المجلة الثقافية الجزائرية

طبطبة

محمد حسين السماعنة. الأردن

 

مضت عشرون دقيقة بعد العاشرة صباحا ومحمد ابن أبي جمال يقف بثبات أمام محلات القرية ولما تفتح أبوابها، حتى الفرن كان مغلقا على غير عادته، ولم يكن في سوق القرية سوى مجموعة من النساء والرجال الذين يربطون رؤوسهم بعصائب حمر مكتوب عليها “شاهد طبطبة”، ويحملون بين أيديهم منشورات ملونة.

مشى محمد ابن أبي جمال إليهم، تناول من أحدهم منشورا وهمّ بقراءته، إلا أن الفضول استوقفه ليستمع إلى الحوار الصاخب الذي تعالت فيه أصوات أصحاب العصائب

صوت خشن: قرار سليم، واتفاق مدروس مختارنا -أطال الله في عمره – رجل حكيم.

صوت واثق: سيوقف الغش والكذب والفساد…

…وعرف محمد ابن أبي جمال من حوارهم أن اجتماع رجال القرية البارحة في المضافة قد طال وامتد حتى منتصف الليل، وأنهم اتفقوا على أن تكون الطبطبة على البطن والقفا وسيلة مشروعة مباحة لتعرف نوايا الشخص…

سارع لالتهام المنشور بعينيه

– “يا دكتور، اسمع اسمع، شوف هالحكي”، بموجب هذا الاتفاق فإنه يحق للرجل أن يطبطب ثلاثا على بطن البائع، أو الشاري، أو القائل، أو الشاكي لمعرفة سريرته. ويحق للمرأة أن تطبطب ثلاثا على بطن المرأة لمعرفة سريرتها، وللرجل أن ينتدب امرأة للطبطبة على بطن من يخطبها أو يتعامل معها، وللمرأة أن تندب رجلا للطبطبة على بطن من يخطبها أو تتعامل معه! منعا للاختلاط الذي يفسد الاخلاق ويدمرها…

الدكتور بلال ضاحكا: يا حلاوة!

وبغضب وحسرة أخذ محمد ابن أبي جمال يقرأ للدكتور بلال بنود الاتفاق: …وينص الاتفاق في بنوده المعلنة على أنه يسمح للمطبطب بثلاث طبطبات لا يتعداها. وأنه إذا قال المطبطب للمطبطب عليه بصيغة السؤال: أطبطب؟

فإنه يجب على المطبطب عليه أن ينحني انحناءة لطيفة باسمة واثقة ويقول طبطبوا..

وينص الاتفاق على استخدام الكف اليمنى في الطبطبة، وعدم رفعها فوق مستوى الصدر عند الطبطبة، وأن يحضر الطبطبة رجلان ذوا عدل، أو امرأتان ذواتا عدل.

وينص الاتفاق على أن تختار لجنة برئاسة المختار عشرين امراة وعشرين رجلا ذوي عدل مرخصين وظيفتهم الوقوف في السوق في مكان خاص معلوم مرتفع يشرف على السوق وشارع القرية لتلبية نداءات الطبطبة وفق سعر محدد مقداره عشرون قرشا.

الدكتور بلال باسما: ” يعني هيئة تنظيم الطبطبة

وينص الاتفاق على أنه إذا ظهرت على المطبطب عليه العلامات الآتية فإنه يحمل نوايا شر وفساد، ويجب أن يحبس في غرفة علاج خاصة لمدة ثلاثة أيام لا يأكل فيها سوى البطيخ في الصيف، والفجل في الشتاء:

ضحكة او ابتسامة، حك مكان الطبطبة، التنفس بعمق، كتم النفس، إغماض العينين، إخراج شي من أحد السبيلين، إخراج صوت…

تابع محمد ابن أبي جمال مشيه في الشارع الرئيس الذي يقسم القرية نصفين متقابلين وهو يتلفت يمنة ويسرة، ويهمس لنفسه:

“هههه صار البطن محكمةً للنوايا، والكف اليمنى جهاز كشف الكذب”.

رأى امرأةً على ناصية الشارع تطبطب على امرأة قال كل من حولهما إنهما جارتان، وليس بينهما أي معاملة، رأى كيف انفجرت من الجارة ضحكة قصيرة ثم شهقة طويلة، قبل أن تسحبَ إلى غرفة البطيخ والفجل.

رأى رجلاً يجر إلى غرفة البطيخ لأنه حك شاربه أثناء الطبطبة التي ارتفعت فيها الأيدي المطبطبة فوق الرأس، رأى كيف أن “أهل العدل” صاحوا به بقسوة وهم يجرونه من ناصيته وقدميه: يا صاحب النوايا السوداء، تحك شاربك؟!

 حاول محمد ابن أبي جمال أن يتوارى خلف جدار الفرن المغلق…

“ليتني عرفت بهذا العقد والاتفاق من قبل ليتني بقيت نائما في البيت!”

رأى على الرصيف أيدي كثيرة تجر طفلا من ناصيته وهو يتمسك بقميص أبيه ليهرب من الكفوف اليسرى واليمنى، لكن رجلا طويلا من لجنة العدل وضع يده على كتف الصغير مطمئناً: “لا تخف، سنطبطب على أبيك أيضاً.

ارتجفت في سماء القرية عيون كثيرة على إيقاع الكفوف المطبطبة اليمنى واليسرى وهي تهبط كالمطر على البطون في البيوت والزقاق على مقاعد الدراسة، حتى صار للهواء نفسه خشخشة الطبطبة. لم يبقَ من الكلام سوى ابتسامات مُجبَرة وصدور مقبوضة تنتظر سؤالاً واحداً: أطبطب؟

تكومت القرية كلها على بطن وكف ونسجت على حبل ابتسامة ساخرة واحدة حبل مطّاطي مشدود على ضربة وضحكة ساخرة ماكرة بين انحناءة واستكانة.

وانتصف النهار والناس يتبادلون الطبطبات في كل مكان، يطبطبون على من يعرفون ومن لا يعرفون، حتى صار المرور في السوق كالدخول إلى غابة…

وفي منتصف النهار صفق الرجال والنساء كثيرا للمختار وهو يمر من السوق كاشفا عن بطنه، مشى محمد ابن أبي جمال إليه بغضب، ركض في الشارع الرئيس، حاول الإمساك بذيل بغلته، تبعه إلى الزقاق الذي يحتضن عتبة بيته،

لكنّ يدًا غليظة اعترضته وسألته بنعومة ساخرة:

– أطبطب؟

تجمّد… تذكّر كلّ ما قرأه، البنود والمواد كلها، ابتسم، ثم همس بكلمات مرتعشة:

– طبطبوا…