياسية، مما جعل تمثُلها للتقنيات الحديثة يتم وفق منطق انتقائي يراعي هذه الخصوصيات.
من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية لأثر ميشيل بوتور والرواية الجديدة في تحولات السرد العربي، محاولة رصد مظاهر التأثر والتمثُل، وتحديد الروائيين العرب الذين يمكن اعتبارهم نظراء لبوتور في مشروع التجديد السردي، مع عدم إغفال حدود هذا التأثير والاختلافات الجوهرية التي تميز التجربة العربية عن نظيرتها الفرنسية.
-I ميشيل بوتور: رائد الرواية الجديدة
-1 النشأة والمسار الفكري
أ) دراسته للفلسفة والفيلولوجيا في السوربون
إن فهم المشروع الإبداعي لميشيل بوتور يستلزم بالضرورة العودة إلى جذور تكوينه الفكري والأكاديمي، والذي تم في رحاب جامعة السوربون العريقة، هذا الصرح الأكاديمي الذي شكل على مدى قرون طويلة منارة للعلم والمعرفة في أوروبا. فقد التحق بوتور بهذه الجامعة المرموقة في أواخر الأربعينيات، حيث تخصص في دراسة الفلسفة والفيلولوجيا، وهو مزيج معرفي نادر يجمع بين عمق التفكير الفلسفي ودقة البحث اللغوي والنصي.
لقد كان لدراسة الفلسفة أثر بالغ في تشكيل الوعي النقدي لبوتور، إذ تمكن من خلالها من استيعاب التيارات الفكرية الكبرى التي هيمنت على الفكر الأوروبي في القرن العشرين، وعلى رأسها الفينومينولوجيا والوجودية والبنيوية. وقد انعكس هذا التكوين الفلسفي بوضوح على رؤيته للأدب والكتابة، حيث تجاوز المفهوم التقليدي للرواية باعتبارها مجرد حكاية أو تسلية، ليرى فيها أداة للتفكير والاستكشاف الوجودي. ولعل تأثره بالفينومينولوجيا الهوسرلية وفلسفة هايدجر يظهر بجلاء في اهتمامه بالوعي الذاتي واللحظة الراهنة والتجربة المعيشة، وهي عناصر ستصبح محورية في مشروعه السردي.
أما دراسته للفيلولوجيا، فقد أكسبته منهجية دقيقة في التعامل مع النصوص وتحليلها، بالإضافة إلى وعي عميق بالبعد التاريخي للغة وتطور الأشكال الأدبية. وقد مكنه هذا التخصص من فهم الآليات الداخلية للنص الأدبي وطرق اشتغاله، مما جعله قادرا على تطوير تقنيات سردية جديدة تقوم على أسس نظرية صلبة. كما أن اطلاعه الواسع على التراث الأدبي الكلاسيكي، والذي كان جزءا لا يتجزأ من تكوينه الفيلولوجي، قد أتاح له فهما عميقا للتطور التاريخي للأشكال السردية، مما جعل تجريبه في الكتابة يقوم على معرفة واسعة بالتقاليد التي يسعى إلى تجاوزها.
وقد تميزت سنوات الدراسة في السوربون بالتفاعل الثري مع أساتذة مرموقين ومفكرين كبار، مما وسع من آفاق بوتور المعرفية وعمق من رؤيته النقدية. كما أن البيئة الأكاديمية النشطة في باريس ما بعد الحرب، والتي شهدت تفاعلا خصبا بين مختلف التيارات الفكرية والأدبية، قد ساهمت في بلورة وعيه الجمالي وتحديد معالم مشروعه الإبداعي.
ب) تدريسه في مصر وجنيف ومانشستر
إن من أهم المحطات التكوينية في حياة ميشيل بوتور تجربته التدريسية في بلدان مختلفة، والتي أكسبته رؤية كونية واسعة وفهما عميقا لتنوع الثقافات الإنسانية. فبعد إنهاء دراسته الجامعية، عين بوتور أستاذا للأدب الفرنسي في عدة جامعات أوروبية وعربية، وكان لكل من هذه التجارب أثرها الخاص في تشكيل شخصيته الفكرية ومشروعه الأدبي.
تعتبر تجربته التدريسية في مصر بين عامي 1950 و1953 من أكثر المحطات تأثيرا في مساره الفكري، إذ أتاحت له الاحتكاك المباشر بالثقافة العربية والحضارة الإسلامية، في فترة كانت فيها مصر تشهد نهضة فكرية وثقافية مهمة. وقد عمل بوتور في جامعة القاهرة، حيث درس الأدب الفرنسي لطلاب مصريين وعرب، مما أكسبه فهما عميقا لطبيعة التفاعل الثقافي بين الشرق والغرب. كما أن إقامته في مصر قد عرفته على التراث العربي الكلاسيكي، وخاصة فنون السرد العربية القديمة مثل “ألف ليلة وليلة” ومقامات الحريري، والتي ستترك بصماتها الواضحة على أعماله اللاحقة.
لقد كان لهذه التجربة المصرية أثر بالغ في توسيع مفهوم بوتور للسرد والكتابة، إذ اكتشف من خلالها أشكالا سردية مغايرة للتقاليد الأوروبية، تقوم على التداخل والتشعب واللاخطية، وهي خصائص ستصبح محورية في مشروعه السردي. كما أن اطلاعه على الثقافة الإسلامية، بمفاهيمها الخاصة للزمان والمكان والهوية، قد أثرى رؤيته الفلسفية وأكسبه منظورا جديدا لفهم الوجود الإنساني.
أما تجربته التدريسية في جنيف، فقد جلبت له احتكاكا مع البيئة الأكاديمية السويسرية المتميزة بالدقة والمنهجية، بالإضافة إلى موقع جنيف الاستراتيجي كملتقى للثقافات الأوروبية المختلفة. وقد أتاح له التدريس في الجامعات السويسرية فرصة التفاعل مع باحثين من جنسيات مختلفة، مما وسع من شبكة علاقاته الأكاديمية وعرفه على مناهج نقدية متنوعة.
وفي مانشستر، اكتشف بوتور خصائص الثقافة الأنجلو-ساكسونية وتقاليدها الأدبية المتميزة، وخاصة في مجال الرواية التي بلغت أوجها في الأدب الإنجليزي على يد كتاب عظام أمثال ديكنز وجويس. وقد أكسبته هذه التجربة فهما أعمق لتطور الشكل الروائي في الأدب الإنجليزي، وخاصة التجارب التحديثية التي قام بها جيمس جويس في “يوليسيس”، والتي ستؤثر لاحقا على تقنياته السردية.
2- خصائص مشروعه الأدبي
أ) تفكيك البنية السردية التقليدية
يقف ميشيل بوتور في مقدمة أولئك الكتاب الذين تجرؤوا على تفكيك البنية السردية التقليدية التي هيمنت على الرواية الأوروبية منذ القرن التاسع عشر. وقد انطلق في هذا المسعى التفكيكي من قناعة فلسفية عميقة مفادها أن الأشكال الأدبية التقليدية لم تعد قادرة على احتواء تعقيدات التجربة الإنسانية المعاصرة، وأن الكاتب الحديث بحاجة إلى تطوير أدوات تعبيرية جديدة تتناسب مع طبيعة العصر ومتطلباته.
لقد رأى بوتور أن الرواية التقليدية، بحبكتها الخطية وشخصياتها المحددة بوضوح وزمنها التسلسلي، قد أصبحت عاجزة عن التعبير عن الوعي الحديث المتشظي والمعقد. فالإنسان المعاصر، وفقا لرؤية بوتور، لا يعيش تجربته بشكل خطي ومنطقي، بل يعيشها في شكل شذرات وانقطاعات وتداخلات زمنية، تتصارع فيها الذكريات مع الأحلام والواقع مع الخيال. وعليه، فإن الرواية الجديدة يجب أن تعكس هذا التعقيد الوجودي من خلال تقنيات سردية مبتكرة.
ومن هذا المنطلق، عمل بوتور على تفكيك العناصر الأساسية للرواية التقليدية، بدءا من مفهوم الحبكة الموحدة. فبدلا من الحبكة الخطية التي تسير من البداية إلى النهاية عبر وسط محدد، قدم بوتور نمطا جديدا يقوم على التشظي والتداخل، حيث تتفاعل خيوط سردية متعددة دون أن تخضع لمنطق سببي صارم. كما تمرَد على مفهوم الشخصية التقليدية المحددة بسمات ثابتة، ليقدم شخصيات متحولة وملتبسة، تعكس طبيعة الهوية الحديثة المتشرذمة.
