المجلة الثقافية الجزائرية

معنى الكلمات على المحك

مارك ألان واكنين

ترجمة: الحسن علاج

تشكل ترجمة هذا النص الذي يعود ظهوره إلى ألف عام تحديا يتجاوز نقلا بسيطا من لغة إلى أخرى. لذلك ينبغي على أولئك الذين ينكبون على تلك الترجمة اكتشاف مكنونات اللغة الأصلية في اللغة العبرية بهدف نقلها في شيء من الجاذبية إلى اللغة الهدف.

انحنت سيدة على جارها في المترو قائلة: “أعتذر منكم على الإزعاج سيدي، بأي لغة كتب الكتاب الذي تقومون بقراءته؟ ـ بالعبرية سيدتي ! وما هو هذا الكتاب؟ ـ التوراة، سيدتي! حقا ! بل إنهم ترجموها إلى العبرية 1؟ “ترجمة؟ لماذا الترجمة ؟ ما الهدف من الترجمة؟ ما هي رهانات الترجمة؟ بالنسبة للمترجم؟ القارئ؟ وبالنسبة للنص ذاته؟ بالنسبة للمعنى؟ توخيا للفهم؟ حبا في اللعب؟ رغبة في التبجح؟ من باب الفضول؟ الرغبة في الاكتشاف؟ مثل نهج فني؟ مثل عمل بطولي فكري؟ حبا في اللغات؟ الآداب؟ تلك هي الأسئلة التي طرحتها بمناسبة الترجمات المختلفة التي أنجزتها من العبرية القديمة، وبشكل خاص ترجمة الفصول الأولى من سفر التكوين، والتي تم نشرها في دور نشر ديان دو سيلييه (Diane de Sellier) سنة 2019 تحت عنوان تكوين التكوين موضح بالرسوم. ها هي ذي بعض التأملات التي ستضيء، آمل ذلك، بعض زوايا مقاربتي.

فن التباس المبنى

الترجمة أو ، ” مهمة المترجم ” ، وفقا لتعبير فالتر بنيامين Walter Benjamin) ( 2 ، تكمن فيما يبدو لي ، في التمكن من اكتشاف الألعاب في قلب اللغة والعمل على نقلها ، وجعل صداها يتردد في لغة أخرى ، إظهارها ، نقلها وتحويلها إلى أذني القارئ أو المستمع . ومع مرور الزمن ، فإن أحد ألعاب اللغة تلك ـ ثمة أعداد هائلة منها ـ فقد استرعى انتباهي ، لعبة معنى مضاعف للكلمات . ليس تعدد المعنى polysémie) ( ، وهو كون أن كلمة تتضمن دلالات متعددة وفيها يتم العثور على تلك التي يتم توظيفها استنادا إلى النص ، بل التباس المبنى amphibologie) ( التي كما صاغها رولان بارت ببراعة ، ” حافظ على معنيي الكلمة ، كما لو أن أحدهما يغمز للآخر ثم إن معنى الكلمة يوجد في تلك الغمزة ، وهو ما يجعل نفس الكلمة ، في جملة بنفسها ، ترغب في قول شيئين مختلفين في وقت واحد ، ثم إنه يتم التمتع دلاليا أحدهما بالآخر ” ( رولان بارت بقلمه ، سوي ، 1975 ) .

    إن فن التباس المبنى هذا ، هذا التركيز على ال” كلمات القيمة 3 ” ، كما قال كليمون روسيه ، يمنح النص ” نوعا من الغنى الموسيقي والكثافة الهارمونية ، وفي نفس الوقت يجعل إضافة لمعنى ذهني ممكنة 4 ” .

