بقلم: الشاعر رضا بوقفة
في مساءٍ خريفيٍّ من تلك البلدية الغريبة التي تُدعى “أيامٌ على الناس”،
حيث كانت الأوراقُ المتساقطة تُصدر حفيفًا كأنها تهمس بأسرار العابرين،
كان الشاعر يتمشّى وحيدًا.
يحمل في جيبه الأيمن دفترًا صغيرًا مُمزَّق الأطراف،
وفي الأيسر قصائدَ مطويّةً بعنايةٍ كرسائلِ حبٍّ لا تصل إلى أحد.
كان وجهُه يحمل سحابةً صامتة،
وعيناه تنظران إلى الأفق كما لو أنه يرى ما لا يراه الآخرون.
“أكتب كلَّ مساءٍ”،
هكذا كان يجيب لو سأله أحد،
“كمن يزرع في أرضٍ لا تُسقى،
لكني أعلم أن المطر سيأتي، ولو بعد حين.”
اللقاء الأول: الشاب المتسائل
وقف معه شابٌّ في العشرين من عمره،
نظراتُه تحمل فضولَ الشباب وحيويتَه.
سأله:
“ماذا تفعل في هذه الحدائق كلَّ مساء؟ أراك دومًا تحمل أوراقًا وتكتب.”
أخرج الشاعر إحدى القصائد من جيبه،
مسح عليها بيده، وكأنه يمسح غبارَ الزمن عنها.
قال بصوتٍ هادئٍ عميق:
“أنا أكتب، كلَّ مساء، كأنني أُراكم زمنًا لا يُقرأ بعد.”
نظر الشاب إلى القصيدة المتكوّمة بين أصابعه،
وحاول قراءة بعض الكلمات، لكنه لم يفهمها تمامًا.
فسأل ببراءة:
“لماذا تكتب ما لا يفهمه الناس الآن؟”
ابتسم الشاعر ابتسامةً خفيفة، وقال:
“لأن الكلمات تحتاج إلى وقتٍ كي تنضج،
كالثمار التي تُقطَف قبل أوانها.”
اللقاء الثاني: صديق المدرسة
وبينما كانا يتحدثان،
مرَّ بهما رجلٌ في منتصف العمر،
كان زميلًا للشاعر في أيام الدراسة.
نظر إلى الشاب، ثم إلى الشاعر، وقال بنبرةٍ فيها شيءٌ من الصدق أو الحقيقة.
“أيكلمك الشاعر عن أعماله؟ ما زلتَ على حالك يا صديقي؟
تكتب لمن لا يقرأ؟”
ردّ الشاب:
“نعم، يبدو أنه يكتب كثيرًا، لكن…”
قاطعه الصديق،
“اسمع يا بُنيّ، هذا الرجل يكتب منذ ثلاثين عامًا،
ولن يفهمه أحدٌ مما يكتب حتى يأتي عام 2040،
حينها فقط سنفهم ما كان يعنيه.”
الصمت العميق
سكت الشاعر، لم يبتسم ولم يغضب.
كان يعرف أن القصائد لا تُكتب للذين حوله،
بل للذين لم يُولَدوا بعد.
كان يشعر أن كلماته كالرسائل في زجاجةٍ تُلقى في بحر الزمن،
ستصل إلى شاطئ المستقبل.
أمسك بدفتره، وفتحه على صفحةٍ بيضاء،
وبدأ يكتب:
“أنا لا أكتب لأجلكم أيها الحاضرون،
أكتب لأحفادي الذين سيأتون،
سيقرأون كلماتي في ضوء القمر،
كما أقرأ أنا الآن نجومَ الليل البعيد.”
العودة إلى البيت
عاد الشاعر إلى بيته المتواضع،
جلس على كرسيه ، وأشعل الضوء الخافت.
على الجدران رفوفٌ مليئة بالدفاتر والمخطوطات،
كلُّ دفترٍ يحمل تاريخًا،
وكلُّ قصيدةٍ تحمل لحظةً من حياته.
فتح الدرج، وأخرج رسالةً قديمة من حبيبته التي تركته لأنها قالت له:
“أنت تكتب للعدم.”
حفظ الرسالة في أحد الدفاتر،
وكتب تحتها:
“ربما كانت مُحِقَّة، لكني لا أكتب للعدم،
بل للذي لم يأتِ بعد.”
الحلم
في تلك الليلة، حلم الشاعر بأنه في عام 2040،
شابٌّ في مقتبل العمر يقرأ إحدى قصائده في مقهى أدبي،
وحوله شبابٌ يُنصتون بإعجاب.
سأل أحدهم:
“من يكون هذا الشاعر؟”
أجاب القارئ:
“كان يعيش بيننا، لكننا لم نكن نراه.”
الصباح التالي
استيقظ الشاعر باكرًا،
وكتب على الصفحة الأولى من دفتره الجديد:
“لستُ وحيدًا،
فكلُّ كلمةٍ أكتبها
ستجد يومًا قلبًا يقرأها،
وعينًا تدمع لها،
وروحًا تستوعبها.
عام 2040 ليس رقمًا،
بل هو بابٌ أدقُّه كلَّ ليلة،
وأعلم أني لن أعبُره،
لكن كلماتي ستعبر،
وهذا يكفيني.”
خرج من بيته، والشمس تشرق على بلدية “أيامٌ على الناس”،
وعيناه تلمعان بالأمل.
كان يعلم أن الطريق طويل،
لكنه كان يؤمن أن كلَّ كلمةٍ يكتبها
هي بصمةُ روحٍ في صفحات الزمن.
هذا ما وقع لي بالأمس،
وهذا ما سأستمر فيه حتى يأتي ذلك اليوم،
حيث تصبح كلماتي جسرًا بين زمنين،
بين ماضٍ عشتُه، ومستقبلٍ سيعيشه غيري.
بقلم: الشاعر رضا بوقفة شاعر الظل
بلدية وادي الكبريت
ولاية سوق أهراس
الجزائر
مؤسس نمط الشعر اللغز الفلسفي والقصة اللغزية الفلسفية



