المجلة الثقافية الجزائرية

بيداغوجيا الفضول الافتراضي: المراهق المغربي بين صناعة ‘التفاهة’ وسؤال المواطنة الرقمية

عبد الغفور مغوار

مقدمة: ثمة لحظة فارقة في تاريخ الإنسانية حين انتقل الحضور من الجسد إلى الظل، ومن الفضاء العيني المحسوس إلى الفضاء الإلكتروني المتدفق. كانت هذه اللحظة سلسلة من الهزات المتراكمة التي غيرت ملامح التنشئة الاجتماعية وأعادت رسم حدود العالم الذي تنبت فيه الأجيال وتشكل وعيها. وفي المغرب تحديدا، وهو مجتمع يقف على مفترق طرق حضاري بامتياز، بين ثقل الموروث وإغراءات التحديث، يبدو هذا الانتقال أكثر حدة وأشد وطأة مما يظن كثيرون.

فالمراهق المغربي اليوم ليعيش في مجتمعين متوازيين: مجتمع الحي والمدرسة والمسجد، ومجتمع الشاشة اللامحدودة التي تفتح أمامه أبوابا لا حصر لها على عوالم لم تشهدها أجيال سابقة. والفارق الجوهري بين هذين المجتمعين أن الأول يخضع لسلطة ذات وجه إنساني، أبوين وأستاذ وإمام وجار، في حين أن الثاني تحكمه سلطة غير مرئية هي سلطة الخوارزمية التي لا تنام ولا تتعب ولا تراعي سياقا أو قيمة، إذ أنها تتفنن في إعادة إنتاج ذاتها من خلال إدمان المستخدم وتحويل انتباهه إلى سلعة تباع في أسواق الإعلانات الرقمية.

في هذا الفضاء المتشعب والملتبس، يطرح هذا المقال سؤالا مركزيا لا يهادن ولا يجامل: كيف تصوغ الخوارزميات وعي الناشئة المغربية؟ وهل يمكن المراهنة على بيداغوجيا نقدية حديثة لإعادة توجيه ما يمكن تسميته “الفضول الرقمي” نحو بناء مواطن فاعل، عوض إبقائه مستهلكا سلبيا في دوامة المحتوى الرخيص؟

لا تستقيم مقاربة هذه الإشكالية دون استحضار السياق الرقمي المغربي بكل ثقله العددي والدلالي. فقد كشفت أحدث تقارير المندوبية السامية للتخطيط أن نسبة انتشار الهاتف الذكي في المغرب تجاوزت 87٪ من الأسر، فيما تصل نسبة الشباب المغربي المتصل بالإنترنت بانتظام إلى ما يزيد على 78٪ من الفئة العمرية الممتدة بين 15 و29 سنة. وتفيد بيانات شركات التتبع الرقمي بأن المغرب يأتي ضمن الدول ذات أعلى معدلات استخدام يومي لمنصات التواصل الاجتماعي في المنطقة العربية والأفريقية، إذ يقضي المراهق المغربي في المتوسط ما بين خمس وسبع ساعات يوميا أمام الشاشة، وهو رقم يتجاوز في أحيان كثيرة الوقت المخصص للدراسة والنوم المنظم.

غير أن الأرقام وحدها لا تقول كل شيء. فالأكثر دلالة هو طبيعة المحتوى الذي يستهلكه هذا المراهق. إذ تهيمن على قوائمه مقاطع الترفيه السريع والفكاهة الساخرة والمحتوى الاستعراضي الذي يسبح في فلك “التحويم الرقمي”، أي انتشار المحتوى -الانتشار الفيروسي الخاطف- على حساب المحتويات التي تستدعي قدرا من الجهد الإدراكي أو الاستثمار الزمني. ويعكس هذا التوجه في العمق معادلة اقتصادية صارمة تسير عليها صناعة المحتوى الرقمي العالمي: ما يشاهد أكثر يمول أكثر، وما يمول أكثر ينتج أكثر، في حلقة مفرغة تتغذى على نفسها وتعيد إنتاج نفسها بلا توقف.

كان المجتمع المغربي التقليدي يعتمد في تنشئة أبنائه على منظومة متكاملة من الفضاءات التربوية: البيت الذي يغرس القيم الأولى، والمدرسة التي تشكل العقل، والمسجد الذي يرسخ البعد الروحي، والحي بما يمثله من حاضنة جماعية للنمو الاجتماعي. وقد كانت هذه الفضاءات تعمل بصورة تكاملية، وإن كان يشوبها التوتر أحيانا، في عملية تأهيل الفرد لحمل مسؤولياته الفردية والجماعية.

بيد أن شيئا جوهريا تبدل مع مطلع الألفية الثالثة، وتسارع تبدله مع انتشار الهواتف الذكية رخيصة الثمن وشبكات الجيل الرابع ثم الجيل الخامس في أعماق البادية والمدينة على حد سواء. فقد دخلت الشاشة كفاعل تربوي جديد يدخل مباشرة إلى غرفة النوم دون أن يطرق الباب، إلى لحظات ما قبل النوم وما بعد الاستيقاظ، إلى الفراغ المدرسي وإلى فسحة الغداء. وهي تدخل تحمل هدفا وحيدا مضبوطا بدقة مهندسة هو: إبقاء المستخدم متصلا أطول وقت ممكن لتعظيم عائدات الإعلانات.