لقد اكتشفت على وجه السرعة أن التباس المبنى هو فن ينتمي في نفس الوقت إلى الكاتب ، القارئ والمترجم . وبالتأكيد فإنه قد ينفلت أحيانا من الكاتب لكنه يبدو أنه يشكل جزءا لا يتجزأ من متعته ، من تسليته ، نوعا من التحدي تجاه القارئ ، مجدولا من السعادة التي هي في حوزته ، متخيلا الابتسامة المستقبلية لمن سيكتشف فيه السر . كما إنني فهمت ، ضمن قراءاتي ، أن كافكا ، مع مؤلف التوراة وكتاب آخرين عديدين ، هو بلا شك يعتبر واحدا من كبار معلمي التباس المبنى . ويحتمل ولعل ذلك ما يفسر المتعة التي يجدها المرء لدى قراءته ، دراسته ، شرحه وترجمته بطبيعة الحال ! وبالفعل ، فإنه يقوم على امتداد عمله ، ببذر التباسات المبنى البارعة إلى حد أن المرء بإمكانه التساؤل إذا ما كانت رواية الانمساخ تُفهم مثل انمساخ متواصل من معنى إلى آخر والعكس بالعكس ، التباس المبنى ومعنى يستحيل البرهنة عليه يفتحان الأبواب على اللانهائي .

تعني فاوستFaust) ( ال” قبضة ” وتشير إلى بطل كتاب غوته ؛ وتعني عبارة sein) ( ” كينونة ” و ، ” ما ينتمي إلى ” ؛ وتعني عبارة schloss) ( ” خاصته ” ” قلعة ” و”قفل ” ، إلخ .

التباسات مبنى متعددة تتضاعف إلى ألعاب أخرى ، لعبة الجناس التصحيفي anagrammes) ( مثلا ، تجعل الكلمات والشخصيات تهتز في كل الاتجاهات إلى حد تحول فول إلى فيل وفيل إلى فول . مناظرة تلمودية حادة تتحول فيها عبارة ” أ جميلة ” إلى ” أصلة ” . جزيل الشكر لسانت إكزوبيري الذي منحنا ذلك !

سمفونية دلالية

إن الترجمة هي فهم أن النص هو مختبر يعرض كافة ألعاب اللغة ، ومحاولة استعادتها مع الكثير من السمو ، ببراعة وأناقة ممكنة . محاولة جعلها ترن في وقت واحد في سمفونية حقيقية . كل معنى هو بمثابة نواة مشعة ينفجر في وجه المعاني الأخرى ، المتواجدة في نفس السياق النصي ، عاملا على جعل انسجامات وتناغمات تصدر أصواتا في خصوبة هائلة . سمفونية تتحول إلى معزوفة حينما يصبح المرء متيقظا بطريقة أكثر تميزا إلى هذه الكلمة أو تلك ، إلى هذه النغمة أو تلك التي تحفظ ذكرى جميلة لأذاننا عبر تفعيل ال” مجموعة الرسمية الأكثر جدارة بالاهتمام ، ذكرى التكرار : عن طريق التجانس الصوتي ، السجع ، الجناس ، عبارة رئيسة ، جملة رئيسة ، لازمة ، إلخ ، بتسليط الضوء على المضمون الأكثر أهمية لرسالة يتوجب على المرسل إليه تلقيها باعتبارها رسالة مركزية 5″ .

لنأخذ كمثال على ذلك كلمة achèr) ( ( ثلاثة حروف بالعبرية ، (aleph-chin-rèch) . كلمة من جذر a-ch-r) ( ، والتي تعني في نفس الوقت ال” اسم الموصول ” نحويا ، ” سار ” ، ” سعيد ” ، ” أذن ” ، ” خول لنفسه ” بمعنى ” جرؤ ” . عبارة يتم العثور عليها ، مثلا ، في قلب الكشف عن اسم الله في سفر الخروج ، 3 ، 14 : إهيه أشر إهيه éheyé achèr éhéyé) ( ، وغالبا ما تترجم ب” أنا هو الذي هو ” ، أو ” سأكون ما سأكون ” . يسمح الاهتمام بتعدد المعاني باقتراح : ” سأكون ، يا للسعادة ، سأكون ” ! أو ” سأكون ، مجازفا ، سأكون ” ! إبداعية المترجم التي سوغت لأندريه شوراكي بتملك ” عظة الجبل ” مانحا إياها دينامية جديدة تماما مقارنة بترجمات كلاسيكية جدا ، مثل ترجمة لوي سيغون Louis Segond) ( . فعلى سبيل المثال ، إلى : ” طوبى للمساكين بالروح ، لأن لهم ملكوت السماوات ! طوبى للحزانى ، لأنهم يتعزون ! ” ، يفضل شوراكي : ” هنيئا ، يا ذليلي الأنفاس ! نعم ، إن ملكوت السماوات لهم ! هنيئا ، الثكالى ! نعم ، سوف تتم مؤازرتهم ! ” ولا يمكن للمرء منذ ذلك الحين تجريب هذه الترجمة المغايرة : “يجرؤ المذلولون على التنفس ! نعم ، لأن لهم ملكوت السماوات ! يجرؤ الثكالى ! نعم ، سيؤازرون ! ” بإمكان المرء التساؤل كيف تترجم عبارة بمعنيين في الآن نفسه ؟ كيف يمكن الإبقاء على التباس معنى جذر لغوي في قلب الترجمة ؟

