المجلة الثقافية الجزائرية

اللهم اجعلنا مسروقين لا سارقين

فراس حج محمد| فلسطين

للكاتب إبراهيم نصر الله الكثير من “البكّايات”، وهذا مصطلح مستعار من صديقي حسن عبادي حتى لا أتهم بأنني سارق، وسطوت على أفكار الأصدقاء ولغتهم. مناسبة هذا الحديث ما نشرته “شبكة أخبار الأدب المقدسية” لصاحبها الصديق خليل العسلي تحت عنوان “الروائي إبراهيم نصر الله وفيلم فلسطين 36 وحقوق المؤلف”، وقد انزلق للدفاع عن صديقه الكاتب نصر الله في المعركة التي أثارها شخصياً حول الادعاء بسرقة أصحاب فيلم “فلسطين 36” من روايته “زمن الخيول البيضاء”، في هذه المادة القصيرة يحاول صاحب الموقع أن يظهر نوعاً من الموضوعية، لكن اللغة فاضحة وكاشفة، وهذا ليس ذماً لصديقي العسلي الذي أحترمه مثقفاً وناشراً، لكنه توصيف لانحياز متسرع في ما أرى.

وبناء على ما هو مكتوب في ذلك البيان، لا إشارة واضحة ترقى لمستوى الدليل لتأثر أصحاب الفيلم بالرواية، فقصص النكبة واحدة، وتكاد تتشابه، بل تتطابق، حتى قصة “المتعلم الوحيد”، هذا النوع من القصص مغرٍ لأنه يحمل إشارات وسيميائيات متعددة اجتماعية وسياسية وثقافية، ويصلح للسرد والحبكة والمقولات المتعددة، لذلك فإنه رائج جداً، بل إنه غدا موتيفاً (محروقاً) في السينما العربية وفي الأدب العربي كله، وغدا يناظره في الحالة الفلسطينية موتيف “الناجي الوحيد”، وقد وجد في روايات كثيرة، حتى قبل أن يكتشفه السرد الفلسطيني، فالناجي الوحيد كالمتعلم الوحيد فيه شحنة دراماتيكية عالية تجعله بؤرة سردية متوترة جداً، وكلاهما يصلحان للسينما وللرواية، وأصبحا متداولين بكثرة، حتى غدا ينطبق عليها قول المثل: “وين ما ضربت الأقرع بسيل دمه”، فالاتكاء على هذا لا شيء فيه، ولا يعد دليل إدانة من أيّ نوع.

وجاء البيان كذلك على أمر اطلاع “آن ماري جاسر” مخرجة وكاتبة فيلم “فلسطين 36” على الرواية، ويحاصرها كاتب البيان، فبعد أن نفى عنها تمكنها بالعربية واستبعاد أن تكون قد قرأتها بهذه اللغة، يفطن أن الرواية ترجمت إلى الإنجليزية، بمعنى أنه يعيد الكرة إلى ملعب المخرجة، ويتهمها، متساوقاً مع “أوهام المكتب النصراوي”، صحيح أن بيان شبكة أخبار البلد بدا كأنه موضوعي- كما أشرت أعلاه- إلا أنه استخدم أسلوب المعتزلة في تفنيد الحجج ونقض كل حجة ممكنة باحتمال بديلٍ آخر ممكن يرفعه إلى مقام الدليل على التورط. إنه الانحياز ليس أكثر.

وفي دليل ثالث عجيب تسوقه شبكة أخبار البلد في بيانها الذي نسبته للمحرر الثقافي، هكذا دون اسم، تستند على الاسم، فاسم القرية الذي كان في رواية نصر الله “الهادية” أصبح في الفيلم “البسمة”، وهذا دليل من وجهة نظر المحرر الثقافي النحرير بوجود “هذا التناغم في الاسمين يصدر، للوهلة الأولى، عن جذر واحد قوامه السكينة!”، ولا أدري لماذا وضعت علامة التعجب في نهاية الجملة، هل اعتبروا ذلك لقية وأمراً عجيباً لتستحق هذا التأثر الشديد، ودليلاً لا مفرّ من الاعتراف به.

