جان فرانسوا ليوتار
ترجمة: عبد الوهاب البراهمي
“هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟”(ليوتار)
“إنّ التفلسف هو أولا فعل عصاميّ. هذا هو الذي أريد أن أعنيه أولا بدرس فلسفيّ…و لا تعني.” عصامي” أننا لا نتعلّم شيئا من الآخرين، بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئا إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه…. نحن عصاميون ، في معنى انه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف ” .ج. ف. ليوتار
“يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو ، فيما يبدو لي ، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقا للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساسا في اقتضاء الصبر.”ليوتار
****
” لو سلمت بما جاء في الورقة العلمية لهذه اللقاءات، فإنّ الرهان المحدد لتفكيرنا هنا، هو رهان التكوين الفلسفي للمدرسين، وسنسلّم بأنّ ” التربية والتعليم هما فعلان فلسفيان” . لا أعرف ما يعنيه ” فعل فلسفي” . سأسند لكلمة ” فعل فلسفي” دلالة محدّدة، تقابل القوّة puissance. وسأقول إنّ الفلسفة ليست كيانا، قوّة ، حصيلة معرفية ، ومهاراتية وشعورية، بل هي فحسب فعل وشغّالة en acte.وأضيف أن التربية والتعليم لا يبدوان لي أفعالا فلسفية، لا أكثر ولا أقلّ من كونهما المشاركة في مأدبة أو تسليح باخرة. ليست الفلسفة ميدانا مقسّما في جغرافية اختصاص. جميعنا يعلم ذلك. أقول” درس فلسفي” مثلما نقول” مع مرور الزمن”. نحن نعلم أن قسما كبيرا من التفكير الفلسفي منذ بروتاغوراس وأفلاطون، ومنذ فيثاغورس يشتغل على كلمة تكوين، وبالتالي حول البيداغوجيا والإصلاح. وأن له كمسلمة كون عقول البشر لم تُوهب لهم على نحو ما يجب وانه لابد من إصلاحها. الطفولة هي وحش الفلاسفة. وهي أيضا شريكهم. تقول الطفولة للفلاسفة بأن الفكر ليس معطى . لكنه ممكن. وإصلاح الفكر يعني أن يأتي معلّم ليساعد الفكر الممكن في مرحلة الطفولة، بما هو في حالة انتظار، على أن يكتمل. هل تعرفون الدورة الدموية: لكنها المعلّم ذاته؟ كيف تَحرّر من وحشيته الطفولية؟ تربية المربّين ، وإصلاح المُصلحين: نتّبع الإحراج l’aporie الأفلاطوني بواسطة كانط، حتى نصل إلى ماركس. هل يجب أن نقول كما يقول علم النفس التحليلي: أنه بمثل ما وجد تحليل ذاتي مؤسّس، فقد وجد أيضا تكوين ذاتي مؤسّس؟ عٍصَاميُّ التكوين أبٌ لكلّ العصاميين؟ هناك فرق بين الفلاسفة وعلماء النفس التحليلي هو أن للفلاسفة آباء كثيرون ، وأكثر مما يجب للإقرار بأبوة. وفي المقابل، فإنّ التفلسف هو أولا فعل عصاميّ. هذا هوالذي أريد أن أعنيه أولا بدرس فلسفيّ. لا يمكننا أن نكون معلمين ، وأن نتحكّم في الدرس. لا يمكننا أن نَعْرِض مسألة دون أن نعرض أنفسنا من خلالها. التساؤل عن ” موضوع” ( التكوين مثلا)، دون أن يسائلنا هذا الموضوع ذاته. إذن ، يجب أن نعيد من جديد، دون أن نقيم الصلة بهذا الفصل للطفولة ، الذي هو فصل ممكنات الفكر. فلا يمكن أن نكون فلاسفة فكر ، بما في ذلك فكر أستاذ الفلسفة ، الذي هو على استعداد لهذه المسألة ، في القسم ، ولا نُعيد من جديد . فمن لا يستأنف الدرس من بدايته . نحن نعلم أوّلا أنّ هذا العمل يجب أن يكون بمناسبة أية مسألة أو أيّ ” موضع”، وثانيا، فإنّ البدء لا يعني الرجوع إلى الأصل الجينيالوجي ( كما لو كانت الجينيالوجيا، وبالخصوص التسلسلية / التعاقبية التاريخية لا تطرح تساؤلا). إنّ الطفل الوحش ليس أبَ الإنسان ، بل هو في بيئة الإنسان لادرسه non-cours، انحرافَه الممكنَ والخَطِرَ. نبدأ دائما من البيئة. من أجل ذلك، كان مشروع منهاج فلسفي، مشروعا مستمدا من العلوم الدقيقة، وآيل إلى الفشل. وبالمثل، فإنّ كلمة ” عصامي” لا تعني أننا لا نتعلّم شيئا من الآخرين. بل فحسب لا نتعلّم منهم شيئا إذا لم يعلّمونا نسيان ما تعلّمناه. لا ينتشر الدرس الفلسفي مثل معرفة منقولة . بل بالتحصيل. هذا واضح في حالة القراءة الفلسفية، التي توفّر الأساسيّ في المحادثة في شأن ” موضوع”. ليست هذه القراءة فلسفيّةٌ لأنه لا توجد لدينا نصوصا مقروءةً، فلسفيةَ فحسب، بل يمكن أن تكون نصوصا لفنّانين، وعلماء وسياسيين فضلا عن أنه يمكن أن نقرأ نصوصا فلسفية دون أن نتفلسف- فلا تكون قراءة فلسفية إلاّ إذا كانت عصامية. إلاّ إذا كانت تمرين لاتوافق مع أو بالنسبة إلى النص، تمرين صبر. فلا يعلمّنا درس القراءة المطوّل ما يجب قراءته فحسب، بل كوننا لم ننته من القراءة ، وأننا لم نفعل سوى أن نبدأ، وأننا لم نقرأ ما قرأناه. إنّ القراءة درسُ إنصاتٍ. أن نتكوّن للإنصات هو أن نتكوّن للعَوْدِ من جديد، وفقدان الحالة الحسنة. إعادة فحص المسلّمات والضمنيات ، في النصّ وفي قراءة النصّ. يتمثّل الأساسيّ فيما نسمّيه بناء، الذي يرافق ويغطّي الإنصات المتأني، ويتمثل في هذا الموروث الشخصي، في البحث عمّا يتبقى غير مفكّر فيه بعدُ بينما قد وقع التفكير فيه. لأجل ذلك كان البناء الفلسفي غير ذي صلة بالنظرية، ولا بتجربة هذا البناء مع اكتساب معرفة (مبحث). و ما نجده من مقاومة في الاشتغال على الإنصات والموروث الشخصي هو من طبيعة أخرى مغايرة لطبيعة ما يقد يتعارض مع نقل المعارف. يشتغل الدرس على ما يسمّى الواقع. يصقل معاييره. ويعلّقها. وإذا كان من بين المعايير الأساسية للواقع وللواقعية هو أن نربح الوقت، وهو ، فيما يبدو لي ، واقع الحال اليوم، فإنّ درس الفلسفة ليس مطابقا للواقع اليوم. تتمثّل صعوباتنا كأساتذة فلسفة أساسا في اقتضاء الصبر. وأنه علينا تحمّل أن لا نتقدّم ( بطريقة قابلة للقيس ، وظاهرة)، وأن نبدأ دائما من جديد، وهذا متناقض مع القيم السائدة للاستشراف والتطوّر والتركيز والأداء والسرعة والتعاقد والتنفيذ والاستمتاع. أتذكر ، عندما كنت ادرس في المعاهد الثانوية ، هذا الثابت: أننا كنّا ” مُستَغْرَقين” ، أنا والتلاميذ ، طيلة الثلاثي الأوّل، ويبدأ الدرس، أو بالأحرى تبدأ البداية، في جانفي مع الناجين. كان يجب، ويجب تحمّل طفولة الفكر. أعلم أن” الظروف” كما يقال لم تكن هي نفسها.