نكتب لنزرع الحلم ونضئ دروب الخيال: دراسة في أدب الطفل للكاتب محمد عبد الظاهر المطارقي
بقلم: دكتور أسامة شمعون
مقدمة: أهمية الإبداع والخيال في أدب الطفل
إن الإبداع في أدب الطفل ليس ترفًا فنيًا، بل ضرورة تربوية وثقافية تسهم في تكوين شخصية الطفل وتنمية قدراته العقلية والوجدانية. وكلما كان الأدب أكثر إبداعًا وابتكارًا، كان أكثر قدرة على التأثير في الطفل وإثراء عالمه الداخلي.
حين يصبح الخيال بيتا للطفل، تتحول القصة إلى عالم آمن يكتشف فيه ذاته وأحلامه ومخاوفه؛ فالطفل لا ينظر إلى الخيال بوصفه هروبًا من الواقع، بل يراه مساحةً رحبة يستطيع من خلالها أن يفهم العالم ويعيد تشكيله بطريقته الخاصة. ومن هنا تنبع أهمية الخيال في أدب الأطفال، لأنه يمنح الطفل القدرة على الإبداع والتأمل والتعبير عن مشاعره بحرية، كما أنه يساعده على تنمية قدراته العقلية واللغوية؛ فهو يدفعه إلى طرح الأسئلة، والتفكير في الاحتمالات، وبناء صور ذهنية جديدة. ولذلك يُعدّ أدب الطفل القائم على الخيال وسيلة مهمة لتنمية الإبداع والابتكار، لأنه يفتح أمام الطفل أبوابًا واسعة للتفكير والحلم.
ويعيش أدب الطفل اليوم في قلب تحولات اجتماعية وثقافية وتكنولوجية متسارعة، الأمر الذي جعله يتأثر بمتغيرات الحياة الحديثة تأثيرًا واضحًا. فلم يعد مجرد حكايات بسيطة للتسلية، بل أصبح وسيلة تربوية وثقافية تسهم في تشكيل وعي الطفل وتنمية خياله وقدرته على التفاعل مع العالم المعاصر؛ لأن أدب الطفل هو الركيزة الأولى والبنية الأساسية التي ينبني عليها مستقبلنا، وهو بناء الطفل وإعداده بالشكل الذي يصل بنا إلى بناء مجتمع أفضل. من هنا انطلق الكاتب محمد المطارقي، ليس لكتابة أدب يهتم بالمتعة الأدبية فحسب، بل لغرس قيم نبيلة مزجها بحرفية الصائغ مع فنه القصصي.
وقد تجسد هذا التوجه في مجموعته القصصية “الحرية للعصافير”، والتي ضمت ست قصص قصيرة تنوعت عناوينها بين:
الذئاب تأكل الحلوى.
في فصلنا بيكاسو!
الحرية للعصافير.
حسن.. ولعبة المصعد.
الولد الذي يصمت كثيراً!!
الطاهية الصغيرة.
الحيوان ودلالته في أدب الأطفال
الحيوان في القصة لا يُقدم بوصفه كائناً طبيعياً فقط، بل يتحول إلى رمز دلالي يحمل صفات إنسانية وأخلاقية ونفسية؛ فالقصة تجعل الطفل يميز بين السلوك الإيجابي والسلبي من خلال صفات الحيوان.
قراءة في قصة “الذئاب لا تأكل الحلوى”
يمثل هذا العنوان العتبة الأولى للنص، مصحوباً بأربع رسومات تعبيرية عن مضمون القصة تزيد من تفاعل الطفل مع المحتوى. وتظهر دلالة الحيوان بوضوح مع المضمون عبر توظيف مسميات متعددة مثل: (الذئاب – الجرذان المذعورة – أعين صقور – قلب أسد – خفة فهد – مراوغة ثعلب – جسارة ذئب – طيور غريبة – طائر صغير – عصفور صغير).
وقد توزعت مدلولات صفات الحيوان في النص على ثلاثة أقسام رئيسية:
اللصوص: ووُصفوا بأنهم (جرذان مذعورة، أعين صقور، قلب أسد، خفة فهد، مراوغة ثعلب، جسارة ذئب).
القوافل: ووُصفت بأنها (طيور غريبة).
الطفل مهران: ووُصف بأنه (طائر صغير، عصفور صغير).