أرأيتم مدى الانحياز العلني، وليّ عنق اللغة لتتساوق وأوهام نصر الله؟ فهل يعقل أن نذهب هذا المذهب الساذج في التفسير لنثبت الشبهة، هذه اللفظة التي وضعها بيان الشبكة بين قوسين؟

إن مسألة التأثر أمر وارد بكثـرة بين الناس عموماً، حكايات وقصصاً، وشعراً وأفكاراً، وكثيراً ما لاحظتها في ما أكتبه من شعر وسرد، والأدلة على ذلك كثيـرة عندي وعند غيـري، وليست مسألة جديدة، وتتعدى حدود الثقافة الواحدة لتوجد بين الثقافات، ومعروفة عربياً عند الأقدمين، وأوردها النقد القديم في أعلى تصوراتها بعبارة “وقع الحافر على الحافر”، ولا يعنون بها التشابه، بل التطابق الكامل بين نصين، ويوردون مثالا لذلك قول طرفة بن العبد في معلقته: “وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم، يقولون لا تهلك أسىً وتجلّدِ”، إنه البيت نفسه الوارد في معلقة امرئ القيس: “وقوفاً بها صحبي عليّ مطيّهم، يقولون لا تهلك أسىً وتجمّل”، ولولا القافية لكانا بيتاً واحداً، وعلى الرغم من تفسيرات النقاد لهذا التشابه إلا أنهم لم ينفوا أن يصدر كل منهما من تجربته الخاصة، وتشابه التجارب يعطي أدباً متشابهاً بل متطابقاً، أعيد قول ذلك وقد سبقني في قوله أساتذة ونقاد كثيرون.

إن الحالة الفلسطينية حالة غاصّة بالتكرار من لدن النكبة حتى أحداث الإبادة الجماعية، وتصرفات الناس، في النـزوح، وفي البحث عن مأوى، وفي الأكل، وفي قضاء الحاجة، وفي أشياء كثيـرة، والأخبار قبل الأدب يغص بها، فهل إذا تناولها أحدهم يكون سارقاً، وأين حقوق الملكية في هذا كله؟ إن الأحداث منجز إنساني عام يغرف منها كل من أراد الكتابة، لكنّ المعوّل عليه هو زاوية النظر، وطريقة المعالجة الخاصة التي لا تجدها في الخبـر أو في المرويات التاريخية، وهذا يلزمه أكثر من مجرد التشابه الظاهريّ، ليخضع المنجزان المقصودان إلى عملية تحليل دقيقة يتم فيها الكشف عن هذا التشابه، ولا بد من أن يقوم بهذه العملية نقاد متخصصون بارعون، متجرّدون من الحب والكره والمصلحة، ويصدرون بياناً مفصلاً في ختام عملية التحليل والمقارنة، بعدئذٍ سيكون رأي تلك اللجنة ملزماً للطرفين، وعليهم أداء ما يترتب عليهم من حقوق أو واجبات؛ فإن لم تثبت التهمة يلزم المدعي حقاً لازماً بالاعتذار للمتهمين، وتعويضهم لأنه قد شوّه سمعتهم وعملهم، وتاريخهم الإبداعي.

حالة نصر الله ليست الوحيدة ولن تكون الأخيرة، وهو من جملة ما يتلبّس الأدباء من وهم السيطرة على ما يكتبون، ورغبتهم في امتلاكه وتطويعه لهم وحدهم، وكأنه أصبح لهم بمجرد أن مرّ في نهر “سردياتهم”، هل السبق في الكتابة عن التاريخ يعطي شرعية للكاتب لامتلاك حق إعادة سرده؟ هل يحق لمن كتب لأول مرة عن “السيد البدوي” مثلاً أن يحاكم كل من كتب بعده عن السيد البدوي، على الرغم من أنه كاتب أول للحكاية، ومنقذها من ركام النسيان والإهمال؟ هل يحق له أن يقول إنها حكايتي وسرديتي وروايتي فلا تقربوا منها، وكل من تمتد يده إليها فهو سارق ويستحق قطع يده، على الرغم من أنه لا حد في سرقة الأدب، كما قال الفرزدق: “خير السرقة ما لا تقطع فيه اليد” ويقصد السرقات الشعرية، إذ كان كثيراً ما يُغير على أشعار الشعراء، فيسرق منها ما يستحسنه، وخاصة صغار الشعراء الذين لم يُسمع بهم، ولم يكن لهم صيت ذائع.

إضافة إلى كل ما سبق فإن التجربة لدى الكاتب- أي كاتب- هي تجربة ممتدة، ومتشعبة، تأتيه من مصادر محتلفة، أولها حياته وما يمر به، وثانياً ما يسمع عنه، ويحدث أمامه، وثالثها ما يقرأ عنه في الكتب، ورابعاً ما يتأمله ويستطيع الوصول إليه بنفسه بالبحث الذهني المجرّد، فيختـزن كل ذلك في “لاوعيه”، وكل تلك التجارب تساهم في صنعه وصناعته الأدبية والمعرفية، وهذه الفكرة مدار أصحاب نظرية التناص الذين يرددون مقولة: “ما الأسد إلا مجموعة خراف مهضومة”، ولا يوجد كاتب غير متأثر بآخرين، حتى نصر الله نفسه، فكيف يحق لنفسه “سرقة الخبر التاريخي” ليصوغه سرداً روائياً ثم يصطفيه- احتكاراً- لنفسه، مانعاً الآخرين من الاقتراب منه؟ أي بلاهة في هذا المنطق كله؟