كشف المفكر الأمريكي تيموثي وو في كتابه “تجار الانتباه” عن آليات المنطق التجاري الحديث، والذي يرتكز أساسا على حصد انتباه الجماهير وتسييله ثم إعادة بيعه للمعلنين كسلعة ثمينة. وفي المقابل، يتجاوز مفكرون آخرون – ومن أبرزهم عالمة الاجتماع شوشانا زوبوف في أطروحتها حول رأسمالية المراقبة – هذا الطرح الاقتصادي الكلاسيكي، إذ يصفون ممارسات المنصات الرقمية بأنها عملية استيلاء ممنهج وهندسة سلوكية تستهدف إرادة الإنسان، وتصوغ وعيه، وتستنزف قدرته على التركيز الحر. وفي سياق المراهق المغربي، يأخذ هذا الشح بعدا مضاعفا لأن بنيته النفسية في طور التشكل والبناء أكثر قابلية للانجذاب والانقياد مما هو عليه الحال لدى الراشدين.

ترتكب في سياق النقاش العام حول المحتوى الرقمي مغالطة فادحة، تتمثل في إرجاع الأمر كله إلى ضعف التربية الأسرية أو قصور المدرسة أو تراخي الرقابة الذاتية لدى الشباب. وهذا التشخيص، وإن انطوى على قدر من الصحة، يقع في خطأ منهجي يتمثل في أخلقة الظاهرة الاجتماعية وتفريدها بدل أن ينزلها في سياقها البنيوي.

فصناعة “التفاهة” الرقمية صناعة منظمة تستوعب مليارات الدولارات سنويا، وتوظف آلاف المهندسين وعلماء النفس والمختصين في الإثارة العصبية والعلوم المعرفية، ولا هم لها سوى هندسة تجربة المستخدم بحيث يتعذر عليه الانفصال عن الشاشة. وقد كشفت شهادات سربها موظفون سابقون في شركات عملاقة كميتا وتيك توك، خلال جلسات استماع في الكونغرس الأمريكي بين 2021 و2023، أن الخوارزميات مصممة بوعي تام لاستهداف الفئات العمرية الأكثر هشاشة، ومن بينها المراهقون الذين تشكل تقديرهم الذاتي وتعزز لديهم الحاجة القهرية للتحقق الاجتماعي عبر الإعجابات والمتابعات.

وعليه، فإن المقاربة السوسيولوجية السليمة ترى في “التفاهة” نتاجا حتميا لمنظومة اقتصادية رأسمالية تحول الوقت الإنساني والانتباه البشري إلى ثروات مالية هائلة، وتستثمر في إعادة إنتاج هذا النمط وتوطيده في كل يوم.

إن المقاربة التحليلية التي يتبناها هذا المقال لا تصادر على نتيجة مسبقة، ولا تنحاز إلى خطاب النوستالجيا الذي يحن إلى زمن جميل قبل الرقمي أو يبكي على الموروث الثقافي كأنه خسارة نهائية. فالتقنية في حد ذاتها محايدة، والرقمنة في أصلها حياد، والفضاء الإلكتروني مجال مفتوح على إمكانات التحرر والتعلم والإبداع بقدر ما هو مفتوح على إمكانات الاستلاب والإدمان والتسطيح. والسؤال الحقيقي يتعلق أساسا بمن يمسك بزمام الشاشة: الخوارزمية أم الإنسان؟ الربح أم المعنى؟ الإدمان أم الفضول النقدي الحر؟

وهنا تطل البيداغوجيا برأسها كسؤال استراتيجي: هل يملك النظام التربوي المغربي، بمؤسساته وكوادره وخطابه الرسمي، الأدوات الكافية لإعادة تعليم المراهق كيف يفكر أمام الشاشة لا كيف يشاهد فقط؟ وهل ثمة من يفكر جديا في تحويل “الفضول الرقمي” من مدخل للاستهلاك السلبي إلى قوة دافعة نحو بناء مواطن رقمي يحمل من السيادة الإدراكية ما يجعله قادرا على إدارة علاقته بالعالم الافتراضي، لا أن يكون العالم الافتراضي هو الذي يدير علاقته بنفسه وبالآخرين؟

هذه الأسئلة هي في العمق أسئلة سياسية وثقافية واجتماعية تمس مستقبل الهوية الجماعية للمجتمع المغربي في مرحلة بالغة الحساسية والتحول. ومن هذا المنطلق بالتحديد، سيتوغل هذا المقال في أربعة محاور كبرى: تأملات في بيداغوجيا الفضول الافتراضي، سوسيولوجيا التلقي الرقمي لدى الناشئة المغربية، ثم المقاربة الفلسفية النفسية لتحولات الفضول والاغتراب المعرفي، قبل أن ينتهي إلى اقتراح ملامح استراتيجية بيداغوجية للمواطنة الرقمية والسيادة الإدراكية، على أمل أن يسهم هذا التحليل في إثراء نقاش عمومي جاد حول إحدى أكثر قضايا الجيل إلحاحا وراهنية.

-I تأملات في بيداغوجيا الفضول الافتراضي

في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، لم تعد العملية التعليمية قادرة على الاستمرار بالمنطق التقليدي القائم على التلقين والحفظ واستنساخ المعارف الجاهزة، إذ أفرزت الثورة الرقمية واقعا جديدا أعاد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة وبطرق اكتسابها. وفي قلب هذا التحول برز ما يمكن تسميته بـ “بيداغوجيا الفضول الافتراضي”، كمقاربة تربوية حديثة تسعى إلى استثمار فضول المتعلم داخل البيئات الرقمية والتفاعلية، وتحويله من متلق سلبي إلى ذات باحثة ومكتشفة ومنتجة للمعرفة. فهذه البيداغوجيا تنطلق من فكرة جوهرية مفادها أن التعلم الحقيقي يبدأ من السؤال، وينمو عبر الدهشة والرغبة الداخلية في الفهم والاكتشاف.

