المجلة الثقافية الجزائرية

تقنيات السرد المراسلاتي في رواية أساور مأرب” للغربي عمران: دراسة نقدية في البناء الدرامي، ومستويات اللغة

هشام شمسان

______________

تقدم رواية “أساور مأرب” لكاتبها “محمد الغربي عمران” تجربة روائية تنتمي لأدب الأزمات والحروب، حيث تستعرض من خلال شخصية “كنز” مأساة الإنسان اليمني، وسط دوامات الصراع، والاستغلال التي تتعرض لها المرأة اليمنيّة في ظل ظروف الحرب والنزوح، وتكشف الرواية عن أنماط متباينة من الرجال الذين يمارسون هذا الانتهاك الجسدي والنفسي، ومن ذلك الاستغلال الجنسي، إذ تتحدث الرواية عن وجود شبكة دعارة منظمة تحت غطاء الرعاية الصحية والإنسانية، ومن خلالها يتم استدراج الضحايا (مثل كنز) بحجة العلاج، ثم يتم احتجازهن وإجبارهن على ممارسة الرذيلة مع شخصيات نافذة.

كما تناقش الرواية الاستغلال الاقتصادي والمنزلي في بيئة “وادي القات”، حيث يُفرض على النساء العمل الشاق في الزراعة، والاحتطاب، ورعي الأغنام، بينما يقتصر دور الرجال على قطف القات وبيعه، مع اشتراط تسليم عوائد عمل المرأة لزوجها..

كذلك يتم الابتزاز بالأمومة، إذْ تستخدم رضيعة كنز (هيلن) كأداة ضغط وابتزاز لإجبار الأم على الانصياع لأوامر شبكة الاستغلال بالدعارة.

كذلك نجد الاستغلال السياسي والاجتماعي، بتوظيف النساء كأدوات “منادمة” لرجال السلطة والنافذين (يمنيين وأجانب) لضمان حماية الشبكة واستمرار نفوذها.

وتُظهر الرواية نمطين رئيسيين من الرجال الذين يمارسون الاستغلال الجسدي والانتهاك ضد النساء:

♢ أولاهما: المستغل “الناعم” ذو النفوذ (صاحب المركز)، و هذا النوع يمثل الشخصيات المرموقة في نظر المجتمع، مثل القادة العسكريين (“الأفندم”)، والمشايخ، والمسؤولين النافذين .

ومثل هذا، يمارس استغلاله في الخفاء داخل فيلات فارهة أو أجنحة فندقية، مستخدماً المال والهدايا (مثل الساعات والخواتم) لإغواء الضحايا.

♢ وثانيهما، المستغل “العنيف: المتسلّط جسدياً أو آيديولوجياً، ويتمثل هذا النوع في الرجال الذين يستخدمون القوة البدنية المباشرة أو السلطة الدينية والاجتماعية لفرض إرادتهم ومن أمثلة الذين يستخدمون القوة البدنية المباشرة الرجل الذي حاول اغتصاب “كنز” في الكهف، مستخدماً الضرب والتمزيق لملابسها، وتعريتها، ومحاولة اغتصابها .

أما المستغل الآيديولوجي: فمثل “المزرر” الذي تغيرت شخصيته بفعل الحرب والتحريض، فأصبح يمارس القمع ضد أخته باسم “الجهاد” والدين، ويراقب تحركاتها ويحرمها من حريتها، بل ويصل الأمر إلى حد تقبل فكرة “بيعها” أو تزويجها قسراً مقابل ثمن بخس.

○ وبناءً على أحداث الرواية، فهذا عرض لأهم الشخصيات الرئيسية، والمؤثرة في البناء الدرامي للرواية:

– كنز: (الحالة “Y”) وتعد بطلة الرواية، والساردة الأساسية لمعاناتها، وتمثل الضحية التي سحقها الصراع.

– هيلن (Hilen): الطبيبة الأجنبية التي أنقذت حياة “كنز” الطفلة وأشرفت على علاجها. وتعد الطرف الآخر في المراسلات، والمحفز الذي دفع كنز لتدوين ذكرياتها وبوح مأساتها لتجاوز الصدمة النفسية.

