حاتم السروي
لا تكاد تخلو مائدة في كثيرٍ من دول العالم من الخبز، ولأنه الطعام الأساسي غالبًا فلا عجب أن يُذكَر في الكتب المقدسة التي يؤمن بها كثيرٌ من الناس؛ فالخبز مذكور في التوراة وتحديدًا في سِفر التكوين “بِعَرَقِ وجهك تأكل خبزًا” وفي الإنجيل “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله” وفي القرآن الكريم أيضًا، وبالتحديد في “سورة يوسف” قال تعالى: “وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه”.
وفي أوساط الناس يقال: “فلان يأكل لقمته بعرق جبينه” يعني يربح المال من عمل يديه؛ فصارت اللقمة مرادفًا للكسب المادي لأن شراء الخبز هو أحد الأهداف التي يعمل من أجلها الإنسان. ولما كان للخبز كل هذه الأهمية صار من المناسب معرفة أصله وحكاياته الطريفة في مختلف البلدان، فقصة الخبز من القصص المهمة والمسلية في نفس الوقت.
والبداية موغلة في القدم؛ فقد كانت الحبوب من قمح وشعير وعدس وما إليها هي الطعام الرئيسي للإنسان منذ خمسة عشر ألف سنة أو أكثر، ولم يُعرَف كيف يُعَدُّ الخبز بصورة قريبة مما نعرفه اليوم إلا في عهد الفراعنة (ملوك مصر القديمة) أي منذ حوالي خمسة آلاف سنة!
وفي بعض المتاحف الأثرية الآن نماذج لمختلف أنواع الخبز التي وُجِدَت مع آثار قُدَماء المصريين. ويؤخذ منها أنه كان خبزًا جيدًا، يُصنَع على أشكالٍ مختلفة، منها المستدير والمستطيل، ومنها ما يمثل طائرًا أو سمكة، أو على صورة الهرم أو أبي الهول، أو على شكل آنِيَة.
وكان الخبز لفترة طويلة أثناء عصور الفراعنة يقوم مقام النقود في التعامل بين الناس، حيث لم يكن المصريون يعرفون العملات في ذلك الوقت؛ بل كان البيع والشراء يعتمدان على نظام (المُقَايَضَة) كما كانت أجور موظفي الدولة جميعًا تصرف لهم خبزًا! وكان الفرعون يتحكم في ثروة البلاد عن طريق احتكار الحكومة للغلال.
وفي عهد الدولة الرومانية بلغت صناعة الخبز درجةً كبيرةً من الاتقان؛ على أن الإغريق كانوا أكثر عنايةً بهذه الصناعة؛ إذ كان الخَبَّازُون في (أثينا) يتم اختيارهم طبقًا لقواعد وشروط خاصة، وكان على كل منهم أثناء قيامه صناعته للخبز أن يضع يديه في قُفَّازَيْن من الكِتَّان الأبيض، كما يجب عليه أن يضع على أنفه وفمه قناعًا من الشاش!
وفي القرون الوسطى كان الخَبَّاز في ألمانيا يُعتَبَر من ذوي المكانة العالية في المجتمع، وكان القضاء يعاقب من يعتدي على أحد الخبازين بما يعادل ثلاثة أمثال العقوبة العادية.
وقد عُرَفَ نظام التخصص بين أولئك الخبازين الألمان؛ فكانت صناعة كُلٍّ من الخبز الأبيض أو الأسود أو الحلو أو المُمَلَّح تختص بها طائفة معينة من الخبازين، ولا يجوز للخباز في فئة الخبز الحلو – مثلًا- أن يتعدى اختصاصه فيصنع الخبز المُمَلَّح وإلا تعرض للعقاب، فكان جميع الخبازين يلتزمون باختصاصهم.
أما خَبَّازو القصور الملكية الفرنسية في القرون الوسطى فقد كان لِزامًا عليهم أن ينتجوا نحو عشرين نوعًا من الخبز؛ منها ما هو خاص بالملوك، ومنها ما يخص الأمراء، وثمة نوع لرجال الحاشية، وآخر للحرس الملكي، وثالث للوصيفات، ورابع لموظفي القصر والعاملين فيه، وهكذا..!