وقد جاءت هذه المقاربة نتيجة أزمة عميقة عاشها التعليم التقليدي، الذي تعرض لانتقادات واسعة بسبب اعتماده على الحفظ الآلي، وإقصائه لدور المتعلم الفاعل، فضلا عن عجزه عن مواكبة التحولات المعرفية والتكنولوجية الجديدة. ففي الوقت الذي صار فيه الطفل أو المتعلم يقضي ساعات طويلة داخل الفضاءات الرقمية والألعاب التفاعلية ومنصات التواصل، مظهرا مستويات عالية من الفضول والاستكشاف، ظلت المدرسة في كثير من الأحيان عاجزة عن استثمار هذه الطاقة المعرفية الكامنة. ومن هنا بدأ التفكير في إمكانية نقل دينامية الفضول الموجودة داخل العالم الافتراضي إلى قلب العملية التعليمية، عبر بناء بيئات تعلمية تستثمر التفاعل الرقمي والمحاكاة والألعاب التعليمية والذكاء الاصطناعي في تحفيز التعلم الذاتي.

ولم يكن ظهور هذه البيداغوجيا معزولا عن التحولات الكبرى التي عرفها الفكر التربوي المعاصر، خاصة مع صعود المقاربات البنائية التي جعلت من المتعلم مركزا للفعل التعليمي. فقد أكد جان بياجيه أن المعرفة لا تنقل جاهزة إلى العقل، فهي يبنيها الفرد عبر التفاعل والاكتشاف، بينما شدد ليف فيغوتسكي على أهمية الوسائط الثقافية والتفاعل الاجتماعي في بناء التعلمات، في حين دافع جيروم برونر عن التعلم بالاكتشاف كمدخل أساسي لتنمية التفكير والإبداع. وقد وجدت هذه التصورات التربوية امتدادها الطبيعي داخل البيئات الرقمية الحديثة التي تتيح للمتعلم إمكانيات واسعة للاستكشاف والتجريب والمحاكاة.

وتقوم بيداغوجيا الفضول الافتراضي على مجموعة من الخصائص الأساسية، في مقدمتها التعلم بالاكتشاف، حيث يوضع المتعلم أمام وضعيات إشكالية أو أسئلة مفتوحة تدفعه إلى البحث والتحليل بدل الاكتفاء بالحفظ والاستظهار. كما تعتمد هذه المقاربة على التفاعل الرقمي من خلال توظيف المختبرات الافتراضية، والألعاب التعليمية، والرحلات الرقمية، وتقنيات الواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتحويل المعرفة إلى تجربة حية وغامرة. وإلى جانب ذلك، فإنها تمنح المتعلم مكانة مركزية باعتباره فاعلا في بناء التعلم، لا مجرد مستقبل سلبي للمعلومة، وهو ما يعزز الدافعية الذاتية ويقوي حس الاستقلالية والمبادرة لديه.

وتتجلى أهمية هذه البيداغوجيا في قدرتها على تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، والبحث الذاتي، والتعلم المستمر، خاصة في زمن لم تعد فيه قيمة الإنسان تقاس بكمية المعلومات التي يحفظها، بقدر ما تقاس بقدرته على طرح الأسئلة وتحليل المعطيات والتكيف مع التحولات المتسارعة. فالمعرفة اليوم أصبحت شبكة مفتوحة ومتجددة تتطلب متعلما فضوليا يمتلك القدرة على التنقل داخلها بوعي وفاعلية.

غير أن بيداغوجيا الفضول الافتراضي، رغم ما تحمله من إمكانات واعدة، ليست خالية من الإشكالات والتحديات، إذ يثير بعض الباحثين مخاوف مرتبطة بخطر الإدمان الرقمي وتشتت الانتباه وهيمنة البعد الترفيهي على العملية التعليمية، إضافة إلى الفوارق الرقمية بين المتعلمين، وضعف التكوين التكنولوجي لبعض المدرسين. كما أن الإفراط في الاستهلاك السريع للمعلومة داخل الفضاء الرقمي قد يؤدي أحيانا إلى معرفة سطحية تفتقر إلى العمق والتأمل النقدي. ولذلك فإن نجاح هذه المقاربة يظل رهينا بقدرة المدرسة على تحقيق توازن دقيق بين التفاعل الرقمي والتأطير البيداغوجي الواعي.

 -II سوسيولوجيا التلقي الرقمي لدى الناشئة المغربية

قبل أن تعد الأسرة مائدة الإفطار، وقبل أن تفتح المدرسة أبوابها صباحا، يكون المراهق المغربي قد أمضى ما لا يقل عن عشرين دقيقة – كأقل تقدير- في تصفح تغذية أخبار انستغرام أو مشاهدة مقاطع تيك توك، تلك المقاطع التي لا تتجاوز الواحدة منها في الغالب ستين ثانية، لكنها في مجموعها تشكل نسيجا إدراكيا متراكما يعيد يوميا رسم خريطة ما يستحق الاهتمام وما لا يستحق، وما يعد ناجحا وما يعد خاسرا، وما يستوجب التقليد وما يستوجب الإهمال. وهذا المشهد اليومي العادي هو تجل ملموس لما اصطلح عليه الباحثون بـ “اقتصاد الانتباه”.