– الجدة (الفازعة): وتمثل الجذور والهوية والصلابة البدوية، و هي صاحبة “الأساور” التي ترمز للميراث، وتشكل الخلفية الثقافية للرواية.

– المزرر (أخو كنز): يعد الشخصية التي تُجسد تحول الشباب اليمني تحت وطأة الحرب والآيديولوجيا. انتقل من كونه شقيقاً حنوناً إلى “مجاهد” متشدد. يزوج أخته قسراً، مقابل قطعة سلاك، وانتهى مصيره بالقتل في الجبهات .

– الدكتورة، والأستاذة : هما قطبا شبكة الاستغلال في مأرب. تدير الدكتورة الواجهة الطبية لاستدراج الضحايا، بينما تتولى الأستاذة “شيخة” الإدارة الميدانية والقمع والابتزاز لإجبار الفتيات على العمل في “المنادمة الليلية”

– سيد الوادي (الشيخ): يمثل سلطة القوة والمال التقليدية والسياسية، وهو من اشترى “كنز” من أخيها وتزوجها قسراً، وحملت منه.

– (التي لم تعد سمينة): رفيقة رحلة “كنز” الأولى، وتمثل نموذجاً آخر للضحية التي اختارت التكيف بالزواج من المهرب للنجاة، وظلت صلتها بكنز عبر الرسائل الرقمية.

ومن الشخصيات الثانوية المؤثرة درامياً:

– قيم المسجد (أبو عبد الله) وزوجته: وهما اللذان وفرا لكنز أول ملجأ آمن في مدينة مأرب، ويمثلان الجانب الإنساني الفطري المتدين قبل أن تنقطع علاقتهما بكنز بسبب سوء فهم حول حملها.

– الأشرم (المهرب): الرجل الذي ساوم كنز ورفيقتها على تهريبهما، وانتهى به الأمر بالزواج من الرفيقة ومساعدتها لاحقاً في عملية إنقاذ كنز من “دار النصر” .

– المعلمة وزوجها: هما الأسرة التي استضافت كنز أثناء علاجها في الكامب، وقدما لها الرعاية والحب في طفولتها، وكانا يرغبان في تبنيها.

– هارش: ابن سيد الوادي، وكانت له لقاءات ملتبسة مع “كنز” في المسجد، ويمثل امتداداً لسلوك والده الاستغلالي تجاهها.

– المزارع: جار كنز في وادي القات الذي لعب دور الوسيط والواشي في بعض الأحيان، وكان حلقة الوصل بين كنز وبين سيد الوادي والمزرر .

وبهذا العرض للشخصيات، وادوارها، يتضح أن الرواية كلها بنيت على تقاطع المصالح والمشاعر بين هذه الشخصيات؛ حيث تبرز الصدمة بين عالمين: إنساني، وآخر استغلالي، و”كنز” بينهما هي الحلقة الأضعف التي تحاول الانعتاق.

● تقنيات السرد في الرواية:

تتمثل عبقرية البناء الدرامي في رواية “أساور مأرب” في توظيف تقنيات السرد المراسلاتي لا كإطار خارجي فحسب، بل كمحرك جوهري يربط شتات الذاكرة بوجع الواقع، حيث تبرز المراسلة كجسر زمني وفضاء يربط بين البطلة “كنز” والطبيبة “هيلن”، فتبدأ الرواية بكنز وهي تقلب هاتفها الخليوي- مما يمنح السرد صبغة “المراسلة الرقمية” الحديثة التي تتجاوز النمط الكلاسيكي للرسائل الورقية، لتصبح الشاشة ضوءاً يعكس انكسارات وجه البطلة في ليل مأرب الصاخب بالانفجارات.