أعتقد أن الجواب هو كالتالي . لابد ، من أجل هذا ، من الانخراط في العمق التاريخي للترجمة . بمعنى أن يعي المرء وأن يذكي وعي القراء بأن كل ترجمة تنخرط في ” تاريخ للترجمة ” ، في ” ترجمة الترجمات ” وأن قراءة ترجمة ، مذاك ، تعني أيضا مقارنتها بالترجمات التي تقدمتها . إنها ليست إنصاتا لنص لغة في لغة أخرى فقط ، بل إنصاتا أيضا للغة في انشطار لغة أخرى إلى إمكانياتها المتعددة . كما قال فالتر بنيامين : ” يكشف المعنى الأصيل لنص ما عن نفسه لاحقا ، عبر الترجمات . ” أليس معنى البقاء على قيد الحياة ومعنى الاستمرار في الحياة ، العيش إلى ما هو أبعد من ، العيش فوق ، كل ترجمة ؟

من ” سرير ” إلى ” قراءة ”

بالإمكان كتابة كتاب كامل حول أول آية من التوراة ومقارنة كافة الترجمات . فهذا هو العمل الذي قمت بإنجازه قبل اقتراح ترجمتي الخاصة لسفر التكوين ترجمة عبارة لم ترد في أي ترجمة أخرى من ترجمات التوراة والتي ترد ، مع ذلك ، في النص الأصلي العبري . وبالفعل ، لقد جاء ( في النسخة ) : « beréchit bara élohim èt hachamayim vèét haarèts » والذي يترجم بصفة عامة ب” في البدء خلق الله السماء والأرض ” . تعمل هذه الترجمة وكافة الترجمات الأخرى التي تقترب منها تترجم مجموع العبارات الماثلة في الآية باستثناء عبارة èt) ( ، التي كررت مع ذلك مرتين والتي أدرجت ، نحويا ، المفعول به . وهكذا ، فمن بين سبع كلمات من النص العبري ، فإن كلمتين لم يسبق لهما أن ترجمتا البتة !

بإمكان تلك الملاحظات أن تمكن من فهم ما يُسمى ، في التقليد علم التفسير التوراتي ، بالمدراش . هذه المجموعة من شروحات نصوص التوراة تعتبر مختبرا يستجلي الدلالات المتعددة لكل جذر كلمة ، دلالات يتم تنظيمها لاحقا في قصة أو قصص ـ الكثير من السيناريوهات تمنح هذا التعدد للمعنى انسجاما في صلب الحبكات السردية أو المفاهيمية ، التي يمكن اختزال الواحدة أو الأخرى إلى شكل قول مأثور . وهكذا ، نجد في مثال جذر عبارة achèr) ( ، فإن دور المدراش ، بادئ ذي بدء ، يكون عرضا تفصيليا لمختلف معاني الجذر اللغوي : ” سعادة ” ، ” مشى ” ، ” جرؤ ” ، ” اسم موصول ” ، ومن ثم صياغة جملة متماسكة تضم كل تلك المعاني ، والتي ستكون على الشكل التالي : ” طوبى للإنسان الذي يجرؤ على سلك الطريق لاكتشاف العالم وفهم كيف تربط كافة الأشياء علاقات فيما بينها وتشييد كون متفرد . ” أو : ” امش ، تجاسر ، خول لنفسك ، اكتشف العالم وكيف أن الكل مترابط ، سوف تغمرك السعادة ! ”