وسآتي على ذلك. أنا لا أعلمكم شيئا( من قبيل الافتراض). نعلم جميعا أنّ درس الفلسفة مساو في الكلفة للدرس الفلسفي. فهو على حساب نقل المعارف ، وعلى الموضوعات المقررة أو لا في البرنامج ، ولا فقط على أمثلة لهذا الاشتغال على استئناف البداية المستمدّة من البيليوغرافيا الفلسفية، أو علامات هذا العمل ذاته المستعارة من تاريخ العلوم والتقنيات والفنون والسياسات ، – إذن، لا التعريف فحسب بهذه الأمثلة وهذه العلامات بتقديمها بوصفها ما يلزم، وبوصفها مرجعيات الخطاب المدرسي،- بل الاضطلاع بالاشتغال على الإنصات ، والرصيد الحياتي للشخص وبناء حتى الفصل، برجماتيا. الإضطلاع به ” راهنا” في العالم الصغير لأسماء الأعلام حيث يكون رهان الدرس طيلة ساعتين في ذلك اليوم، على المحكّ. وأن يكون الرهان دوما ، تحديدا، أن يكون الاشتغال الفكري قائما ، مضدَار درسٍ ، في القسم ، الآن وهنا. هذا المقتضى ليس ” بيداغوجيا “. ولا يحدّد أي منهج في التعليم. ولا يوجد علم في شأنه. بل على العكس: ينتج عن تجسيد الدرس الفلسفي في درس الفلسفة، و أن كل فصل، كل مجموع الأسماء، والتواريخ والأماكن يبني لغته، لهجته الخاصّة التي ينجز فيها هذا العمل. هناك توافق بين العصامي واللهجة الخاصّة. إنّ هذه الخصوصية لدرس الفلسفة، أريد أن أقول : إنّ في هذا الدرس ، أي ما يميّز الدرس ، هو نفسه الذي يميّز الدرس الفلسفي. أود أن أقول: تؤدّي كتابة نص فلسفي، وحيدا على المكتب ( أو ماشيا…) تحديدا إلى نفس المفارقة . نكتب قبل أن نعرف ما الذي يمكن قوله وكيف، وحتى نعرفه ، إذا أمكن. إنّ الكتابة الفلسفية متقدّمة على ما يجب أن تكون عليه. مثل طفل ، سابقة لأوانها وضعيفة. نحن نعيدها إذ ليست موضع ثقة، كي ندرك الفكر، هناك، في النهاية. غير أن الفكر هنا، مشوّش باللافكر، يحاول تنظيم اللسان السيئ للطفولة. لا ندرك لأول وهلة إذن الفرق في الطبيعة بين التفلسف وتعليم الفلسفة. يقول كانط : لا نتعلّم الفلسفة بل نتعلّم في أحسن الحالات كيف نتفلسف فحسب(philosophieren) ( هندسة الفكر الخالص) . وسواء أكنا لوحدنا أو في كثرة ، فنحن عصاميون ، في معنى انه يجب أن نتفلسف حتى نتعلّم التفلسف . أصل إلى النقطة الثانية . يفرّق كانط مع ذلك بين المفهوم المدرسي(Schulbegriff) للفلسفة ومفهومها الشائع (Weltbegriff ). يكون التفلسف في المدرسة هذا التمرين في الصبر الذي يسمّى عند كانط ديالكتيك كما عند أرسطو. غير أنه على الفلسفة، وقد قذف بها في هذا العالم، أن تضطلع بمسؤولية ثانية. فلا تختبر فحسب ما هو التفكير، بل إنّ تقاس بالنسبة إلى مثل أعلى ، مثل أعلى للفلسفة – النموذج، الذي هو، كما كتب كانط، ” مشرّع العقل البشري”. للفلسفة الموجودة في العالم مهمّة أن تصل المعارف ، جميع المعارف، بالغايات الجوهرية للعقل البشري. هذا هو المطلب الذي يصدر عن العالَم: ينضاف إلى الاهتمام التأملي ( العمل المثابر الذي تحدثت عنه ) اهتمام عملي وعمومي للعقل في الفلسفة، بالعالم. وكما تعلمون ، ومثلما فسّر ذلك كانط في ديالكتيك نقد العقل الأول، فإنّ اهتماماته متناقضة . هل يُلحق أستاذ الفلسفة اليوم بالمدرسة أم بالعالم؟ لقد وضعت الحداثة والأنوار والتفكير الكانطي ذاته المدرسة في مركز الاهتمام العمومي والعملي للعقل. وكان رهان هذا الاهتمام ، منذ قرنين ، في فرنسا بالخصوص، وعلى نحو آخر في ألمانيا، قد سمّي بناء المواطن في الجمهورية. لقد وجدت مهمة الفلسفة نفسها في خلط مع مهمّة التحرّر. إنّ التحرر بالنسبة إلى كانط، هو بوضوح الحريّة الموكولِ للعقل نشرها وتحقيق غاياتها، بمعزل عن أيّ عاطفة. هكذا سيكون مشرع العقل البشري . توجد في هذا المنظور ” الحديث” المسلمة التالية: يطلب العالم من الفلسفة أن تشرّع عمليا وسياسيا. ولا أعلمكم شيئا بقولي : لا نطلب شيئا اليوم ، إذا ما كان العالم على حقّ أولا في توجيه هذا الطلب إلى أستاذ الفلسفة ( الذي هو في العالَم بواسطة المدرسة الحديثة منذ قرنين)، بل نحن نتساءل إذا ما يزال العالم يوجّه إليه أي طلب من هذا النوع. لا طلَب باختصار. ولو صحّ أن درس الفلسفة يَتْبَع درسا فلسفيا ، ولو صحّ أن التفلسف ، بمفردنا أو في القسم ، يخضع إلى مطلب العود إلى طفولة الفكر، فما الذي يحدث لو لم يكن للفكر طفولة؟ وإذا كان أولئك الذين يتظاهرون بكونهم أطفالا أو مراهقين كفّوا عن أن يكونوا البيئة غير المؤكّدة للإنسان ، والإمكانية للأفكار؟ وإذا ما كانت الاهتمامات ثابتة؟ ليس لمدرسي الثانوي في فرنسا، على حدّ علمي، بالنسبة إلى الفلسفة على الأقلّ، حاجة إلى التكوين في التفلسف. هم كذلك ولن يكونوا كذلك أبدا، وهذا جيد. لكنهم لا يستطيعون جعل الدرس الفلسفي الذي يقدرون عليه ذي راهنية لأنّ التلاميذ ليسوا مهيئين للصبر والتأنّي، استحضار السوابق و للبداية من جديد. لا أرى علاجا بيداغوجيا لهذا لا يكون أسوء من الداء. تعليم الأساتذة أن يكونوا وَدُودِين والنصح بالترغيب ، والإرشاد بشدّ الانتباه الأطفال بواسطة تجديدات بيداغوجية أو تقنيات جاهزة هي أسوء من الشرّ. لقد كان لدينا جميعا ألسيبياد Alcibiade يحاول أن يُغرينا من هذا الجانب، كان علينا عاجلا أم آجلا أن نُفهمه ، كما سقراط ، أنه يفسح المجال لتبادل للحمقى، بالرغبة في مقايضة إغرائهم بحكمتنا، و هو ما لا قيمة له. و الأسوأ من ذلك هو توصية أستاذة الفلسفة بأن يكونوا ” ألسيبياد” تلاميذهم. إنّ الاشتغال على استحضار السابق والبناء بالفعل في القسم ، سواء أكان مَرِحًا أم شديدا لا يدين بشيء للتحفيز والاستقطاب. ليست الصعوبة الراهنة ، دون التذكير بذلك ، تلك التي تعترض غريب إيليا في السفسطائي( 217س مقطع ، ر46 س) . من الأفضل الحجاج بأسئلة وأجوبة إذا لم يصنع الشريك صعوبات حتى يجيب وإذا ما كان صريحا ولا يراوغ ( من قلادة إنينيوس، من إينيا، الميّت) . فإذا لم يكن هذا هو الحال فمن الأفضل الحجاج لوحدنا. يمكننا التحاور مع أصدقاء الأشكال ، فهم أكثر ترويضا (hémérôteroi) من المادّيين الذين يردّون كلّ شيء إلى الجسد. أما بالنسبة إلى هؤلاء ، فنقوم بعمل استحضار السوابق في غيابهم، لوحدنا، وبدلا عنهم. نغلق المدرسة . يلتحق انهيار المثل العليا الحديثة بثبات المؤسسة التعليمية الجمهورية ، التي تستند