وقد امتد هذا التمرد على التقاليد ليشمل البعد الزمني في السرد، حيث تخلى بوتور عن التسلسل الزمني الخطي لصالح زمنية مركبة تتداخل فيها الأزمنة المختلفة. فالماضي والحاضر والمستقبل يتفاعلون في نسيج سردي واحد، مما يخلق إحساسا بالزمن الذاتي الذي يختلف عن الزمن الموضوعي المجرد. وهذا التعامل مع الزمن يعكس تأثر بوتور بالفلسفة المعاصرة، وخاصة مفهوم الزمان عند هايدجر وبرجسون. فبالنسبة لهايدجر، الزمن ليس إطارا خارجيا تقع فيه الأحداث، بل هو بنية داخلية للوجود الإنساني. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي فناءه وموته، وهذا الوعي هو الذي يمنح وجوده معنى. من هذا المنطلق، يصبح الزمن متناهيا ومرتبطاً ارتباطا وثيقا بوجودنا، ويتشكل من ثلاثة أبعاد: المستقبل (التصميم على تحقيق الذات)، والماضي (ما كنا عليه)، والحاضر (اللحظة التي يتفاعل فيها الماضي والمستقبل). فالزمن عند هايدجر ليس تسلسلا خارجيا، بل هو تزمن داخلي للوجود الإنساني. أما عند برجسون، فيميز بين نوعين من الزمن: الزمن العلمي أو الزمن المادي، وهو الزمن الذي يقاس بالساعات والدقائق، وهو زمن خطي ومجرد. والزمن الحقيقي أو ما يسميه “الديمومة”، وهو الزمن الذي نعيشه بشكل حدسي وذاتي. فالذاكرة والوعي لا يقسمان الزمن إلى لحظات منفصلة، بل يربطان بين الماضي والحاضر والمستقبل في تدفق مستمر ومتواصل وغير قابل للقياس. وهكذا، فزمن “الديمومة” هو زمن شعوري، يختلف من شخص لآخر حسب التجربة والوعي، وهو الذي يشكل جوهر الوجود الحقيقي.
ب) رواية “La Modification” كنموذج للتجريب السردي
تعتبر رواية “التغيير” التي نشرت عام 1957 بمثابة البيان العملي لمشروع بوتور التجديدي في السرد، إذ تجسد بشكل مكثَف كل الإبداعات التقنية والفلسفية التي طورها الكاتب في مسيرته الأدبية. وقد حازت هذه الرواية على جائزة رونودو المرموقة، مما أكد اعتراف النقد الفرنسي بأهميتها وريادتها في مجال التجريب الروائي.
إن أول ما يلفت النظر في هذه الرواية هو اختيار بوتور لضمير المخاطب “أنت (Tu/Vous)” كصوت سردي، وهو اختيار جذري ومبتكر في تاريخ الرواية. فبدلا من استخدام ضمير الغائب التقليدي أو ضمير المتكلم، يتوجه السارد مباشرة إلى الشخصية الرئيسية مخاطبا إياها بصيغة “أنت”، مما يخلق تأثيرا فريدا من نوعه. هذه التقنية تحقق عدة أهداف جمالية ومعرفية: فهي أولا تكسر الحاجز بين القارئ والنص، إذ يشعر القارئ وكأنه المخاطب المباشر، وهي ثانيا تعبر عن حالة الانفصام الداخلي التي تعيشها الشخصية الرئيسية، وهي ثالثا تجسد مفهوما فلسفيا عميقا حول طبيعة الذات والآخر في الوعي الحديث.
أما من ناحية البناء الزمني، فإن الرواية تدور أحداثها في إطار زمني محدود جدا، وهو رحلة بالقطار من باريس إلى روما تستغرق عدة ساعات فقط. غير أن هذا الإطار الزمني الضيق يتسع ليحتوي تجربة إنسانية معقدة، حيث تتداخل في وعي الشخصية الرئيسية ذكريات الماضي وتطلعات المستقبل مع لحظات الحاضر. وهكذا يصبح الزمن السردي زمنا نفسيا ذاتيا يتمدد ويتقلص وفقا لحالات الوعي المختلفة.
وتتميز الرواية أيضاً بغياب الحوار التقليدي والاعتماد على المونولوج الداخلي، مما يجعل القارئ يغوص في أعماق الوعي الذاتي للشخصية دون وسائط خارجية. كما أن الأحداث الخارجية تكاد تكون منعدمة، فالحدث الحقيقي يقع في الداخل النفسي للشخصية، وهو عبارة عن “تغيير” (modification) في وعيها وفهمها لذاتها وعلاقاتها.
ج) مفهوم “الإطاحة بالحواجز” في الكتابة
لقد طور ميشيل بوتور مفهوما نظريا متميزا حول الكتابة الأدبية أطلق عليه “الإطاحة بالحواجز” (La Levée des barrières)، وهو مفهوم يعكس فلسفته في التجديد الأدبي ورؤيته لمهمة الكاتب المعاصر. ويقصد بوتور بهذا المفهوم ضرورة كسر كل القيود والحدود المصطنعة التي تعيق تطور الشكل الأدبي، سواء كانت هذه القيود تقنية أو جمالية أو فكرية.
فعلى المستوى التقني، يدعو بوتور إلى تجاوز الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية المختلفة، فالرواية الجديدة يجب أن تستفيد من تقنيات الشعر والمسرح والسينما وحتى الموسيقى والفنون التشكيلية. وقد جسد هذا المبدأ في أعماله، حيث نجد توظيفا مبتكرا لتقنيات الكولاج والمونتاج المستعارة من السينما، بالإضافة إلى استخدام التكرار والإيقاع الموسيقي في بناء النص السردي.
كما يرفض بوتور الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال، داعيا إلى دمجهما في نسيج سردي واحد يعكس طبيعة الوعي الإنساني الذي لا يميز بوضوح بين المستويين. وهذا ما نجده في رواياته، حيث تتداخل الأحداث الواقعية مع الأحلام والذكريات والتداعيات الذهنية في بناء سردي متماسك.
وعلى المستوى الثقافي، يدعو بوتور إلى كسر الحواجز بين الثقافات المختلفة، مؤكدا أن الأدب الحديث يجب أن يكون كونيا في رؤيته ومتعدد الثقافات في مرجعياته. وقد انعكس هذا المبدأ في أعماله التي تجمع بين عناصر من الثقافة الأوروبية والعربية والشرقية، مما يجعل نصوصه بمثابة فضاء للحوار الثقافي المثمر.
إن مفهوم “الإطاحة بالحواجز” لا يعني عند بوتور الفوضى أو العشوائية في الكتابة، بل يعني التحرر الواعي والمنهجي من القيود التي تعيق الإبداع الحقيقي. فالكاتب الحديث، وفقا لهذا المفهوم، يجب أن يكون مجربا وباحثا ومكتشفا لإمكانيات جديدة في التعبير، دون أن يفقد البوصلة الجمالية التي توجه هذا التجريب نحو تحقيق تأثير فني حقيقي.
-II الرواية الجديدة: المفهوم والتقنيات
-1 السمات الفنية
أ) تلاشي الحبكة التقليدية
إن الحبكة التقليدية، بوصفها العمود الفقري للسرد الكلاسيكي، هي واحدة من أولى الضحايا التي سقطت تحت مطارق التجديد التي حملها رواد الرواية الجديدة. فقد رفض هؤلاء الكتاب المفهوم الأرسطي للحبكة الذي يقوم على التسلسل السببي الصارم، والذي يضع الأحداث في نسق خطي يبدأ بالعرض ويمر بالعقدة وينتهي بالحل. وبدلا من هذا المنطق السردي المحكم، طرحت الرواية الجديدة مفهوما جذريا مختلفا يقوم على تفكيك هذه البنية وإعادة تشكيلها وفق منطق جديد يحاكي تعقيدات الوعي الإنساني المعاصر.
لقد انطلق منظرو الرواية الجديدة من قناعة فلسفية مفادها أن الحياة الحقيقية لا تسير وفق منطق الحبكة التقليدية المحكمة، بل تتشكل من شذرات وانقطاعات وتداخلات لا تخضع لمنطق سببي واضح. فالإنسان المعاصر، في ظل تعقيدات الحياة الحديثة وتسارع وتيرتها، لا يعيش تجربته بشكل متماسك ومنطقي، بل يعيشها في شكل لحظات متناثرة تتصارع فيها الذكريات مع التطلعات، والواقع مع الأحلام. وعليه، فإن الرواية الجديدة سعت إلى خلق شكل سردي يعكس هذا التشظي الوجودي من خلال تقنيات متطورة.
وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في أعمال بوتور، حيث نجد في رواية “التغيير” غيابا شبه تام للأحداث الخارجية المثيرة، فالرواية تدور حول رحلة بالقطار لا يحدث فيها شيء يذكر من الناحية الخارجية، بينما تتكشف في الداخل النفسي للشخصية عوالم معقدة من الصراعات والتأملات. هكذا تصبح الحبكة الحقيقية هي حبكة الوعي الذاتي، حبكة التأمل والتذكر والتردد، وليس حبكة الأحداث الخارجية المتتالية.