تعد صفات الحيوان “علامات” تحمل معاني ثقافية متوارثة داخل المجتمع؛ فتوظيفها في أدب الأطفال ليس مجرد عنصر خيالي للترفيه، بل هو تقنية أدبية وسيميائية عميقة تسهم في بناء القيم، وتنمية الخيال، وتبسيط المفاهيم، وإيصال الرسائل التربوية بطريقة مؤثرة تناسب عالم الطفل النفسي واللغوي.
فالطفل مهران -رغم صغر سنه وضآلة حجمه- إلا أنه كان من الأبطال الشجعان الذين طالما ساعدوا رجال الشرطة في عمليات صعبة. وقد استطاع التغلب على الأشرار (بما يملكونه من أعين الصقور، وقلب الأسد، وخفة الفهد، ومراوغة الثعلب، وجسارة الذئب) بفضل حبه للقراءة وشغفه بالمغامرات والقصص البوليسية؛ فكان هذا العصفور الصغير بشجاعته وحسن تفكيره السبب المباشر في القبض عليهم عن طريق مزج الحلوى بالمخدر.
أدب الأطفال بين الصنعة الأدبية وترسيخ القيم الأخلاقية
إن العلاقة بين الصنعة الأدبية والقيم الأخلاقية علاقة تكامل لا تعارض؛ فالفن يمنح القيمة بعدًا جماليًا مؤثرًا، بينما تمنح القيم النص غايته الإنسانية والتربوية. فأدب الأطفال فضاء يجمع بين الجمال الفني والرسالة الأخلاقية، حيث تسهم الصنعة الأدبية في جعل القيم أكثر تأثيرًا وعمقًا في وجدان الطفل. والنص الناجح هو الذي يحقق التوازن بين الإبداع والتربية، ويمنح الطفل المتعة والمعرفة والقيم في آن واحد، ليشارك في بناء شخصية واعية ومتوازنة وقادرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع.
وقد تنوعت القيم الأخلاقية التي بثها المطارقي في قصصه عبر سرده لأحداث شخصياته، ومن أبرزها:
1. قيمة الثقة بالنفس
تتجاوز دلالة الثقة بالنفس في أدب الأطفال كونها قيمة أخلاقية بسيطة، لتصبح عنصرًا نفسيًا وتربويًا وجماليًا يسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية قدرته على التفاعل مع العالم بثبات وإيجابية.
ففي قصة “الذئاب لا تأكل الحلوى”، نجد الثقة متأصلة في ذات الطفل مهران؛ حيث يقول النص:
“لم يكن أمام السيد معاون الشرطة إلا الولد مهران، فهو يقرأ كثيرا في الكتب وتستهويه المغامرات والقصص البوليسية.. وهو رغم صغر سنه وضآلة حجمه إلا أنه كان من الأبطال الشجعان، وهو طالما ساعد رجال الشرطة في عمليات صعبة وكان السبب المباشر في إنجاحها…”.
وتتجلى هذه الثقة عندما رفع الطفل الصغير رأسه وقال في لهجة جادة: “سيدي؛ إنني بمشيئة الله سأنفذ كل ما تطلبه مني. كن مطمئنا”.
بينما في قصة “في فصلنا بيكاسو!”، نجد الثقة قيمة يغرسها المعلم (الأستاذ كمال) في نفس التلميذ بعد لحظة اهتزاز وفقدان للثقة؛ حيث يقول البطل بعد أن رسم لوحة غريبة:
“هالني ما فعلت وكدت أمزق ما رسمته لكنني تفاجأت بالأستاذ كمال يقف بجانبي ويتأمل في كراستي باهتمام قلت في نفسي: يا إلهي سأصبح أضحوكة الفصل الآن… إنها لحظة فقدان الثقة بالنفس وبما صنعناه، لحظة يتوقف عندها الزمن”.
لكن المعلم أعاد إليه ثقته بهتافه المفاجئ: “أووو هذا مدهش!!! انظروا زميلكم إنه حقا فنان موهوب.. هذا المبدع الصغير سيكون له شأن كبير”. ولم يكتفِ الكاتب بهذه العبارة التحفيزية، بل رسم لوحة إبداعية بريشة الفنان مستخدماً مبدأً تربوياً وهو “التعزيز” مزاوجاً بين الفعل والرمز، حين تحول الموقف إلى بهجة جماعية: “ابتسم أحد الزملاء قائلا: في فصلنا بيكاسو! ضحك الجميع وضحك الأستاذ كمال وضحكتُ أيضاً”.