وقد عُنِيَ بعض حكام إنجلترا بإصدار قوانين تحدد نسبة ربح الخَبَّازِين؛ لأنَّ الخبز هو الطعام الأساسي للشعب، وفي سنة 1266م صدر في إنجلترا قانون يجعل نسبة هذا الربح 13% وظل هذا القانون ساريًا نحو خَمْسِمِئَةِ عام.
وكان الخَبَّازون في أوروبا يتنافسون في سرعة إنتاج الخبز. ويُروَى أن أميرًا هِنجاريًّا (مجريًا) تراهن مع زميلٍ له على تحويل الغلال إلى خبز في ساعة واحدة، وتمكن من كسب الرهان وقدره ألف جنيه إذ استطاع ذلك بمعاونة خَبَّازِيه.
وقد زادت سرعة إنتاج الخبز في العصر الحديث بفضل تقدم العلم والاختراعات. وفي سنة 1938 وُفِّقَ مُهَنْدِسٌ إيطالي إلى ابتكار جهاز تُوضَع فيه الغلال فَتُغْسَل وتُنَظَّف وتُطحَن ثم تُعجَن وتصبح خبزًا فيما لا يتجاوز عشرين دقيقة!
وأنواع الخبز لدينا معروفة وكل نوع له زبائِنُه؛ فيوجد الخبز البلدي وهو طعام الأكثرية، كما يُفَضِّلُ البعض الخبز الشامي، بينما تصنع الأُمَّهات (الساندوتشات) لأطفالهن عند ذهابهم إلى المدرسة من الخبز الفِينُو الذي تعود تسميتُه – فيما يقال- إلى خباز يوناني (وقيل إيطالي) كان يمتلك مخبزًا في حي الإبراهيمية بالإسكندرية وبالتحديد في شارع يسمى (لاجيتيه) وكان هذا الخباز مشهورًا بصناعة الخبز الإفرنجي؛ فنسب الناس هذا الخبز إليه وقالوا: “عيش فينو” نسبةً إلى الخباز الذي كان يصنعه، ومما يُقال في سبب تسمية (الخبز الفينو) بهذا الاسم أن مخبزًا إفرنجيًا كان اسمه “Venus” على اسم إلهة الجمال عند اليونانيين، غير أن العامة قالوا “فِينُو” بلهجتهم الدارجة.
ومن أجمل أنواع الخبز: (الفرنساوي) والرغيف منه يكون طويلًا ومشبعًا، كما يوجد الخبز (البُر) وهو مصنوع من الشعير، بالإضافة إلى الخبز الفَلَّاحِي الذي يأكل منه سكان الأرياف، وفي الصعيد هناك نوع من الخبز اسمه “البِتَّاوْ” وأصله فرعوني، وهو يُخبَز على آشعة الشمس!
ولأن الخبز هو القُوت الذي يمنح الطاقة للناس فيستطيعون بعد أكله أن يعيشوا وأن يقوموا بأعمالهم المختلفة؛ فقد سماه المصريون لذلك بـ (العيش) لأنه يمكن آكِلَهُ من العَيْش بمعنى (الحياة) كما أن الخبز يصنع علاقة قوية بين من يأكلونه؛ فمن عادات المصريين والعرب أن الذي يأكل طعام قوم يصبح حليفًا لهم وصديقًا ويحرم عليه أن يخونهم مراعاة لـ (العيش والملح) ومن عزم عليه صديقه أن يأكل معه فلم يأكل فإنه بذلك ينوي له نِيَّة سيئة ويُبَيِّت له الغدر، أو ربما كان بخيلًا؛ لأنه حسب الأعراف الاجتماعية يجب على من عزم عليه صديقه أن يرد له العزيمة فيدعوه إلى طعام في وقتٍ لاحِق.
ولعل القارئ الكريم قد لمس في قراءته لقصة الخبز أنها مُسَلِّيَة ومفيدة، وهي كذلك بالفعل، لأن الخبز هو قوت الأبدان؛ فنسأل الله أن يَهَبَنا قُوت القلوب وهو الذكر وقوت الأرواح وهو الحب، وقُوت العقول وهو العلم، إنه رزَّاقُ قريبٌ مُجِيب سبحانه وتعالى.