وثمّة أمر غريب جداً في هذه المسألة، وهي لماذا البيان صادر عن “مكتب نصر الله”؟ ومتى كان له مكتب يصدر البيانات؟ وبصفتي أحد المتابعين له، لم أكن ألاحظ أن له “مكتباً” يصدر عنه بيانات صحفية وإعلامية ولأول مرة يحدث ذلك على حسب علمي، فلماذا هذه الطريقة الملتوية والتهويل؟ وكأن الأمر سيصبح أكبـر دلالة وهو صادر عن “مكتب إبراهيم نصر الله”؟ كأنه مكتب رئيس وزارة مثلاً. إنه نكتة سمجة ليس لها أي معنى.

يبدو أن إبراهيم نصر الله اشتاق لأن يكون “محور الساعة” لتدق حيثما أراد لها أن تدق، ليس طمعاً في الشهرة، فليس محتاجاً لها بكل تأكيد، وقد طبقت شهرته الآفاق شرقاً ومغرباً، لكنه، اشتاق لأن يدخل معمعة المعارك الأدبية، لكنه دخلها وقد خانه “موظفو مكتبه” الوهميون هذه المرة، ولعله يبحث عن تعويض ماليّ من وزارة الثقافة الفلسطينية التي لن تتعامل مع شكواه بالنسيان والإهمال، كما فعلت مخرجة الفيلم، وقد أحسنت صنعاً بفعلها، فوزارتنا رغماً عن أزمتنا المالية الحادة، ستوفر لنصر الله تعويضاً يرضيه ويُغنيه، ليسارع “مكتبه” لإصدار بيان بأنْ تمت تسوية الأمر مع وزارة الثقافة، وبهذا تكون الوزارة الفلسطينية أمّاً رؤوما حنوناً عطوفاً تمسح دموع الكاتب الذي اختنق بها، وشهق بمرارتها، وهو يظن أن أحدهم قد سرق لعبته المفضلة، لعبة السرد، لا أحدَ- ساعتئذ- سيقول إن الكاتب الكبير قد مارس الابتزاز على مؤسسة حكومية كاملة، وأجبـرهم لما لديه من “سلطة الكاتب الكبير” على الاعتـراف بذنب لم يقترفه أحد، وجريمة- إن صحت- لم يرتكبها أيّ شخص، فما بالكم وهو يفبرك التهمة ليلبسها آخرون ويحملوا أوزارها كاملة على ظهورهم، فبئس ما سيصنعون لو حدث ذلك وتم لنصر الله ما أراده، إن كان هذا فعلاً ما يفكّر فيه.

وبغضّ النظر عما سيحدث، تبقى مسألة مثل هذه ضرباً من التوقع، لا دليل على النفي، كما لا دليل على الإثبات، لكنها في نهاية المطاف توفر لنا جميعاً فرصة أن نكتب وندلي بدلونا في مسألة صارت (ترنداً) تتـردد بين الفينة والأخرى، وخاصة مع الروايات التاريخية والواقعية فلسطينية وعربية، وصارت ظاهرة تستدعي البحث والتقصي والدراسة المنهجية، فقد شهدتُ شيئاً من ذلك مع رواية “ياسين” لأحمد أبو سليم وادّعاء الكاتبة “بديعة النعيمي” بأن (أبو سليم)- رحمه الله- سرق من روايتها “عندما تزهر البنادق”، وصارت معمعة، لم يكن فيها أحد منتصر سوى الكتابة ذاتها.

وأخيـرا أقول: لماذا لا ينظر الكاتب- نصر الله وغيـره- إلى أن أدبه المسروق يستحق السرقة، فالناس لا تسرق الأمر التافه الهيّن، إنما تسرق الجواهر والماس والتحف النادرة، فما على الروائي إبراهيم نصر الله وكل ضحايا السرقات الأدبية- إن ثبتت صحتها- إلا أن يفرحوا، فعندهم ما ترنو إليه العين، فيغافلهم الآخرون، ويسرقونهم، ويا لفرحة السّرّاق أيضاً إن هم استطاعوا أن يخفوا تلك السرقات ويغرّبوها عن الكاتب نفسه، وإلا “لا فيهم ولا في سرقاتهم”، كما كانت تقول جدتي- رحمها الله رحمة واسعة.