كما نجد هذا الاتجاه ممثلا بقوة في أعمال آلان روب-غرييه، الذي دعا إلى ما أسماه “الرواية الموضوعية” التي تتخلى عن الحبكة التقليدية لصالح وصف دقيق للأشياء والحركات دون تفسير سيكولوجي أو رمزي. وقد عبر عن هذا التوجه بقوله في كتابه “من أجل رواية جديدة”: “غير أن العالم لا هو ذو معنى، ولا هو عبثي. إنه موجود، ببساطة. وهذا، على كل حال، ما هو أكثر ما يثير الدهشة فيه. وفجأة، تداهمنا هذه البداهة بقوة لا طاقة لنا على مقاومتها. تنهار فجأة كل تلك البنية الجميلة: إذ فتحنا أعيننا على حين غرة، واصطدمنا، مرة أخرى، بوقع هذه الحقيقة العنيدة التي كنا نتظاهر بأننا تغلبنا عليها. من حولنا، متحدية زمرة نعوتنا الحية أو المنزلية، تقف الأشياء هناك. أسطحها نقيّة، ملساء، سليمة، لا لمعان مريب فيها ولا شفافية. لم تنجح كل أدبياتنا بعد في خدش أصغر زاوية منها، ولا في تليين أبسط تقوس لها.”
)Alain Robbe-Grillet, Pour un Nouveau Roman (1963), Une Voie pour le Roman futur, éd. Minuit, p. 18 (
ب) تعدد الأصوات السردية
إن من أبرز الخصائص الفنية التي ميزت الرواية الجديدة عن سابقاتها هو كسر هيمنة الصوت السردي الواحد والانفتاح على تعددية صوتية مركبة تعكس تعقيدات الوعي الحديث وانشقاقاته. فبدلا من السارد العليم التقليدي الذي يهيمن على السرد ويوجه القارئ نحو فهم محدد للأحداث، طرحت الرواية الجديدة نموذجا سرديا متعدد الأصوات يترك للقارئ مساحة أوسع للتأويل والمشاركة في بناء المعنى.
طور الناقد والفيلسوف الروسي ميخائيل باختين مفهوم “البوليفونية” في الرواية، خاصة من خلال تحليله لأعمال دوستويفسكي البوليفونية، أو التعددية الصوتية، تشير إلى وجود عدة أصوات مستقلة ومتساوية داخل النص الروائي، لكل منها رؤيتها وموقفها الخاص، دون أن يخضع أي منها لهيمنة صوت المؤلف أو لإطار أيديولوجي موحد. بعكس الروايات التقليدية ذات الصوت الواحد (أحادي الرؤية)، تمنح الرواية البوليفونية حرية التعبير للشخصيات، بحيث تصبح حاملة لأفكارها الخاصة، لا مجرد أدوات لخدمة وجهة نظر الكاتب. يرى باختين أن هذا النمط يعكس تعددية الواقع والحوارية العميقة بين الذوات، ويجعل الرواية فضاء مفتوحا للصراع الفكري واللغوي بدلا من تقديم حقيقة نهائية مغلقة. وقد كان لتأثير هذه النظرية باختين في الرواية أثر واضح في تطوير هذا المفهوم، إذ أكد الناقد الروسي أن الرواية الحديثة يجب أن تكون فضاءً للحوار بين أصوات متعددة، كل صوت منها يحمل وجهة نظر مختلفة ورؤية خاصة للعالم. وقد تبنى كتاب الرواية الجديدة هذا المفهوم وطوروه في اتجاهات مبتكرة، حيث لم يعد التعدد الصوتي مقتصرا على تعدد الشخصيات وحواراتها، بل امتد ليشمل تعدد مستويات الوعي داخل الشخصية الواحدة.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى تقنية استخدام ضمير المخاطب “أنت” في رواية “التغيير” لبوتور كمثال متقدم على هذا التعدد الصوتي. فالسارد هنا لا يحكي عن الشخصية بل يحاورها، مما يخلق مستويين صوتيين: صوت السارد الذي يخاطب وصوت الشخصية المخاطبة. وهذا التعدد يعكس الطبيعة الحوارية للوعي الإنساني الذي يتحاور مع ذاته باستمرار.
كما نجد مثالًا بارزًا لهذا التوجه في أعمال ناتالي ساروت، التي طورت مفهوم “التحت-محادثة” (la sous-conversation)، وهو مصطلح تصفه به الطبقات الخفية من التفاعل النفسي والانفعالي التي تجري بين الأشخاص تحت السطح الظاهر للكلام اليومي. لا تهتم ساروت بما يقال حرفيًا بقدر ما تنشغل بما يُضمر ويُخفى: الترددات، الشكوك، الحساسيات الدقيقة، والعلاقات المتوترة التي لا تعبّر عنها اللغة الظاهرة مباشرة. ومن خلال هذه التقنية، تنكشف حركة داخلية دقيقة ومعقدة، حيث يتقاطع صوت الكلام الظاهري مع الصوت النفسي الباطني، مما يخلق نوعًا من التوتر الدرامي الداخلي بين الوعي واللاوعي، القول والصمت، العبارة وما خلفها. وعلى الرغم من أن هذا لا يمثّل “تعدد أصوات” بالمعنى البوليفوني لباختين، إلا أنه يقدم تعدد طبقات في التجربة النفسية واللغوية داخل النص الواحد.
هذا وبينما تعني البوليفونية عند باختين تعدد الذوات الفكرية في فضاء حر ومتساو، فإن “التحت-محادثة” عند ساروت تمثل تعددا نفسيا داخليا في صوت الذات الواحدة، أي تعدد طبقات الشعور لا تعدد الرؤى أو الأيديولوجيات.
ج) تداخل الأزمنة والمكان
تجدر الإشارة أن من أكثر الإبداعات التقنية جذرية في الرواية الجديدة هو التعامل المبتكر مع عنصري الزمان والمكان، حيث تخلت عن المفهوم التقليدي الخطي لهما لصالح رؤية مركبة تعكس طبيعة التجربة الإنسانية المعاصرة في علاقتها بالزمن والفضاء. فقد أدرك كتاب الرواية الجديدة أن الوعي الإنساني لا يعيش الزمن بشكل خطي منتظم، بل يعيشه في شكل طبقات متداخلة حيث يمتزج الماضي بالحاضر وتتداعى الذكريات مع التوقعات في لحظة واحدة مكثَّفة.
وقد استفادت الرواية الجديدة في هذا السياق من اكتشافات علم النفس الحديث، وخاصة نظريات فرويد وجونغ حول طبيعة الذاكرة واللاوعي، بالإضافة إلى إنجازات الفلسفة الفينومينولوجية في فهم طبيعة الوعي بالزمن. والفينومينولوجيا، التي أسسها الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل، هي منهج فلسفي يقوم على وصف الخبرة الإنسانية كما تعاش مباشرة، دون افتراضات مسبقة، وذلك بغرض الكشف عن البنى الأساسية للوعي. وقد طور تلميذه مارتن هايدجر هذا المنهج ليجعله أكثر ارتباطا بوجود الإنسان في العالم، حيث اعتبر أن الزمن هو الأفق الأساسي الذي من خلاله يفهم الإنسان ذاته ووجوده. في هذا الإطار، أكد هوسرل وهايدجر أن الوعي يدرك الزمن ليس كتتابع خارجي للحظات، بل كبنية داخلية معقدة تجمع بين الاحتفاظ بالماضي والتوقع للمستقبل في اللحظة الحاضرة.
وقد جسد بوتور هذا المفهوم بشكل بارع في رواية “التغيير”، حيث الزمن السردي الخارجي محدود جدا (رحلة قطار لبضع ساعات)، لكن الزمن الداخلي يتسع ليشمل تاريخا شخصيا كاملا. فالشخصية الرئيسية، وهي جالسة في القطار، تسترجع ذكرياتها وتستشرف مستقبلها، وتتداخل الأزمنة في وعيها بحيث تصبح رحلة القطار رحلة في الذاكرة والوجدان أكثر منها رحلة في المكان.