1- اقتصاد الانتباه وهندسة الإدمان الرقمي

صاغ عالم الاقتصاد والمعرفة الأمريكي هيربرت سيمون مفهوم “اقتصاد الانتباه” في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين لاحظ في أبحاثه حول تصميم المنظمات في عالم غني بالمعلومات أن “وفرة المعلومات تخلق شحا في الانتباه”، وأن الموارد المعرفية المتكاثرة لا تثري الإنسان بالضرورة، إذ إنها تستنزفه وتشتت طاقته الإدراكية. وقد استعاد هذا المفهوم وطوره تيموثي وو في مؤلفه الموسوم ب “تجار الانتباه” (The Attention Merchants, 2016، المترجم إلى الفرنسية بعنوان: Les marchands d’attention)، مؤكدا أن المنصات الرقمية الكبرى أحكمت تحويل الانتباه البشري إلى بضاعة تقدر قيمتها بالمليارات.

والمراهق من منظور هذا الاقتصاد مستخدم منتج، ومادة خام تعالج وتكيف لتباع بيانات سلوكه وتفضيلاته ومشاعره لشركات الإعلان. وقد وثقت الدراسات المنشورة في مجال الأخلاقيات الرقمية والتربية على الإعلام أن المنصات تعتمد على ما يمكن وصفه بـ “بنية الإغراء المتسلسل”، أي توالي المحتويات المحسوبة بدقة لتبقي المستخدم في حالة ترقب مستمر، مستثمرة ما يعرف في علم الأعصاب بـ “حلقة الدوبامين”، تلك الآلية الكيميائية التي تجعل الدماغ يبحث عن المكافأة التالية قبل أن يستوعب المكافأة الراهنة.

وفي السياق المغربي تحديدا، تفصح المؤشرات السنوية الصادرة عن الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات (ANRT) في تقاريرها المتعاقبة حول مؤشرات الاتصالات بالمغرب، أن معدلات الاتصال بالإنترنت ووقته سجلا ارتفاعا قياسيا ومطردا مقارنة بفترة ما قبل جائحة كوفيد. وهذا الارتفاع يكشف عن تحول عميق في علاقة الناشئة بالزمن والمعنى والوجود. 

2- الهروب إلى الافتراضي، جذور اجتماعية ونفسية

لا يصح تفسير انجذاب المراهق المغربي إلى العوالم الافتراضية تفسيرا اختزاليا يحيله إلى خمول فطري أو عجز ذاتي. فالإنصاف السوسيولوجي يقتضي قراءة هذا الانجذاب في ضوء السياق الذي أنتجه. وأول هذه السياقات أن المراهق المغربي يعيش في بيئة تعاني شحا حادا في الفضاءات الثقافية والترفيهية الواقعية: فالمسارح تغيب عن أغلب المدن الصغيرة والمتوسطة، ودور الشباب لا تقدم في معظم الأحيان سوى بنية تحتية متهالكة، والمكتبات العمومية لا تستجيب لتطلعات جيل نشأ على السرعة والتفاعلية. وأمام هذا الفراغ الثقافي، تقدم الشاشة نفسها كفضاء أوحد متاح بالمجان، متجدد، وقادر على الاستجابة لكل طلب في كل وقت.

يضيف عالم الاجتماع الفرنسي فرانسوا دو سانغلي في كتابه “المراهق” (L’Adolescent, Armand Colin, 2007) بعدا آخر حين يؤكد أن المراهقة مرحلة البحث المحموم عن الاعتراف الاجتماعي، وأن الفرد في هذه المرحلة يحتاج بإلحاح إلى مرايا اجتماعية تعكس له صورة ذاته وتؤكد له حضوره في العالم. والمنصات الرقمية تفهم هذه الحاجة وتستغلها ببراعة قاتلة: فالإعجاب والتعليق والمتابعة أصبحت العملة الاجتماعية التي يقيس بها المراهق قيمته، والخوارزمية تعرف ذلك تماما وتغذيه باستمرار.

ومن زاوية أخرى، يلفت عالم النفس الاجتماعي المغربي محمد الدريج في مقاربته لظاهرة الاستخدام الرقمي لدى الشباب المغربي، ضمن أعماله المنشورة حول التربية والمجتمع، إلى أن ثمة “أزمة معنى” حقيقية تعانيها الناشئة المغربية في ظل خطاب مدرسي لا يجيب عن أسئلتها الوجودية الكبرى، خطاب ديني يجد نفسه أحيانا في مواجهة مع التحديث، وخطاب أسري يفتقر في أحيان كثيرة إلى أدوات التفاوض مع الجيل الرقمي. وفي هذا الفراغ بالذات يجد المراهق في الشاشة ما يشبع شيئا من جوعه الرمزي، وإن كان هذا الإشباع وهميا وعابرا.

2- تفكيك مفهوم “التفاهة”، من الإدانة إلى الفهم

مفهوم “التفاهة” من المفاهيم التي تطورت دلالاتها بشكل لافت، حيث انتقلت من سياق لغوي وبلاغي كلاسيكي يدور حول الرداءة والقلة، إلى سياق اصطلاحي وفلسفي معاصر يفكك بنيات المجتمع الحديث واقتصاد الانتباه.