مثال آخر . يحدث هذا في كنيس بالكاد في بعض فصول ” موعظة على الجبل ” . جيء بمشلول محمولا على سرير من قبل أسرته أو أصدقاء ، لا يدقق النص في ذلك . سأل المعلم من المعلمين الآخرين الحاضرين ، الذين قدموا من مدرسة أخرى : ” ايما أيسر : أن يقال : مغفورة لك خطاياك ، أم أن يُقال : قم احمل سريرك واذهب إلى بيتك ؟ ” المشهد أصبح معروفا . يرد في إنجيل متى ( 9، 1 ـ 9) وفي إنجيل مرقس ( 2، 1 ـ 14 ) .

ومن خلال تكرار هذا المشهد ، يدعونا الإنجيل إلى إعادة القراءة . ثم إن مقارنة بين نصين ـ والتي هي أيضا مقارنة بين ترجمتين ، باليونانية واللاتينية ـ تكشف عن مظهر ثوري لتلك القصة .

أترك القارئ يستمتع بالتمرين ومع إحدى النقط المفصلية . إليكم نسخة متّى : ” فدخل السفينة واجتاز وجاء إلى مدينته . وإذا مفلوج يقدمونه إليه مطروحا على فراش . فكما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج : ” ثق يا بني . مغفورة لك خطاياك . ” […] حسنا ! ولكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانا على الأرض أن يغفر الخطايا ، حينئذ قال للمفلوج قم احمل فراشك واذهب إلى بيتك . فلما رأت الجموع ذلك ، استولى عليهم الخوف ، ومجدوا الله الذي أعطى الناس مثل هذه السلطة . ” الشيء الذي يفضي في النسخة اللاتينية الرسمية للتراة التي أصدرها البابا كليمنت الثامن عام 1592 والتي يترجمها القديس سانت جيروم : « Et ascendens in naviculam,transfretavit,et venit in civitatem suam.Et ecce offerebant ei paralyticum jacentem in lecto. Et videns Jesus fidem illorum, dixit paralytico : confide fili ,remittuntur tibi peccata tua.(…)Ut autem sciatis,quia Filius hominis habet potestatem in terra dimittendi peccata ,tunc ait paralytico :Surge ,tolle lectum tuum,et vade in domum tuam. Et surrexit ,et abiit in domum suam. »

دعونا نصيخ السمع إلى تلك النصوص بأذن مزدوجة المعنى !مما لاشك فيه أن عبارة lectus) (تفيد في معجم غافيوت Gaffiot) (، “فراش ” ، و ” قراءة ” أيضا. وهكذا ، ومن خلال ترجمة مضاعفة، فإننا نكون في حضرة ثورة تأويلية حقيقية، لاهوتية وعلاجية ! ” قم ، قال للمفلوج ، احمل سريرك واذهب إلى بيتك. “القراءة هي الشفاء.” علاج بالقراءة 6 ” :فالقراءة هي التي تشفي. إن قراءة متميزة تماما، تلك التي تتذكر أن الكلمات ترن على الدوام مرتين ! ”

ــ

1 ـ شكرا للوران بيكار على هذه القصة .

2 ـ ” مهمة المترجم ” هي توطئة الترجمة التي أنجزها فالتر بنيامين لمشاهد باريسية لبودلير .

3 ـ ” عبارات دقيقة ومتعددة المعاني تتوصل إلى إدراج الثنائية أو تعدد المعاني الممكنة للتعبير عن جملة واحدة، مع التقيد تماما بتجانس مع هذه الأخيرة “(اختيار العبارات، كليمون روسيه، مينوي، 1995) .

4 ـ نفس المرجع

5 ـ إيمان الأنبياء، مارتان بوبر، ألبان ميشال، 2003، (لقد قمت إلى حد ما بإدخال تغيير على جملة بوبر من أجل نقلها من السياق اللاهوتي إلى السياق التأويلي.)

6 ـ انظر العلاج بالقراءة . القراءة هي الشفاء، مارك ألان واكنين، سوي، 1994.

مصدر النص: مجلة اقرأ الفرنسية Lire magazine نونبر ـ دجنبر 2023