كما يتجلى التعامل المبتكر مع المكان في كسر مفهوم الوحدة المكانية التقليدية، حيث لا يعود المكان إطارا ثابتا للأحداث أو خلفية محايدة تجري فوقها الوقائع، بل يتحول إلى عنصر ديناميكي يتفاعل مع وعي الشخصيات ويؤثر في تشكيل رؤيتها للعالم. فالمكان لم يعد مجرد موقع جغرافي أو مسرح للأفعال، بل أصبح فضاء وجوديا يختلط فيه الملموس بالرمزي، ويتحول إلى انعكاس مباشر للتجربة الداخلية للشخصيات. وهكذا نجد في الرواية الجديدة أمكنة متداخلة ومتراكبة، مثل: المكان الفيزيائي الخارجي الذي يجسد الواقع المعيش بعناصره المادية والاجتماعية، والمكان النفسي الداخلي الذي يترجم توترات الذات ورغباتها ومخاوفها، ثم المكان الذاكري المسترجع الذي يستحضر الماضي ليعيد تشكيل الحاضر عبر آلية التذكر والتداعي. وبهذا التداخل يتأسس بعد جديد للمكان بوصفه فضاء متعدد الطبقات، تتقاطع فيه التجربة الفردية مع الأفق الزمني والوجودي، مما يمنح السرد الروائي إمكانات أعمق في تمثيل تعقيد الذات الإنسانية وعلاقتها بالعالم.
2- بوتور ضمن تيار الرواية الجديدة إلى جانب روب غرييه، ناتالي ساروت، وكلود سيمون
إن فهم موقع ميشيل بوتور في خارطة الرواية الجديدة يستلزم النظر إليه ضمن السياق الأوسع لهذا التيار الأدبي الذي ضم كوكبة من أبرز المجددين في تاريخ الرواية الحديثة. فقد شكل بوتور مع آلان روب-غرييه وناتالي ساروت وكلود سيمون ومارغريت دوراس وروبير بينجي ونيكولا سارو وآخرين ما يعرف بجيل الرواية الجديدة، الذي هيمن على المشهد الأدبي الفرنسي في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
لقد جمع هؤلاء الكتاب، رغم تنوع أساليبهم وتقنياتهم، هدفا مشتركا يتمثل في تجديد الشكل الروائي وتحريره من القوالب التقليدية التي أضحت عاجزة عن استيعاب تعقيدات الحياة المعاصرة. ويمكننا أن نرجع إلى الفيلسوف والناقد الفرنسي موريس بلانشو في تأطير هذا التوجه الروائي النقدي، إذ يقول إن: “الأدب يبدأ حين يصبح الأدب سؤالا.” (https://en.wikipedia.org/wiki/Maurice_Blanchot?utm)
بهذا القول، لا تنشغل الرواية الجديدة فقط بسرد قصة، بل تسعى إلى مساءلة طريقتها وأسئلتها: ما الذي يجعل الرواية ممكنة؟ ما حدود اللغة؟ ما شكل الوعي داخل السرد؟ هكذا تصبح الرواية فعلا فلسفيا مباشرا يستنطق إمكانات الحكي ذاته، ويطرح سؤالا وجوديا يتجاوز المضامين التقليدية إلى استكشاف بنيات اللغة والوعي.
لقد أسهم هؤلاء الكتاب – رغم اختلاف أساليبهم وتقنياتهم- في مشاركة هدف واحد يسعى إلى تجديد الشكل الروائي وتحريره من القوالب التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة تعقيدات العصر الحديث. ففي هذا السياق، مثّل آلان روب-غرييه مرجعا لنظريات الرواية الجديدة من خلال كتابه الكلاسيكي “من أجل رواية جديدة”، الذي أسس إطارا نقديا متقدما للحركة.
ولم يغب عن الحركة صوت ميشيل بوتور، الذي أضاف إلى النظرية الروائية بصمته المميزة عبر مجموعته النقدية المهمة بعنوان “بحوث في الرواية الجديدة” ((Essais sur le roman سنة 1969. وفي هذه الأعمال، حمل بوتور الرواية وظيفة استكشافية، ورأى فيها شكلا خاصا من أشكال القصة التي تتحقق من ذاتها بوصفها مختبرا سرديا يسمح باستجواب بنياته وأسئلته الجوهرية.
(https://www.mcgill.ca/tsar/fr/bibliographie/michel-butor?utm)
والأهمية تتضاعف حين نراه قد وضع في متناول القارئ العربي بترجمة دقيقة من فريد أنطونيوس، ونشرت الطبعة العربية الأولى عن منشورات عويدات في بيروت عام 1971، وهو ما توثق في سجلات المكتبات الأكاديمية في لبنان والمغرب.
(https://down.ketabpedia.com/files/bkb/bkb-ar05116-ketabpedia.com.pdf)
بهذا التأطير، نجد أن الرواية الجديدة لا تتعلق بمضمون السرد فقط، بل تشتغل على بنى السرد وتنسجه، وتحول الرواية إلى فعل فلسفي وسردي يتساءل عن ذاته ويتجاوزها. لقد تميز بوتور عن رفاقه في الحركة بعدة خصائص مهمة. فبينما ركز روب-غرييه على “الموضوعية” والوصف الدقيق للأشياء دون تدخل سيكولوجي، وبينما اهتمت ناتالي ساروت بالحوارات الداخلية الخفية والتروبيزمات (الحركات النفسية اللاواعية)، فإن بوتور قد جمع بين الاهتمام بالبنية السردية والانشغال الفلسفي العميق. كما تميز بانفتاحه الواضح على الثقافات الأخرى، خاصة الثقافة العربية، مما أكسب أعماله بعدا كونيا مميزا.
أما كلود سيمون، الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1985، فقد شارك بوتور الاهتمام بتقنيات الذاكرة والتداعي الحر، لكنه أضفى على نصوصه عمقًا بصريًّا شعريًّا ودقة تكوينية متفردة. لقد وصفه الأكاديميون بأنّه “يكتب كما يرسم الرسام”، حيث تتشكل الجُمل والتصاوير من الداخل، دون خطة مسبقة، بل بفعل تركيب لغوي ينسج الصور كما يُنسج مشهد (بناء لغوي أشبه بـ “مونتاج”)
وفي خطابه في احتفال جائزة النوبل، أكد أن الكتابة تنبع من “مغما من الكلمات والعواطف” (magma de mots et d’émotions)، وأن المعنى لا يحدد سلفا، بل ينتج في أثناء الفعل الكتابي ذاته.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن بوتور قد احتل موقعا وسطيا متميزا بين أعضاء هذه المجموعة، فهو لم يذهب إلى التطرف التقني الذي ذهب إليه بعضهم، كما أنه حافظ على قدر من الوضوح والمقروئية جعل أعماله أكثر انتشارا وتأثيرا. وقد انعكس هذا في النجاح التجاري والنقدي الذي حققته رواية “التغيير”، والتي ترجمت إلى عشرين لغة ولا تزال إلى يومنا هذا الأكثر قراءة من بين أعمال الرواية الجديدة.
إن هذا التنوع داخل وحدة الهدف العام هو ما أكسب حركة الرواية الجديدة ثراءها وتأثيرها الواسع، فقد قدم كل كاتب من كتابها رؤية خاصة ومساهمة مميزة في مشروع التجديد الروائي، مما جعل الحركة ككل أكثر شمولية وقدرة على التأثير في مسار الأدب العالمي. وقد أكد هذا التأثير انتشار تقنيات الرواية الجديدة في آداب مختلفة حول العالم، بما في ذلك الأدب العربي الذي شهد تفاعلا خصبا مع هذه التجارب التجديدية.
-III تأثير ميشيل بوتور على الرواية العربية
بعد أن استعرضنا خصائص ميشيل بوتور ومشروعه الأدبي وتيار “الرواية الجديدة” الذي ينتمي إليه، يصبح من الضروري أن نتوقف عند محطة بالغة الأهمية في مسار هذه الدراسة، وهي رصد مظاهر تأثير هذا التيار، وبوتور على وجه الخصوص، في الرواية العربية. إن هذا التأثير لم يكن مجرد استنساخ أعمى لتقنيات غربية، بل كان عملية معقدة من التفاعل والتمثُل، حيث استقبل الروائي العربي الأفكار الغربية الجديدة وقام بتوطينها ضمن سياق ثقافي وحضاري مختلف، مما أضفى على التجربة العربية طابعا فريدا.
1- السياق العربي: التحول من الواقعية إلى التجريب
لم يأت تأثير “الرواية الجديدة” على السرد العربي من فراغ، بل كان نتيجة حتمية لسياق ثقافي وفكري شهد تحولات عميقة في النصف الثاني من القرن العشرين. فبعد مرحلة هيمنت فيها الرواية الواقعية، التي كانت مرتبطة بمشاريع التحرر الوطني والالتزام الاجتماعي، بدأ الروائيون العرب يشعرون بالحاجة إلى أدوات تعبيرية جديدة تستطيع أن تستوعب تعقيدات المرحلة التي تلت الاستقلال، والتي اتسمت بالانكسار السياسي والإحباط الفكري.