أ) التفاهة لغة

تشتق الكلمة في اللسان العربي من المادة المعجمية (ت ف ه)، وتدور معانيها حول النقصان، والقلة، وفقدان الطعم أو القيمة.

في المعاجم الكلاسيكية (كلسان العرب لابن منظور): يقال تفه الشيء يتفه تفاهة وتفوها، أي صار تافها قليل القيمة.

– تفاهة الطعام: أصل الاستعمال كان يطلق على ما لا طعم له ولا ملوحة فيه، فيقال “طعام تافه” أي مسيغ لكن لا ميزة في طعمه.

– تفاهة العقل أو القول: انتقل اللفظ مجازا للدلالة على الحقارة والقلة، فيقال “رجل تافه” أي رديء العقل، قليل المعرفة، ونزير العطاء. وفي الحديث الشريف جاءت كلمة “الرويبضة” وفسرت بأنها: “الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”.

ب) التفاهة اصطلاحا

التفاهة في الاصطلاح المعاصر تحولت إلى مفهوم تفسيري ونقدي يسعى لفهم المنظومات الاجتماعية والسياسية والرقمية الحديثة. ويمكن رصد معناها عبر مستويين:

– الدلالة السوسيولوجية والفلسفية المعاصرة

ارتبط المفهوم اصطلاحا بـ “نظام التفاهة” (La Médiocratie) الذي صاغه الفيلسوف الكندي آلان دينو (Alain Deneault). وتعرف التفاهة هنا بأنها: سيطرة الأشخاص متوسطي الكفاءة والرديئين على مفاصل الشؤون العامة، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، حيث تقاس القيمة بمدى القدرة على الامتثال للمنظومة القائمة دون إبداع أو نقد حقيقي.

في هذا السياق، التفاهة هي إعادة صياغة للمجتمع بحيث يهمش العميق والجدي، ويرفع من شأن السطحي والنمطي المقنن.

– الدلالة الرقمية (في سياق اقتصاد الانتباه)

في البيئة الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، يقصد بالتفاهة اصطلاحا:

إنتاج واستهلاك محتويات رقمية سريعة، سطحية، وعاطفية تفتقر إلى القيمة المعرفية أو الجمالية، وتصمم خصيصا لاستثارة خوارزميات المنصات وحصد المشاهدات.  

تتحول التفاهة وفق هذا التعريف من مجرد “سلوك فردي” إلى آلية اقتصادية مدرة للمال، حيث يمأسس التدفق الرقمي الابتذال ويجعله معيارا للنجاح والانتشار الاجتماعي.

كما ظل مفهوم “التفاهة” في الخطاب التربوي المغربي السائد حكما أخلاقيا جاهزا يوجه نحو المحتويات الترفيهية الرقمية وصانعيها ومستهلكيها على السواء. والحال أن هذا الحكم، وإن انطوى على قلق حقيقي ومشروع، يخطئ هدفه حين يكتفي بالإدانة عوض التشريح. فالتفاهة هي ظاهرة اجتماعية لها منطقها الاقتصادي ومنطقها الثقافي.

يشير المفكر الكندي آلان دونو في مؤلفه الاستثنائي “نظام التفاهة “Le système de la médiocrité, 2017، صدر بالعربية ترجمة طارق عثمان عن دار كلمة سنة 2020، إلى أن “التفاهة” في عصرنا صارت منظومة متكاملة تستوعب السياسة والثقافة والإعلام والاقتصاد على حد سواء، وأن المجتمعات المعاصرة تمنح جوائزها وشهرتها واعترافها لمن يتقن أكثر اختزال الأشياء المعقدة في صيغ سطحية قابلة للاستهلاك الفوري. وهذه المنظومة تجد في خوارزميات المنصات ناقلها الأمثل ومضخم صوتها الأقوى.

أما في سياق ثقافي عربي، فقد اقترب المفكر التونسي عبد الوهاب المؤدب، في عدد من مقالاته وحواراته الفكرية، من الإشكال نفسه حين نبه إلى مخاطر تسطيح الثقافة وتحويل المعرفة إلى مادة استهلاكية سريعة الزوال، بما يؤدي إلى تآكل الفوارق بين الجاد والترفيهي. وهو ما يتجلى اليوم بوضوح في خوارزميات التوصية التي تضع المادة التراثية أو العلمية ضمن التدفق نفسه الذي يضم المقاطع الساخرة والمواد الترفيهية الخفيفة، بما يعيد تشكيل وعي المتلقي، خاصة المراهق، على أساس التكافؤ بين المضامين، حيث يغدو كل شيء قابلا للاستهلاك بالدرجة نفسها، دون تراتبية معرفية أو جهد تأويلي.

4- صناعة القدوة الرقمية وإعادة تشكيل السلم القيمي

من أعمق التحولات التي أحدثتها ثقافة المنصات في وعي الناشئة المغربية إعادة بناء مفهوم “القدوة”. فإذا كانت الأجيال السابقة تستقي نماذجها الاحتذائية من الوالدين والأساتذة والشخصيات الدينية والتاريخية، فإن جزءا كبيرا من الجيل الراهن صار يبني تصوراته عن النجاح والكمال ومعنى الحياة من خلال ما تعرضه عليه المنصات الرقمية يوميا، وفي مقدمة ذلك شخصية “المؤثر” أو “صانع المحتوى”، الذي يجمع بين الظهور المكثف والثروة السريعة وأسلوب الحياة الاستعراضي، دون أن يرتبط ذلك بالضرورة بإنتاج معرفي أو إبداعي ذي أثر عميق.