2. قيمة تحمل المسؤولية
تعد صفة تحمل المسؤولية من القيم التربوية والإنسانية المهمة التي يسعى أدب الأطفال لغرسها، لتكوين فرد واعٍ بواجباته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه. ويقدم الأدب هذه القيمة من خلال مواقف قصصية تواجه فيها الشخصيات نتائج أفعالها وتتعلم الالتزام والاعتماد على الذات، مما يساعد الطفل على فهم دوره داخل الجماعة (الأسرة، المدرسة، المجتمع) فيتعلم التعاون، واحترام الآخرين، والمشاركة، والالتزام بالقوانين، لتصبح المسؤولية أساساً لبناء العلاقات الاجتماعية السليمة.
وفي قصة “الطاهية الصغيرة”، تظهر البداية محملة بشحنات عاطفية تعكس واقع أسرة بسيطة:
“نحن ثلاث شقيقات.. أنا أصغرهن.. أمي امرأة بسيطة تحاول أن تساعدنا بقدر ما تملك، أبي رجل فقير يصنع الكعك الطازج بمساعدة أمي ويقوم ببيعه أمام بوابات العمال، أبي كان حريصا على ألا نهان”.
ورغم أن الأم تحاول حمايتها نظراً لصغر سنها قائلة: “يا بنيتي مالك تتعجلين التعب.. أنت صغيرة.. شاهدي التلفاز أفضل.. أو العبي مع دميتك”، إلا أن الطفلة كانت تملك نفساً تواقة للمسؤولية: “أنا الصغيرة، قلت لنفسي: لماذا لا أساعد أبي.. يجب أن يكون هناك وسيلة للمساعدة.. ولكن كيف؟”.
لقد رسم الكاتب لوحة فنية تمثل القدوة؛ فبالرغم من سخرية شقيقتيها: “هي الصغيرة تظن أنها الكبرى.. تريد أن تتعلم الطهى قبل الأوان”، إلا أنها واجهت ذلك بإصرار عجيب قائلة: “نعم أنا أحب ذلك.. ولن أسمح بضحكاتهن أن تهزمني… كنت أتكلم مثل الكبار.. في إصرار عجيب”. وتعتبر عبارة “لن أسمح بضحكاتهن أن تهزمني” بمثابة روشتة علاج من طبيب ماهر يعرف العلة ويعي طريقة العلاج، لتقدم لنا شخصية تفوق شقيقتيها نضجاً واتزاناً.
وقد تحقق للطفلة ما أرادت بعزمها حين طرحت فكرتها الإنتاجية على والدها: “لماذا لا نقوم بصنع الطعام لمن يحتاج إليه.. هنا في بيتنا سنقوم بصنع الطعام حسب الطلب”، وتمكنت الأسرة بالعمل الجاد والجودة من النجاح والوصول إلى الرخاء: “وهكذا مضينا في طريقنا لم نتوان لحظة، كنا حريصات على جودة العمل.. وهكذا نجحنا حتى صرنا أغنياء والحمد لله رب العالمين”.
ومما يعزز فنية هذا التقديم التربوي، هو صياغته عبر مواقف قريبة جداً من واقع الطفل اليومي: “لكنني كنت أصمم على مشاركتها في المطبخ فكانت تبتسم وتطلب مني أن أساعدها في أشياء بسيطة كأن أناولها الأطباق.. أو أقوم بتقليب شرائح البصل.. أو أهدأ النار قليلا على الأرز”، مما ينقل القيمة من الإطار النظري إلى سلوك واقعي قابل للتطبيق.
خاتمة
إن دلالة تحمل المسؤولية والقيم الأخلاقية في أدب الأطفال تتجاوز البعد التعليمي الوعظي المباشر، لتصبح قيمة نفسية واجتماعية تسهم في بناء شخصية الطفل المتوازنة. ومن خلال السرد المشوق والمواقف الحياتية الذكية، نجح الكاتب محمد عبد الظاهر المطارقي في غرس هذه القيم بطريقة فنية ملهمة، تساعد الطفل على اكتساب السلوك المسؤول والوعي الحقيقي بدوره الفاعل داخل المجتمع