أ) صعود تيارات ما بعد الحداثة في السرد العربي
تزامن صعود تيارات ما بعد الحداثة في الأدب العربي مع ظهورها في الغرب، كاستجابة لفشل الروايات الكبرى ومركزية العقل. وقد كان الأدب العربي منفتحا على هذه التطورات بفضل نشاط الترجمة والبعثات الثقافية. استعاد الكتاب العرب مفاهيم مثل تفكيك السرديات الكبرى وتعددية المعنى ورفض المركزية، بما يعكس العالم المترنح من حولهم، ويعبر عن تعدد الأصوات وعدم الثبات.
ومن أبرز الأصوات النقدية التي أرخت لهذا التحول، الناقد العراقي عبد الله إبراهيم، الذي اشتغل على تحليل البنى السردية في علاقتها بالهوية والمرجعيات الثقافية. ففي أعماله مثل السردية العربية والتخيل التاريخي، يوضح كيف أن السرد العربي الحديث لم يكتف بتلقي مفاهيم ما بعد الحداثة، بل أعاد إنتاجها ضمن بيئته الثقافية الخاصة، مولّدا بذلك نصوصا تحتفي بالهامشي والمسكوت عنه، وتعيد صياغة العلاقة بين النص والواقع والتاريخ.
لقد أتاح هذا التفاعل للسرد العربي أن يطوّر أشكالا سردية هجينة، تنفتح على التعدّد واللايقين، وتجعل من الكتابة مجالا للتجريب والبحث عن المعنى خارج الأطر الثابتة.
(عبد الله إبراهيم، موسوعة السرد العربي، قنديل، دبي، ط. 1، 2016)
ب) الحاجة إلى تفكيك البنية الكلاسيكية
بعد أن خدمت الرواية الواقعية العربية أهدافها في مرحلة معينة، حيث نجحت في تصوير الواقع الاجتماعي والسياسي ببراعة، أصبح رواد السرد العربي يشعرون بأن بنيتها التقليدية لم تعد كافية للتعبير عن عمق التحولات النفسية والفلسفية التي يمر بها الإنسان العربي. كانت الرواية الكلاسيكية تعتمد على حبكة خطية، وشخصيات واضحة المعالم، وسارد عليم يوجه القارئ، وهي خصائص باتت قاصرة عن استيعاب تعقيدات الواقع.
وهنا برزت الحاجة إلى تفكيك هذه البنية الكلاسيكية والانفتاح على آفاق جديدة في الكتابة. لقد أدرك الروائي العربي أن الحقيقة لم تعد مجرد شيء يمكن تصويره من الخارج، بل هي تجربة ذاتية معقدة تتطلب أدوات تعبيرية أكثر مرونة. وقد وجد هؤلاء الروائيون في تجارب “الرواية الجديدة”، وعلى رأسها تجربة بوتور، ما يلبي هذه الحاجة ويفتح أمامهم أبواب التجريب.
2- مظاهر التأثر
لم يكن تأثير بوتور مجرد تأثر فكري مجرد، بل تجسد في تقنيات فنية محددة تسللت إلى نصوص الرواية العربية، وساهمت في إحداث ثورة حقيقية في أساليب السرد. يمكننا رصد هذه المظاهر في عدة جوانب رئيسية:
أ) تقنيات السرد غير الخطي
تعتبر هذه التقنية من أبرز مظاهر التأثر، حيث تخلّى عدد من الروائيين العرب عن التسلسل الزمني للأحداث لصالح بنية سردية مركّبة تقوم على التشظي والتداخل والاسترجاع (الفلاش باك). فبدلا من أن تسير الحكاية من البداية إلى النهاية بشكل مباشر، تتشابك خيوطها الزمنية، وتتعدد زوايا رؤيتها، مما يجعل القارئ مضطرا إلى إعادة بناء الحكاية في ذهنه.
ولعل الروائي المصري إدوار الخراط هو أبرز من استوعب هذه التقنية ووطنها في السرد العربي. ففي روايته الشهيرة “رامة والتنين”، لا يتبع الخراط تسلسلا زمنيا محددا، بل يقدم الأحداث في شكل شذرات وقطع متناثرة من الذاكرة والوعي، حيث تمتزج حكايات الطفولة بالحبكة الرئيسية، وتتداخل الأحداث التاريخية مع التجربة الذاتية للشخصيات. وقد وصف الخراط نفسه روايته بأنها “نوع من التتابع المتناثر الذي لا يخضع لمنطق زمني أو سببي، بل لمنطق التداعي”. ويعرف عن الخراط إعجابه الكبير بالرواية الجديدة وتحديدا بوتور، وقد ترجم أعمالا لألان روب-غرييه، مما يؤكد وعيه الكامل بهذه التيارات.
كما نجد هذه التقنية حاضرة بقوة في أعمال الروائي الجزائري واسيني الأعرج، وخاصة في رواياته مثل “سيدة المقام” و”البيت الأندلسي”. ففي “سيدة المقام”، تتداخل الأزمنة التاريخية مع الحاضر، وتختلط أصوات الشخصيات لتشكل نسيجاً سردياً معقداً، لا يكتمل إلا بتفاعل القارئ معه.
ب) تداخل الأزمنة والمكان
إذا كانت الرواية الكلاسيكية تفصل بوضوح بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتحدد الأمكنة بشكل دقيق، فإن الرواية العربية التجريبية، متأثرة بـ “الرواية الجديدة”، قامت بتحطيم هذه الحدود. لم يعد الزمن مجرد خط مستقيم، بل أصبح زمنا نفسيا ذاتيا يتمدد ويتقلص وفقا لحالات الوعي. كما أصبح المكان عنصرا ديناميكيا يتداخل مع الزمن والوعي، فلا يقتصر على كونه إطارا للأحداث، بل يصبح جزءا من التجربة النفسية للشخصيات.
يعتبر الروائي الفلسطيني جبارة خوري من أبرز من وظفوا هذه التقنية ببراعة، ففي روايته “فجر الانتظار”، تتداخل أزمنة ثلاثة: زمن الحاضر، وزمن الذاكرة (الماضي)، وزمن التوقع (المستقبل). وهذه الأزمنة لا تتسلسل منطقيا، بل تتداخل في وعي الشخصية الرئيسية وتتراكب بشكل فني معقد. يقول خوري عن هذا الأمر: أنا لا أرى الزمن كخط مستقيم، بل كدائرة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر والمستقبل، فالذاكرة ليست مستودعا للماضي، بل هي وعي مستمر بالحاضر والمستقبل.
أما جمال الغيطاني في روايته “الزيني بركات”، فيقدم نموذجا فريدا لتداخل الزمن والمكان. فرغم أن الرواية تدور في القاهرة المملوكية، إلا أن الزمن فيها ليس زمنها التاريخي، بل هو زمن نفسي يتداخل مع الحاضر السياسي، حيث يصبح الماضي مرآة للحاضر، والمكان إحالة على صراع السلطة والتاريخ. وقد وصف الناقد المصري جابر عصفور هذه الرواية بأنها عمل روائي يتلاعب بالزمن ببراعة، مما يجعله ينتمي إلى موجة التجريب الحديثة في السرد العربي.
ج) توظيف الوعي الذاتي في الكتابة
لقد تميزت “الرواية الجديدة” بتركيزها على الوعي الذاتي للشخصية، وتوظيفها لتقنيات مثل “تيار الوعي “والمونولوج الداخلي. وقد انتقلت هذه التقنيات إلى الرواية العربية لتشكل أحد أهم مظاهر التحول من السرد الخارجي إلى السرد الداخلي.
يعتبر الروائي السوداني الطيب صالح، في روايته “موسم الهجرة إلى الشمال”، من أبرز من استوعب هذه التقنيات. فالرواية ليست مجرد حكاية عن عودة مثقف سوداني إلى بلاده، بل هي رحلة في أعماق وعيه، حيث تتنازع في داخله الهوية العربية والإنجليزية، والشرق والغرب، والماضي والحاضر. إن السرد في الرواية لا يعتمد على الأحداث الخارجية بقدر ما يعتمد على تداعيات الوعي الذاتي للشخصية الرئيسية، وتداخل الأصوات في داخلها.
وقد أشار الناقد اللبناني محسن جاسم الموسوي إلى هذا الجانب في تحليله لرواية الطيب صالح، حيث قال: إن ‘موسم الهجرة إلى الشمال’ تعتبر من أولى الروايات العربية التي وظفت تيار الوعي بمهارة عالية، مما جعلها تتجاوز حدود الواقعية لتدخل في فضاء التجريب النفسي.