إليها، وأثره أن نقذف في الدرس الفلسفي عقولا لا تندمج فيه. و تبدو مقاومة هذه العقول لا تُقهر لأنها تحديدا خالية الوفاض. فهي تتحدّث بلهجة تعلمتها ويعلمها لها ” العالم” ، والعالم يتحدّث عن السرعة والمتعة و تحت هيمنة قاعدة التبادل الاقتصادي، المعمّمة على كلّ مظاهر الحياة، بما في ذلك الانفعالات واللذات. إنّ هذه اللهجة شيء آخر غير التي يتحدّث بها الدرس الفلسفي، فهي لا تقبل أن تقاس به. وما من حَكَمٍ كي يفصل في هذا الخلاف. فالتلميذ والأستاذ كليهما ضحية بعضهما بعضا. ولا يمكن الجدلية أو للحوار أن ينساب بينهما ، فلاشيء غير النزاع. أقدم ثلاث ملاحظات حتى أنهي: أولا . لا أستخلص مما سبق استنتاج وجوب تكوين مدرسي الفلسفة من أجل الحرب( حرب الكلام وهذا مفهوم). لكن أتذكر مع ذلك أنّ السبب الرئيسي الذي أثاره أرسطو لدراسة الخطابة والديالكتيك هو أنّ من له الحقّ في فضاء المدرسة يمكن أن يُغلب في الأغورا ( الساحة العامّة). غير أن الأغورا هي راهنا، إن لم أخطأ، في المدرسة. فقد تصوّر كانط الفيلسوف – لا أستاذ الفلسفة، واتفق معه في ذلك) بوصفه محاربا في يقظة مستمرة، يواجه بالحديد تجار الظاهر الترنسندنتالي ( المتعالي). يجب أن نكون قادرين على مواجهة الرأي السائد سيّء النية. لكن يجب بناء قرارنا، ومحاولة معرفة من أجل ماذا نحارب. ثمّ إنه يوجد الحلّ الأفلاطوني: انتقاء العقول التي يمكن أن تُتابع الدرس الفلسفي . والحلّ الفيثاغوري: نفصل الرياضيين mathematikoi عن السياسيين. politikoi وهو اليوم القطع مع الديموقراطوية démocratisme لصالح جمهورية العقول. وترك العناية بالشعب لآخرين. تصبح الفلسفة إذن مادّة اختيارية أو هي مستبعدة في التعليم العالي أو تُدرّس في بعض المؤسسات التعليمة للثانوي. كل شيء يدفع نحو مخرج من هذا القبيل، أينما نذهب. علينا أيضا هنا بناء سلوك فكري ، وتحديد الرهان . وفي النهاية لا يجب علينا عدم الاهتمام بما يلي: مطلب استحضار السوابق ، والحيرة وكون البناء لم يختف. وربما أضحى نادرا. بل هو بالأحرى مختلف. نشاهد في فانسان Vincennes حضور جمهور استماع من الرجال والنساء الذين يمارسون في الحياة العملية وظائف مختلفة جدّا. وهنا أيضا تكون الأغورا ، لكنها داعمة. لهذا المطلب الفلسفي مبرره لا بوصفه خنق المهنة بقدر ما غموض الغايات المهنية. يتعلق الأمر بمهن اختصاص، رفيعة الاختصاص، عملية وحقوقية وطبية وفنيّة وصُحفية. إنّ الرفع عموما من تخصّص المُهمّات يؤدّي معها إلى ضرب من طليعية ، ومسائل حول ماهية النشاط المنجز ، ورغبة في إعادة كتابة المؤسّسة. يجب على الفلسفة آو التفلسف أن يفتح درسه أمام هذه التساؤلات المتفرقة. هذا ما يسعى إ‘ليه مثلا معهد الدولي للفلسفة. قد يكون للفكر طفولة هي على استعداد في سنّ الخامسة والثلاثين بدل الثمانية عشرة، وخارج برامج الدراسة أكثر من داخلها. ”
جان فرانسوا ليوتار ” الدرس الفلسفي ” (” إضراب الفلاسفة ” المدرسة والفلسفة ” كتاب جماعي – نشر أوزيريس” سلسلة روبار ليشنار باريس 1986″ القسم الأول ص 34 -40).