وتتجلى وظيفة هذه التقنية في كونها أداة للاستنطاق السردي؛ فالمراسلة هنا هي التي تحفز “كنز” على البوح وتجاوز صدمتها النفسية، خاصة حين تحثها “هيلن” قائلة: “ابدئي الآن بالكتابة، فلديك متسع من الوقت” وهو ما يحول فعل الكتابة من مجرد توثيق إلى رحلة استشفائية تبحث فيها “كنز” عن أمانها المفقود بين ثنايا الكلمات.

هذا التبادل الرسائلي يمنح النص بنية تعدد الرواة، حيث يتقاطع صوت كنز الذاتي الذي يسرد مأساة “وادي القات” وشبكات الاستغلال، مع صوت “هيلن” الموضوعي الذي يعيد قراءة “الحالة Y” من خلال تقارير طبية وذكريات مدونة في “الكامب”. وهذا التوازي السردي يسمح للقارئ برؤية الحقيقة من زاويتين: زاوية الضحية التي تعيش الألم، وزاوية المراقب الإنساني الذي يحاول ترميم هذا الحطام. ومن هنا، تتحول الرواية إلى وحدات زمنية مقسمة عبر “الليالي”، حيث تفتتح كل ليلة برسالة أو استرجاع لمراسلة سابقة، مما يخلق ترابطاً سياقياً يملأ الفجوات الزمنية التي خلفتها سنوات الصراع.

وتكمن القيمة الفنية لهذه التقنية في قدرتها على دمج الوسائط الحديثة مثل فيسبوك وواتساب في بنية السرد، حيث يغدو البحث عن اسم “Hilen” في محركات البحث بمثابة رحلة للبحث عن الذات المفقودة وسط ركام الحرب. والمراسلات هنا لا تنقل المعلومات فحسب، بل تعمق الرابطة العاطفية؛ فكنز تسمي طفلتها “هيلن” تيمناً بالطبيبة التي تراسلها، مما يجعل الرسالة خيطاً سرياً يربط بين جغرافيا “مأرب” القاسية وبين عوالم “هيلن” البعيدة .

وفي نهاية المطاف، يصل السرد المراسلاتي في “أساور مأرب” إلى ذروة التلاحم الإنساني حين تتبادل الشخصيات الأدوار، فتصبح الطبيبة “هيلن” هي من تبوح بأوجاعها وفقدها لصديقها “رضا”، مما يجعل المراسلة منصة للشراكة الإنسانية في الألم التي لا تعترف بحدود أو هويات.

○ الرواية تعتمد بناءً سردياً، ودرامياً متداخلاً يمزج بين الحاضر والماضي عبر تقنية “الليالي” حيث تبدأ كل ليلة برسالة أو ذكرى تفتح الباب لسرد أحداث الماضي. هذا الأسلوب ربط بين الحاضر -كنز في مبنى المنظمة- والماضي- حكايات الصحراء والهروب- هو ما حول عملية السرد إلى فعل “بوح” تطلبه “هيلن” وتستجيب له “كنز” لتتخلص من أوجاعها.

وقد أتاح أسلوب المراسلات في الرواية لوجود وجهتي نظر مختلفتين للأحداث؛ فبينما تحكي “كنز” مأساتها من الداخل بأسلوب اعترافي ذاتي، تقدم “هيلن” رؤية خارجية موضوعية (طبيّة وإنسانية) هذا التوازي خلق مقارنة بين عالمين: عالم البادية والحروب والقيود، وعالم المنظمات الإغاثية والحرية الفردية.

ومثل هذا الأسلوب حوّل الرواية من مجرد سرد تتابعي للأحداث إإلى”ديالوج” إنساني عميق يمزج بين التوثيق التاريخي للأزمة اليمنية وبين السيرة الذاتية النفسية للبطلة، فلم يكن مجرد وسيلة تواصُل، فحسب، بل شكّل الهيكل السردي والعمق النفسي للعمل.