تعتبر رواية “في تلك الرائحة” لصنع الله إبراهيم عملا أدبيا تجريبيا بارزا يعتمد على توظيف الوعي الذاتي، مما يجعلها نموذجا لأدب ما بعد الصدمة. فالرواية لا تقدم حكاية تقليدية، بل هي مجموعة من الملاحظات اليومية التي يسجلها سجين سياسي سابق بعد خروجه من المعتقل. يعتمد السرد بشكل كامل على الوعي الداخلي للشخصية وتداعياتها النفسية، حيث يصف البطل روتين حياته المملة وتفاصيلها الدقيقة. هذا الأسلوب يذكرنا بأسلوب “الرواية الجديدة” الذي يرفض الحبكة التقليدية ويركز على تيار الوعي. تركز الرواية على موضوعات أساسية مثل الاغتراب، والإحباط من فشل الحلم الثوري، والفراغ الوجودي. ويستخدم الكاتب أسلوبا سرديا مجردا وموضوعيا يصف فيه الأحداث والمشاعر دون تحليل، مما يجعل الرواية وثيقة فنية تعكس حالة الخيبة النفسية والسياسية التي سادت في مصر بعد نكسة 1967. وقد أثار هذا العمل جدلا واسعا عند صدوره عام 1969، مما أدى إلى منعه لفترة.
-IV من يقابل بوتور في الرواية العربية؟
إن محاولة إيجاد نظراء لميشيل بوتور في الرواية العربية لا تعني بالضرورة البحث عن نسخ طبق الأصل من تجربته، بل هي محاولة لرصد روائيين عرب قاموا بمشروع تجريبي مماثل في أهدافه وغاياته، وإن اختلفت أدواته ومراجعه. فقد سعى هؤلاء الكتاب، مثلما فعل بوتور، إلى تحرير الرواية من قوالبها التقليدية وفتح آفاق جديدة في السرد العربي.
1- إدوار الخراط
يعتبر الروائي المصري إدوار الخراط (1924-2015) أبرز من يقابل بوتور في الرواية العربية، فهو لم يكتف بالتأثر بالتيارات الغربية الحديثة، بل انخرط في مشروع تجريبي واعٍ، طور من خلاله أسلوبا فريدا في الكتابة.
أ) رواية “رامة والتنين” كنموذج للرواية التجريبية
تعتبر رواية “رامة والتنين” للكاتب إدوار الخراط، التي صدرت عام 1980، بمثابة بيان عملي لمشروعه التجريبي، حيث تكسر حدود الأجناس الأدبية التقليدية وتتخلى عن الحبكة لصالح بنية مفتوحة تقوم على التداعيات والذكريات. هي ليست قصة متماسكة، بل أشبه بلوحة فنية متشظية يعتمد سردها على اللاخطية والتداخل، مما يتطلب من القارئ جهدا في إعادة بنائه. يدور النص حول علاقة عاطفية معقدة بين راو غامض وشخصية “رامة” التي ترمز للأنوثة والحياة، بينما يرمز “التنين” لقوى القمع والموت. يستخدم الخراط لغة شعرية مكثفة وغنية بالرموز والأسطورة، ويوظف تقنية تعدد الأصوات، مما يخلق عالما سرديا فريدا يتجاوز الواقع. تصنف الرواية ضمن تيار الحداثة في الأدب العربي، وتلتقي في رفضها للحبكة التقليدية وبنيتها المفتوحة مع أعمال مثل رواية “التغيير” لبوتور.
ب) تأثره بالحداثة الغربية، خاصة الرواية الجديدة
كان إدوار الخراط مثقفا منفتحا على التيارات الفكرية والأدبية الغربية، وقد عبر في حوارات متعددة عن تأثره العميق بالرواية الجديدة، خاصة تجربة آلان روب-غرييه الذي ترجم له عدة أعمال، إلى جانب ميشيل بوتور وناتالي ساروت، الذين اعتبرهم من الأساتذة الكبار الذين ألهموه في مشروعه التجديدي. هذا التأثر لم يكن سطحيا، بل كان واعيا ومثمرا، سمح له بتطوير تقنيات سردية خاصة استوعبت هذه الأفكار وطوعتها لخدمة السياق العربي.
وقد تبنى الخراط مشروعا أدبيا طموحا لتجديد السرد العربي، أطلق عليه “الحساسية الجديدة”، وهو تصور يتجاوز التجريب اللغوي أو الشكلاني، ليعكس تحولا في الرؤية الجمالية والفكرية. تأثره بالرواية الجديدة الفرنسية تجلى في تفكيك البنية التقليدية للسرد، والتخلي عن التسلسل الزمني الصارم، وتقديم سرد داخلي متشظ، واستخدام لغة شعرية كثيفة تتجاوز الوظيفة التقريرية، مع التركيز على الذات والوعي والتفاصيل الحسية.
لكن الخراط لم يكتف بالاقتباس، بل أعاد صياغة هذه المفاهيم ضمن سياق عربي متجذر، متأثرا بالثقافة القبطية، والروحية الصوفية، والتجربة المصرية الحديثة، ليخلق سردا لا يقلد الغرب بل يتحاور معه، ويمنح الأدب العربي أفقا جديدا يجمع بين الأصالة والانفتاح.
2- الطيب صالح
الروائي السوداني الطيب صالح (1929–2009) هو من أبرز الأصوات التي أسهمت في تجديد الرواية العربية، إذ حملت أعماله بصمة سردية متفردة تمزج بين المحلي والعالمي، وتستكشف تعقيدات الهوية والاغتراب الثقافي. ورغم أن تجربته التجريبية تختلف في جوهرها عن تجربة إدوار الخراط، فإنها لا تقل عنها عمقًا أو ابتكارًا؛ فقد انطلقت من خصوصية سودانية ريفية مشبعة بالرموز والأساطير، وامتزجت برؤية حداثية تتأمل أثر الاستعمار والتداخل الحضاري. لقد اختار الطيب صالح أن يحدث خلخلة داخل النموذج الكلاسيكي للرواية من خلال توظيف اللغة الشعرية، وتعدد الأصوات، والانفتاح على البعد الصوفي والميتافيزيقي. يمكن القول إن الطيب صالح كان حداثيا بطريقته الخاصة، متأثرا بالتحولات الفكرية العالمية، دون أن يكون تابعا لأي مدرسة بعينها.
أ) رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” وتفكيك الهوية والسرد
إن رواية “موسم الهجرة إلى الشمال “ليست مجرد قصة عن صراع الحضارات، بل هي أيضا نص تجريبي يفكك مفاهيم الهوية والسرد. فالرواية لا تقدم حكاية واحدة، بل حكايتين متوازيتين ومتداخلتين: حكاية الراوي المجهول، وحكاية مصطفى سعيد. وهذا التداخل يخلق بنية سردية معقدة تتجاوز حدود الواقعية. كما أن الرواية توظف ببراعة تقنية تعدد الأصوات وتيار الوعي، مما يجعل القارئ ينغمس في أعماق الوعي المتشظي للشخصيات.
ب) تقاطع مع بوتور في البنية الزمنية المتداخلة
لا شك أن هناك تقاطعا بين الطيب صالح وميشيل بوتور في التعامل مع الزمن، رغم اختلاف الأسلوب لكل منهما. فكما هو الحال في رواية بوتور “التغيير” التي تكثف أحداثها في إطار زمني محدود، تتلاعب رواية الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” بالزمن ببراعة.
فالرواية لا تسير في خط زمني مستقيم، بل تترابط فيها الأحداث الماضية بالحاضرة في نسيج سردي واحد، مما يخلق إحساسا بالزمن النفسي يختلف عن الزمن الخطي التقليدي. هذا التلاعب الزمني يمنح السرد مرونة في التنقل بين الأحداث، ويجعل الماضي حاضرا ومؤثرا في الواقع الراهن. وقد وصف الناقد محمود أمين العالم هذه الرواية بأنها عمل فني يدمج ببراعة بين الواقعية السحرية والتجريب الحداثي، حيث يظهر التجريب في البنية السردية المبتكرة، بينما تتجلى الواقعية السحرية في دمج الواقع الملموس مع العناصر الأسطورية والرمزية:
– التجريب الحداثي: يظهر في تلاعب الرواية بالزمن، وتعدد الأصوات السردية (على الرغم من أن الراوي الأساسي هو الراوي المجهول، إلا أننا نسمع صوت مصطفى سعيد من خلال استرجاعاته)، وتوظيف الرمزية بشكل مكثف.
– الواقعية السحرية: تتجلى في دمج الواقعي الملموس (الحياة في القرية السودانية) مع العناصر الأسطورية والغرائبية (مثل شخصية مصطفى سعيد نفسها التي تبدو شبه أسطورية، وتأثيره الساحر على النساء، وغرقه الغامض). هذه العناصر لا تقدم كأمور خارقة، بل كجزء طبيعي من نسيج الواقع.