وقد كشفت دراسات واستطلاعات دولية حديثة حول استخدام المراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي أن مهن التأثير الرقمي وصناعة المحتوى أصبحت ضمن التصورات المهنية الأكثر جاذبية لدى نسبة معتبرة من الشباب، خاصة في الفئة العمرية ما بين 13 و17 سنة، وهو ما يعكس تحولا دلاليا في تمثل معنى النجاح والعمل والقيمة الاجتماعية. فبعدما كانت المهن التقليدية ذات الإسهام العلمي أو الاجتماعي تحظى بمكانة رمزية عليا، أصبح الحضور الرقمي نفسه يتحول تدريجيا إلى قيمة قائمة بذاتها، بصرف النظر عن طبيعة المحتوى أو أثره الحقيقي.

ويتقاطع هذا التحول مع ما يحلله عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي جان بودريار في كتابه Simulacres et Simulation الصادر سنة 1981، حيث يبين أن المجتمعات المعاصرة دخلت مرحلة تصبح فيها الصور والتمثلات الإعلامية أكثر حضورا وتأثيرا من الواقع نفسه، فيما يسميه بـ “فرط الواقع ” (Hyperréalité). وفي هذا السياق، صار المتلقي يقارن حياته بالنماذج المصنوعة رقميا والمفلترة خوارزميا، والتي تقدم أنماطا مثالية ومبالغا فيها للحياة والنجاح والجمال والرفاه.

وهو ما يفسر، في السياق المغربي، كيف يتحول مستوى العيش المعروض على الشاشة إلى معيار ضمني لتقييم الواقع اليومي، الأمر الذي يولد لدى كثير من المراهقين شعورا متناميا بالإحباط أو بالنقص أو بالنفور من محيطهم الاجتماعي، نتيجة الهوة الواسعة بين “حياة الشاشة” المصنوعة بعناية و”حياة الحي” بما تحمله من محدوديات وإكراهات واقعية. 

5- الفقاعة المعلوماتية وأثرها في تشكيل الهوية

يكتسي مفهوم “فقاعة الفلتر”(Filter Bubble) ، الذي صاغه إيلي باريسر في كتابه The Filter Bubble، أهمية خاصة في فهم التحولات التي تمس وعي الناشئة داخل البيئة الرقمية المعاصرة. ويشير هذا المفهوم إلى الكيفية التي تعيد بها الخوارزميات تشكيل المجال الإدراكي للمستخدم عبر تزويده المستمر بالمحتويات المنسجمة مع اهتماماته السابقة وتفضيلاته السلوكية.

وفي السياق المغربي، تتخذ هذه الآلية أبعادا أكثر حساسية لدى فئة المراهقين، فبالإضافة إلى أن المنصات الرقمية تقوم بتكريس الأذواق والميولات القائمة، فهي تسهم كذلك تدريجيا في تضييق أفق التلقي وحصر التجربة الفكرية داخل نطاق متكرر ومتشابه. فالمراهق يجد نفسه، من حيث لا يشعر، داخل فضاء رقمي مصمم خصيصا له، تستبعد منه بدرجات متفاوتة المضامين المخالفة أو المعقدة أو المزعجة، لصالح محتويات سريعة الاستهلاك تمنح الإشباع الفوري وتجنب الجهد التأملي.

وتتمثل خطورة هذا الوضع في أن التعرض المستمر للمحتوى المتجانس يؤدي إلى إضعاف الاحتكاك بالاختلاف الفكري والثقافي، كما أنه قد يفضي أيضا إلى تراجع القدرة على تحمل التعقيد، وإلى هشاشة متزايدة في بناء الحس النقدي. وهكذا يتحول الفضاء الرقمي، الذي يبدو ظاهريا فضاء مفتوحا ومتعددا، إلى بيئة إدراكية مغلقة تعيد إنتاج القناعات نفسها وتحد من إمكانات الحوار الحقيقي مع العالم وتنوعه.

وهكذا يتضح أن سوسيولوجيا التلقي الرقمي لدى الناشئة المغربية لا تختصر في مجرد عادات استخدام قابلة للإصلاح بقليل من التوعية، فهي منظومة متكاملة تتقاطع فيها الاقتصاد والنفس وعلم الاجتماع والسياسة الثقافية، وتستوجب لذلك مقاربة بالمستوى ذاته من التعقيد والعمق، وهو ما سيعالجه المحور الثالث من خلال المقاربة الفلسفية النفسية لتحولات الفضول وأزمة الاغتراب المعرفي.

-III من الفضول العفوي إلى الاستلاب الخوارزمي

يفتتح أرسطو كتابه “الميتافيزيقا ” بعبارة أصبحت من أشهر العبارات في تاريخ الفلسفة: “الناس جميعا مفطورون على طلب المعرفة”. ويختزل هذا القول إحدى الخصائص الجوهرية في الكائن الإنساني، وهي ذلك الفضول الفطري الذي يدفع الطفل إلى لمس العالم واختباره، ويدفع الشاب إلى السهر بحثا عن جواب لسؤال لم يفرضه أحد عليه. 

