المجلة الثقافية الجزائرية

خلف الشاشة وخلف المختبر.. كيف أدار د/ مصطفى محمود معركة (الوعى والمادة) فى وعاء المستقبل

  د/ محمود حسن محمد

 

     تخيل أنك تجلس فى غرفة يكسوها وهج دافئ، يأتيك صوت رخيم يمزج بين صرامة الجرّاح وسكينة الصوفى، ليبدأ رحلة بصرية عبر الميكروسكوب ومناظير الفلك، معلنا بداية نصف ساعة من الدهشة… لم يكن برنامج “العلم والإيمان” مجرد موعد تليفزيونى عابر فى ذاكرة الأجيال، بل كان مختبرا فكريا متكاملا، وصياغة مبكرة لوعى عربى جديد، يحاول اللحاق بقطار العالم المتطور دون التفريط فى هويته الروحية.

      اليوم ونحن نعيش فى قلب القرن الحادى والعشرين، نكتشف أن الطبيب والفليلسوف الراحل الدكتور مصطفى محمود لم يكن يناقش قضايا عصره فحسب، بل كان يضع يده على الجمر المشتعل لقضايا عصرنا الحالى.

          السردية المعرفية: من الشك الطبى إلى اليقين الكونى

        تبدأ القصة من مشرحة كلية الطب، حيث الجسد الإنسانى مجرد عضلات، وأنسجة، وشرايين، فى تلك المرحلة غرق الشاب مصطفى محمود فى مادية العلم الصارمة، وبحث فى أروقة المختبرات عن إجابة لأسئلته الوجودية الكبرى …

      هذا العبور من “الشك إلى الإيمان” – كما صاغه فى كتابه الأشهر – هو الذى منح مقالاته وبرامجه نكهة مختلفة، لم يتحدث بروح الباحث التقليدى، بل بلغة العالم الذى يملك أدوات المنهج التجريبى، ويفكك النظريات من داخلها.

      عندما تناول قضية “التطور البشرى” لم يرفضها بمنطق العاطفة، بل جادل بآليات علم الأحياء الدقيقة، معتبرا أن تعقيد الخلية الحية يستحيل أن يكون وليد “صدفة عشوائية” .

كان يرى فى هذا الكون “تصميما ذكيا” وبصمة صانع تتجلى فى أدق التفاصيل، من نظام الهجرة عند الطيور إلى هندسة بناء خلايا النحل.

          التحليل العميق: الاستشراف الفكرى فى عصر السيليكون

     إذا تصفحنا أطروحات مصطفى محمود اليوم بوعى عصر “الذكاء الاصطناعى والهندسة الجينية” سنبهر بحجم الاستشراف الفكرى الذى قدمه فى وقت كان العالم فيه مأخوذا بالإنجازات المادية البحتة، كان هو يطرح التساؤل الجوهرى، إلى أين يمضى بنا هذا العلم ؟.

       فى قضية “العقل والمادة” خاض الرجل معركة شرسة لإثبات أن الوعى البشرى ليس مجرد إفراز مادى للدماغ، او مجرد تيار كهربائى تسير فيه الإشارات العصبية، واليوم والعلماء يحاولون عبثا زرع الوعى والمشاعر فى شرائح السيليكون والخوارزميات يبدو تحليل مصطفى محمود أكثر راهنية، العقل البشرى يملك “بصيرة” و”حرية اختيار” و”نفخة روحية” تتجاوز قدرة أى كمبيوتر كمّى أو ذكاء توليدى على المحاكاة .

    أما فى ملف “الهندسة الوراثية والاستنساخ” فقد كان تحليلة بمثابة صرخة تحذيرية مبكرة، لم يعاد العلم، بل عادى “غرور العلم”، رأى أن محاولة التلاعب بالشفرة الجينية دون ضوابط أخلاقية ودينية هى إعلان حرب على الفطرة الطبيعية، وهو التخوف ذاته الذى يقلق علماء الجينات اليوم وهم يضعون تشريعات صارمة لمنع استنساخ البشر أو تعديل الأجنة وراثيا .

               البوصلة المستقبلية: لماذا نحتاج هذا الفكر الآن

    تكمن القيمة التحليلية لإرث مصطفى محمود فى تقديمه لمعادلة تصالحية فريدة: علم يتسع للإيمان وإيمان يتسع للعلم، فى المستقبل القريب ، حيث تتداخل التكنولوجيا مع أدق تفاصيل حياتنا وبيولوجيتنا، نواجه خطرين: إما السقوط فى العدمية الجافة، أو الانكفاء على الجهل والخوف من التطور.

        هنا يتدخل فكر مصطفى محمود كبوصلة أمان، إنه يعلمنا أن البحث العلمى الصارم هو فى حد ذاته أسمى أشكال العبادة، وأن فك شفرات الكون (من فيزياء النسبية لأثر أينشتاين وصولا لأسرار علم الأجنة) ليس إلا كشفا لآيات الخالق.

      لقد رحل الدكتور مصطفى محمود بجسده، لكنه ترك خلفه نموذجا حيا للمثقف الموسوعى الذى نحتاجه بشدة فى قادم الأيام، ذلك الذى يقرأ أحدث الدوريات العلمية بيد ويحمل قلبا مفعما بالدهشة والإيمان باليد الأخرى.