3- جمال الغيطاني
يعتبر الروائي المصري جمال الغيطاني (1945-2015) حالة فريدة في الأدب العربي، فقد نجح في المزج ببراعة بين توظيف التراث الإسلامي والعربي والانفتاح على التجريب الحداثي، ليقدم بذلك نموذجا روائيا يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
أ) توظيف التراث بأسلوب تجريبي
جمال الغيطاني كان منفتحا على التيارات الأدبية الغربية، وقد تأثر بالعديد من تقنيات الرواية الجديدة، وخاصةً فيما يتعلق بالتعامل مع الزمن وتفكيك السرد الخطي. في روايته “الزيني بركات”، لا يكتب الغيطاني قصة، بل يعيد إنتاجه بأسلوب حداثي. هو يكسر حاجز الزمن من خلال تداخل الماضي بالحاضر، ويقدم أحداثا تاريخية من خلال منظورات مختلفة (تقارير المخبرين، يوميات الزيني نفسه، إلخ)، وهذا التعدد في الأصوات والزوايا يفكك السرد الموحد للسلطة.
يتقاطع أسلوب جمال الغيطاني في “الزيني بركات” مع تقنية الإطاحة بالحواجز التي اشتهر بها بوتور. فكلا الكاتبين كان يسعى إلى تجاوز الحدود التقليدية التي تفصل بين:
– الماضي والحاضر: الغيطاني لم يكتب عن التاريخ كشيء منفصل عن الحاضر، بل مزج بينهما ليظهر أن آليات الاستبداد والقمع تظل قائمة عبر العصور.
– التاريخ والرواية: الغيطاني لم يكتف بنقل الوقائع التاريخية، بل أعاد تشكيلها روائيا ليقدم حقيقة فنية أعمق من الحقيقة الوثائقية.
– الأجناس الأدبية: الغيطاني في “الزيني بركات” يمزج بين السرد الروائي ووثائق التاريخ وخطابات المخبرين، مما يكسر الحواجز بين هذه الأنواع الأدبية المختلفة.
ب) تقنيات سردية تقترب من بوتور في “الزيني بركات”
تتفق روايتا “الزيني بركات” لجمال الغيطاني و”التغيير” لميشيل بوتور في الأهداف التجريبية، رغم اختلاف الأدوات السردية المستخدمة. فكلا الكاتبين سعى إلى تجاوز الأساليب التقليدية للرواية وكسر فكرة السارد العليم.
• توظيف الوثيقة السردية
يستخدم الكاتبان الوثائق كأساس لبناء عالمهما الروائي، ولكن بنهج مختلف:
– جمال الغيطاني في “الزيني بركات” يعتمد على وثائق تاريخية مثل تقارير المخبرين والمخطوطات، ليفكك السرد الخطي ويقدم الحكاية من منظورات متعددة، مما يدفع القارئ إلى إعادة بناء الأحداث بنفسه.
– أما ميشيل بوتور في “التغيير” فيوظف الوثيقة النفسية، أي تيار الوعي، ليجسد الرحلة الداخلية للبطل واسترجاعاته الذهنية. القارئ هنا يجمع شتات حياة الشخصية من خلال تدفق أفكارها وذكرياتها المتشظية.
• كسر السرد التقليدي
يتمثل التقاطع بينهما في رفضهما للسرد التقليدي وكسر فكرة السارد العليم:
– يقدم الغيطاني أصواتا متعددة ومتناقضة، مما يجعل الحقيقة نسبية ومركبة.
– في المقابل، يضع بوتور القارئ داخل وعي شخصية واحدة تواجه التناقضات داخل هذا الوعي.
• التلاعب بالزمن والمكان
يظهر كلا الروائيين براعة في التلاعب بالزمن والمكان، ولكن بطرق متباينة:
– الغيطاني يكسر الخط الزمني التقليدي ليربط بذكاء بين أحداث تاريخية بعيدة وقضايا معاصرة.
– بينما بوتور يكثف الزمن في إطار محدود (رحلة قطار)، لكنه يجعله وعاء زمنيا يتسع لحياة كاملة.
4- واسيني الأعرج
الروائي الجزائري واسيني الأعرج (1954) هو من أبرز الأصوات السردية التي انخرطت في مشروع تجريبي طموح داخل الرواية العربية المعاصرة، مستلهما من تيارات الحداثة وما بعد الحداثة، دون أن يفقد صلته بالهم التاريخي والروحي المحلي. لقد انفتح على تقنيات الرواية الجديدة، لا بوصفها نموذجا جاهزا، بل كأفق جمالي يعيد تشكيل العلاقة بين اللغة والواقع، وبين الذات والسرد.
إن رواياته مثل “سيدة المقام” و”البيت الأندلسي” تحمل بصمات واضحة لهذا الانفتاح التجريبي. ففي سيدة المقام، تتقاطع الحكايات ضمن بنية فسيفسائية، حيث يوظف تعدد الأصوات وتداخل الأزمنة والمكان، في سرد يتجاوز الخطية التقليدية ليعيد تشكيل الذاكرة الجماعية من خلال منظور فردي متشظ. أما البيت الأندلسي، فينهض على تقنية الاسترجاع وتداعي الأفكار، فيما يشبه “تيار الوعي”، حيث تتداخل الأزمنة وتتماهى الذات مع الآخر، في سرد يقترب من البعد التأملي الفلسفي، دون أن يغفل عن البعد التاريخي و’الهوياتي’.
هذا التوظيف للتقنيات السردية الحديثة لا يعتبر استنساخا للرواية الجديدة الفرنسية كما عند مشيل بوتور، بل هو استيعاب نقدي لها، يعيد إنتاجها ضمن سياق ثقافي عربي، ينهل من التراث الروائي المحلي، ويعيد مساءلته بلغة شعرية كثيفة، تتجاوز الوظيفة التواصلية نحو أفق جمالي وفكري. فالأعرج لا يكتب الرواية بوصفها حكاية، بل بوصفها سؤالا وجوديا، ومختبرا لغويا، ومجالا لتفكيك الذاكرة والهوية.
إن مشروع واسيني الأعرج يجسد كيف استطاعت الرواية العربية المعاصرة أن تستوعب تقنيات الرواية الجديدة، وتعيد توظيفها في سياقها الخاص، لتنتج سردا يتسم بالعمق، والتعدد، والانفتاح على الأسئلة الكبرى للوجود والكتابة.
-V نقد المقارنة: حدود التأثر وتباين السياقات
على الرغم من التقاطعات الواضحة بين تجربة ميشيل بوتور وتيار “الرواية الجديدة” وبين الرواية العربية التجريبية، إلا أن المقارنة بينهما تتطلب حذرا نقديا، فالتأثر ليس استنساخا، والتمثل لا يلغي الخصوصية. لذا، من الضروري رصد حدود هذا التأثر وتباين السياقات التي أنتجت كلتا التجربتين.
1- اختلاف المرجعيات الثقافية
لقد نشأت الرواية الجديدة في سياق ثقافي أوروبي معين، تأثر بفلسفات ما بعد البنيوية، والفينومينولوجيا، ونظريات التحليل النفسي، بالإضافة إلى تطور الفنون الأخرى كالسينما والموسيقى. كانت هذه المرجعيات الفكرية هي التربة التي نبتت فيها أفكار بوتور وزملائه.
أما الرواية العربية، فمرجعيتها الثقافية مختلفة تماما. فقد نشأت في سياق يمزج بين التراث العربي الإسلامي، والواقع السياسي والاجتماعي المتأزم، ومشاريع الحداثة الناقصة. ولعل الروائي التونسي محمود المسعدي يلخص هذا التباين بما مضمونه: نحن ننطلق من أرضية عربية، وتراث ثقافي عربي، بينما الغرب ينطلق من مرجعياته الخاصة. هذا الاختلاف في المرجعيات جعل الروائي العربي التجريبي يوظف التقنيات الغربية لخدمة قضايا محلية، مثل الهوية، والذاكرة التاريخية، وصراع الشرق والغرب، بدلا من انشغاله بقضايا غربية مثل غياب الموضوع أو الوجودية المجردة.
2- الرواية العربية بين التجريب والالتزام
لقد سعت “الرواية الجديدة” في فرنسا، منذ خمسينيات القرن العشرين، إلى تحرير الرواية من كل التزام خارجي، سواء كان سياسيًا أو اجتماعيًا أو أخلاقيًا. فقد آمن روادها، أمثال آلان روب-غرييه ومشيل بوتور، بأن وظيفة الرواية ليست خدمة قضية، بل اكتشاف إمكانيات السرد ذاته، وإعادة تشكيل العلاقة بين اللغة والواقع. يقول روب-غرييه في كتابه “من أجل رواية جديدة”: “الرواية لم تعد تروى، بل تكتب.” وهذه الفكرة تختزل التحول الجوهري في تصور الكتابة الروائية، حيث يصبح الشكل هو الموضوع، واللغة هي الحدث.