○ مستويات اللغة الواصفة في رواية “أساور مأرب”

مما يسترعي الانتباه اثناء قراءة الرواية، هو تلك اللغة الناسجة للرواية، بكونها فصحى تميل أحياناً إلى الشاعرية في وصف المشاعر والمناظر الطبيعية. وهي لا تكتفي بوصف المشاعر، والطبيعة، فحسب، بل نجدها تمسح – كذلك- جغرافيا الجسد، بلغة شاعرية حزينة، خاصة في مشاهد علاج “كنز” أو مشاهد الانتهاك، إذْ تتحول اللغة إلى أداة استشفاء وبوح.

وطُوعت اللغة في جانب منها لخدمة الواقعية من خلال استخدام بعض المفردات البيئية اليمنية، مثل: “الدشم”، و”المحاريس، و”الحفة” (تحميل المتاع على الجِمال) و”الولايا” (النساء المستضعفات) و”نمار” (اسم الجرو)، وغيرها.. حيث وظفت هذه الكلمات لتعميق الانتماء المكاني للنص دون أن تشكل عائقاً أمام القارئ، وأعطت الرواية نكهة محلية صادقة دون الإخلال بوضوح المعنى.

وأبرزت اللغة الواصفة تضاداً حاداً بين “الأساور” التي ترمز للجمال، والميراث الفطري، وبين الأسلاك الشائكة، وأسلاك الشواحن، وشبكات الاتصال والمراقبة مما يعكس صراع الإنسان مع قيود الحرب.

كما برع الكاتب في وصف “قبح المدينة الحربية”؛ حيث الجدران المغطاة بصور القتلى، والمقابر التي تتوسع على جانبي الطريق، مما خلق تضاداً بصرياً بين رحابة الرمل وضيق “الدشم” والزنازين. ” .

○ العنوان، ثيمة الرواية:

عند التأمل في دلالات العنوان الذي اختاره الكاتب لروايته، لاسيما كلمة” أساور” فإننا نجده يخلق تضاداً بين رقّة وجمال وقيمة “الأساور” وبين واقع “مأرب” بأسلاكه، كمسرح للانفجارات، وشبكات الاستغلال، والمقابر. وبما أن “الأساور” في- حقيقتها- تمثل الجمال الإنساني، والجسماني، لكن هذا الجمال يُسحق وسط بارود الحرب. فالأساور لم تكن مجرد زينة، فحسب، بل تحولت إلى ثمن للحرية؛ فعندما ضاق الخناق على “كنز” في “دار النصر”، استخدمت أحد هذه الأساور لمقايضة الحارس “الدميم” لكي يسمح لها بالخروج. فأصبح السوار هنا رمزاً إلى التضحية بأغلى ما يملك الإنسان (ميراثه وانتماؤه) من أجل البقاء والنجاة.

بهذا، يكون اختيار “أساور” تعبيراً رمزياً عن ثيمة الرواية التي تمزج بين قيمة الإنسان (الذهب) وبين رخص الحياة في زمن الحرب، وكيف يضطر المرء لبيع أساور تاريخه، ليشتري مستقبلاً مجهولاً.

وتعتبر “كنز” (شخصية الرواية) هي التجسيد المادي، للعنوان، الذي تحاول الشخصية الحفاظ عليه وسط محاولات الجميع استغلالها، وسلبها إنسانيتها.

○ وصفوة القول؛ فإن الرواية عمل نقدي جريء نجح في استخدام التعددية الزمنية لبناء مأساة إنسانية عميقة، وإن شابها بعض الإطالة الوصفية التي قد تثقل كاهل القارئ المتلهف للحبكة المتسارعة؛ إذْ ظهر فيها الإسهاب بوضوح في المقاطع الوصفية الطويلة للبادية وتكرار بعض الذكريات حول “الحالة Y” مثل قصة علاج كنز في “الكامب”.

وقد تُعتبر بعض الحكايات الجانبية، مثل قصص الجدة عن “العايبة” أو تفاصيل دروس الدين في وادي القات نوعاً من الحشو الذي يبطئ وتيرة الأحداث الرئيسية، لكنها في المقابل تعمل على بناء خلفية ثقافية واجتماعية ثرية تفسر دوافع الشخصيات ومصيرها.

______________

✮ أديب وناقد من اليمن