غير أن ما تفعله الخوارزميات الرقمية اليوم هو إعادة توجيه هذا الفضول نحو مسارات مغايرة لوظيفته الأصلية، فبدل أن يكون دافعا إلى الاكتشاف العميق والمعرفة المتراكمة، يتحول تدريجيا إلى انجذاب دائم نحو التدفق اللامتناهي للمثيرات السريعة. وهكذا يجد الفرد نفسه داخل ما يشبه متاهة مضيئة تستثير الانتباه باستمرار، لكنها نادرا ما تقود إلى معرفة مستقرة أو إلى إشباع فكري حقيقي كما أسلفنا الذكر. 

1- سيكولوجية الفضول، بين النضج المعرفي والهندسة الرقمية 

الفضول البشري لا يولد من فراغ، فهو يتطور عبر مراحل نمو متتالية ينتقل فيها الوعي من الانشغال الحسي المباشر في الطفولة المبكرة إلى فضول مفاهيمي أكثر تنظيما في الطفولة المتأخرة، وصولا في مرحلة المراهقة إلى نزوع متزايد نحو الأسئلة المجردة والقضايا الفكرية والوجودية. ويمكن فهم هذا التطور في ضوء نظرية النمو المعرفي التي وضعها جان بياجيه، خاصة في كتابه “سيكولوجية الذكاء”، حيث يبين أن المراهق يدخل ابتداء من سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة فيما يسميه مرحلة “العمليات الصورية”، أي المرحلة التي يصبح فيها قادرا على التفكير التجريدي، وبناء الفرضيات، والاستدلال المنطقي، والتعامل مع الممكن لا مع الواقعي فقط.

وتكتسي هذه المرحلة أهمية حاسمة في تشكل الشخصية الفكرية، لأنها تمثل اللحظة التي يبدأ فيها الفرد في بناء تصوراته الخاصة عن العالم والقيم …. غير أن هذه القدرة الناشئة على التأمل والتجريد أصبحت اليوم هدفا مباشرا لاقتصاد الانتباه، إذ تعمل الخوارزميات الرقمية على استثمار هشاشة المراهق الإدراكية والعاطفية عبر إغراقه في تدفقات متواصلة من المثيرات السريعة، بما يحد تدريجيا من فرص التعمق الفكري والتركيز التأملي الطويل.

فالخوارزمية لا تعطل الفضول بقدر ما تعيد توجيهه وتزييف وظيفته الأصلية. فهي تمنح المراهق إحساسا دائما بأنه ينتقل بين الأفكار ويكتشف الجديد، بينما يدور في كثير من الأحيان داخل دائرة مغلقة من المحتويات المتشابهة. يشعر بأنه يتعلم، في حين أنه يستهلك تدفقات متواصلة من المعلومات السريعة، ويظن أنه يكتشف، بينما يعيد في الواقع استهلاك المضامين نفسها في صيغ وأساليب مختلفة.

وقد نبه عدد من الباحثين في علم النفس الرقمي وعلوم الأعصاب إلى أن أنظمة التصفح المعتمدة على المكافأة الفورية تعمل على تحويل الفضول من رغبة في الفهم العميق إلى سلوك قائم على البحث المستمر عن الإثارة والتنبيه السريع. وتبين دراسات التصوير العصبي أن الاستخدام المكثف للمنصات الرقمية ينشط دوائر المكافأة في الدماغ، خاصة تلك المرتبطة بإفراز الدوبامين، بطريقة قريبة من الآليات التي تحكم بعض أنماط السلوك الإدماني، وهو ما يفسر الميل المتزايد إلى التصفح القهري والانتقال المتواصل بين المحتويات دون إشباع معرفي حقيقي.

2- الاغتراب المعرفي وتآكل القدرة على التفكير العميق  

في عام 2008 نشر المفكر والناقد الأمريكي نيكولاس كار مقاله الاستفزازي في مجلة “ذا أتلانتيك” تحت عنوان “هل غوغل يجعلنا أغبياء؟”، ثم طور أفكاره في كتابه الأشهر “الأدوات الضحلة: ما الذي تفعله الإنترنت بعقولنا” (The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains, Norton, 2010، وقد صدرت ترجمته العربية بعنوان “الأدوات الضحلة” عن مركز نماء للبحوث والدراسات، 2014. وخلاصة تحليله المدعوم بأبحاث علم الأعصاب أن الاستخدام المكثف للإنترنت يعيد تشكيل بنية الدماغ وفق مبدأ “اللدونة العصبية ” (neuroplasticité)، إذ تتعزز الدوائر العصبية المسؤولة عن المعالجة السريعة للمعلومات المتقطعة، في حين تضمر الدوائر المسؤولة عن القراءة العميقة والتفكير المتأني والتركيز طويل الأمد.

وبحسب هذا التصور، فإن التعرض المستمر للتدفقات السريعة والمتقطعة للمعلومات يعزز تدريجيا آليات المعالجة السريعة والانتباه المتشظي، في مقابل تراجع القدرة على التركيز الطويل والقراءة العميقة والتأمل المتأني. وما يميز تحليل كار أنه لا يحصر المشكلة في المحتوى الرقمي ذاته، وإنما في النمط الإدراكي الذي يرسخه الاستعمال اليومي للإنترنت، فالذهن المعتاد على الانتقال المتواصل بين الروابط والصور والمقاطع القصيرة يصبح أقل صبرا على النصوص المركبة، وأضعف قدرة على متابعة الحجاج الطويل أو التورط الوجداني العميق الذي تتطلبه القراءة الأدبية والفلسفية.

والأهم أن هذا التحول يحدث غالبا بصورة تدريجية لا يشعر بها الفرد مباشرة، لأنه يترافق مع أشكال متواصلة من التحفيز والمتعة السريعة، مما يجعل التشتت يبدو وكأنه نشاط طبيعي أو حتى منتج.