في المقابل، لم تستطع الرواية العربية التجريبية أن تتخلص بشكل كامل من عباءة الالتزام، فجذورها متصلة بالواقع السياسي والاجتماعي، وتاريخها مرتبط بالحركات الفكرية والنضالية. حتى الروايات التي تصنف ضمن التجريب الجريء، مثل “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف، تظل مشبعة بنقد بنيوي للسلطة والاقتصاد الريعي في الخليج، حيث يعاد تشكيل التاريخ من خلال سرد تفكيكي للحداثة المشوهة. أما “رائحة الصابون” لعلاء الديب، فرغم بنائها الفني القائم على التداخل الزمني وتعدد مستويات السرد، فإنها تظل في جوهرها رواية عن الانكسار الفردي في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية، وعن الذات المهمشة في مواجهة واقع مأزوم.
هذا وإن الرواية العربية، وإن تبنت بعض تقنيات الرواية الجديدة، فإنها لم تتبنّ فلسفتها بالكامل. فهي تكتب من داخل السياق، لا من خارجه، وتحاور الواقع بدل أن تنفصل عنه. وهذا ما يجعل التجريب فيها مشروطا بالالتزام، لا نقيضا له، ويمنحها خصوصية سردية تعيد تشكيل العلاقة بين الفن والواقع، دون أن تسقط أحدهما.
3- هل كان التأثر واعيا أم ضمنيا؟
يطرح هنا سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة بين الرواية العربية التجريبية والرواية الجديدة الفرنسية: هل كان التأثر واعيا ومباشرا، أم ضمنيا وغير معلن؟ إن الإجابة لا تنحصر في ثنائية جامدة، بل تنفتح على طيف من التفاعلات المعرفية والجمالية، تتراوح بين التبني الواعي للمقولات النظرية، والتأثر غير المباشر بروح التجريب التي سادت في النصف الثاني من القرن العشرين.
التأثر الواعي يتجلى بوضوح لدى روائيين مثل إدوار الخراط، الذي أعلن صراحة عن إعجابه بالرواية الجديدة، وخصوصا أعمال ميشيل بوتور، وقام بترجمة بعضها إلى العربية، كما في ترجمته لرواية التحول أو التغيير لبوتور، التي تعتبر من أبرز نماذج الرواية الجديدة، حيث يلغى فيها السرد التقليدي لصالح تيار الوعي والتأمل الداخلي. الخراط في كتابه الكتابة عبر النوعية يصرح بأن الرواية الجديدة فتحت أمامنا بابا للكتابة بوصفها فعلا وجوديا، لا مجرد سرد للأحداث، مما يكشف عن وعيه النقدي العميق بهذه المدرسة.
كذلك، واسيني الأعرج، بحكم تكوينه الأكاديمي وانفتاحه على الثقافة الفرنسية، كان على دراية كاملة بهذه التيارات. في رواياته مثل أصابع لوليتا وسيدة المقام، نلمس توظيفا لتقنيات الرواية الجديدة: تعدد الأصوات، تداخل الأزمنة، وانزياح السرد نحو البعد التأملي، مما يظهر تأثرا واعيا وإن لم يكن مصرحا دائما.
التأثر الضمني نجده عند روائيين آخرين، حيث لا يعلن التأثر، لكنه يتسرب عبر “روح العصر” التي انتقلت إلى المشهد الثقافي العربي من خلال الترجمات، المجلات الفكرية، والدراسات النقدية. فعلى سبيل المثال، الطيب صالح في موسم الهجرة إلى الشمال، لا يُحيل مباشرة إلى بوتور أو الرواية الجديدة، لكن بنية الرواية، القائمة على التداخل الزمني، وتفكيك الهوية، والانزياح عن السرد الخطي، تُظهر تأثرًا ضمنيًا بروح التجريب التي كان بوتور من روادها.
كذلك، رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي للبشير خريّف، تُظهر بنية سردية متشظية، وتوظيفًا للغة بوصفها أفقًا جماليًا، لا مجرد وسيلة تواصل، مما يضعها في حوار غير مباشر مع تقنيات الرواية الجديدة، رغم انتمائها إلى سياق مغاربي خاص.
يمكن القول إن التأثر بالرواية الجديدة الفرنسية، وخصوصا بأعمال ميشيل بوتور، كان حاضرا بنوعيه:
– واعيا لدى من قرأوا هذه الأعمال وتفاعلوا معها نظريا وجماليا.
– ضمنيا لدى من استوعبوا روح التجريب من خلال المناخ الثقافي العام، دون إحالة مباشرة.
وهذا ما يجعل العلاقة بين الرواية العربية والرواية الجديدة علاقة حوار معقد، لا مجرد استنساخ أو تقليد. فالرواية العربية أعادت إنتاج هذه التقنيات ضمن سياقها الخاص، المرتبط بالهوية، التاريخ، والالتزام، مما منحها فرادة سردية تستحق التأمل.
الخاتمة
ختاما، يمكننا أن نؤكد أن ميشيل بوتور لا يمثل مجرد محطة في تاريخ الرواية الفرنسية، بل هو ظاهرة أدبية وفكرية تجاوزت حدودها الجغرافية لتلتقي بتجارب سردية أخرى، أبرزها الرواية العربية. إن التأمل في مسيرة هذا الكاتب ومشروعه النقدي والإبداعي يكشف عن نقاط التقاء عديدة مع مسار الرواية العربية التجريبية، رغم اختلاف السياقات وتباين المرجعيات.
لقد مثل بوتور بحق جسرا بين الفلسفة والسرد، حيث لم تكن الكتابة لديه مجرد حكي لقصة، بل أداة للتفكير في طبيعة الوجود والوعي والزمن. إن تكوينه الفلسفي العميق، وتأثره بالتيارات الفكرية الكبرى في عصره، مكنه من تطوير تقنيات سردية تستطيع أن تحتوي تعقيدات الوعي الإنساني. هذه الرؤية الفلسفية للسرد هي ما وجد صداه لدى روائيين عرب مثل الطيب صالح، الذي استخدم السرد لاستكشاف قضايا الهوية والذات في عالم معقد، وإدوار الخراط، الذي وظف اللغة في استكشاف آفاق جديدة للوجود الإنساني. إن بوتور يذكرنا بأن الرواية، في جوهرها، هي فعل معرفي.
لم تتوقف الرواية العربية عن الحوار مع التيارات التجريبية العالمية، ولم يكن هذا الحوار مجرد تقليد أو استنساخ، بل كان تفاعلا خلاقا سمح للروائي العربي باستيعاب التقنيات الحديثة وتوطينها ضمن سياقه الثقافي الخاص. إن التجارب التي قدمها كل من جمال الغيطاني، وواسيني الأعرج، وغيرهما، تؤكد أن الرواية العربية ليست بمعزل عن التحولات التي يشهدها السرد العالمي. وهذا الحوار الدائم مع التجريب هو ما أكسب الرواية العربية حيوية وقدرة على التطور والتجدد.
ختاما، يمكن القول إن ميشيل بوتور يستحق أن يعاد قراءته في ضوء التحولات السردية العربية. إن دراسة أعماله ليست مجرد بحث في تاريخ الأدب الفرنسي، بل هي نافذة لفهم أفضل لمسار الرواية العربية التجريبية، وطرق تأثرها وتفاعلها مع التيارات العالمية. إن هذا البحث المقارن يمكن أن يفتح آفاقا جديدة أمام الباحثين والدارسين، ويكشف عن عمق العلاقة التي تربط بين الأدبين العربي والغربي، وهي علاقة قائمة على الأخذ والعطاء، والتمثُل والإضافة، لا مجرد التبعية.
المراجع
• مراجع نقدية وفكرية عربية
– إدوار الخراط – الكتابة عبر النوعية
– عبد الله إبراهيم – موسوعة السرد العربي، قنديل، دبي، 2016
– محسن جاسم الموسوي – دراسات في الرواية العربية
– جابر عصفور – مقالات نقدية حول جمال الغيطاني
– محمود أمين العالم – قراءات في الرواية العربية
• مراجع نقدية وفكرية غربية
(1957) Michel Butor – La Modification-
(1969) Michel Butor – Essais sur le roman-
(1963) Alain Robbe-Grillet – Pour un Nouveau Roman –
– الوجود والزمان Martin Heidegger
– الفينومينولوجيا Edmund Husserl
– الزمن والديمومة Henri Bergson
– مشكلات في شعرية دوستويفسكي Mikhail Bakhtine
• مصادر وثائقية وترجمات
ترجمة فريد أنطونيوس لرواية La Modification – منشورات عويدات، بيروت، 1971
https://down.ketabpedia.com/files/bkb/bkb-ar05116-ketabpedia.com.pdf
https://www.mcgill.ca/tsar/fr/bibliographie/michel-butor
https://en.wikipedia.org/wiki/Maurice_Blanchot
*عبد الغفور مغوار – شاعر وكاتب وناقد من المغرب