في السياق المغربي، تشير نتائج التقييم الدولي لبرنامج “بيزا(PISA) ” في دوراته المتعاقبة إلى أن المغرب يسجل من بين أدنى المستويات عالميا في مؤشري الفهم القرائي العميق والاستدلال الرياضي المركب. وإن كانت لهذا الضعف أسباب بنيوية متعددة تتعلق بالمنظومة التعليمية في مجملها، فإن الباحثين التربويين المغاربة من أمثال أحمد أوزي في مؤلفاته حول التربية والثقافة الرقمية يلفتون إلى أن تزامن تراجع مستويات القراءة مع ارتفاع معدلات استخدام المنصات الرقمية لا يمكن تجاهله كمصادفة إحصائية ليس إلا.  

3- فقاعة الفلتر وتفتيت الهوية المعرفية

تستدعي المقاربة الفلسفية لهذه الظاهرة استحضار مفهوم “الهوية السردية”، أي الكيفية التي يبني بها الفرد صورة متماسكة عن ذاته وعن العالم عبر تراكم التجارب والذكريات والتفاعلات الفكرية عبر الزمن. وقد أبرز بول ريكور في كتابه Soi-même comme un autre أن الهوية الشخصية لا تتشكل في لحظة معزولة، فهي تبنى من خلال السرد الذي يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ويمنح التجربة الإنسانية نوعا من الاستمرارية والمعنى.

غير أن البيئة الرقمية المعاصرة، وخاصة تلك التي تحكمها الخوارزميات ومنطق التدفق المتواصل للمحتوى، تميل إلى تكريس ما يشبه “الحاضر الدائم”، حيث تتوالى اللحظات والصور والمقاطع دون روابط زمنية أو تأملية مستقرة. فالمستخدم يعيش التجربة كسلسلة من الانقطاعات المتلاحقة التي تستنزف الانتباه وتمنع تشكل الذاكرة العميقة.

وفي هذا السياق، يحلل بيونغ تشول هان في كتابه La société de la fatigue آثار المجتمعات الرقمية المتسارعة في تشظي الذات المعاصرة وإضعاف قدرتها على بناء معنى مستقر لحياتها. فالإفراط في التعرض للتدفقات المعلوماتية السريعة يؤدي إلى الإرهاق الذهني، كما يسهم أيضا في تفكيك الاستمرارية السردية التي يحتاجها الفرد لبناء فهم متماسك لذاته. ويمكن ملاحظة انعكاسات ذلك بوضوح لدى كثير من المراهقين الذين يعبرون عن شعور متنام بالفراغ أو التشتت، دون أن يمتلكوا دائما اللغة النفسية أو الفكرية القادرة على تسمية هذا الإحساس أو تفسيره.

4- سؤال القيم في زمن المنصات 

يمتد الأثر الخوارزمي، متعديا حدود الإدراك المعرفي، ليعيد تشكيل منظومة القيم التي يستند إليها المراهق في تقييم العالم واتخاذ قراراته. وهذه المسألة من أعمق ما يستوقف المتأمل في تأثيرات المنصات الرقمية على الناشئة.

فالمحتوى اليومي الذي يستهلكه المراهق المغربي يقدم له نموذجا ضمنيا عن النجاح يرتكز على ثلاثة محاور: الثروة الآنية الظاهرة، والشهرة الرقمية المقاسة بعدد المتابعين، وأسلوب الحياة الاستعراضي القائم على الاستهلاك. وهذا النموذج يتعارض في جوهره مع قيم الجهد المتراكم والإنتاج الخلاق والمساهمة الاجتماعية الحقيقية. وحين يتشرب المراهق هذا النموذج ضمنيا عبر التكرار اليومي المستمر دون أن يصاغ له في خطاب صريح قابل للمناقشة والنقد، يصبح مرجعا داخليا صامتا يوجه تطلعاته وخياراته دون أن يكون واعيا بذلك.

يستدعي هذا السياق الاستناد إلى ما طرحه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في نظريته عن “الفعل التواصلي” Théorie de l’agir communicationnel, Fayard, 1987، (متاح ملخصها في كتب الفلسفة السياسية العربية المعاصرة(، من تمييز جوهري بين “العقلانية الأداتية” التي تقيم كل شيء بمعيار الفاعلية والربح، و”العقلانية التواصلية” التي تبني الفعل على التفاهم المتبادل والاعتراف بالآخر. فالمنصات ترسخ النمط الأول بصورة بنيوية وتهمش الثاني، منتجة مراهقا يقيم نفسه والآخرين بمنطق الأداء الرقمي والمقارنة المستمرة، بدل منطق العلاقة والمسؤولية.

5- الاستلاب الرقمي وسؤال السيادة الإدراكية 

السيادة الإدراكية هي أحد المفاهيم الفلسفية الحديثة التي برزت في سياق النقاش حول الفضاء الرقمي وتربية المواطنة الواعية. ويقصد بها قدرة الفرد على التحكم في انتباهه وإدارته بوعي، مع حرية اختيار مصادر معرفته وتقييمها بأدوات نقدية مستقلة، بعيدا عن التوجيه الخوارزمي الذي تفرضه المنصات الرقمية.

لقد تبلور هذا المفهوم في السنوات الأخيرة ضمن فضاء أبحاث الفلسفة الإدراكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث يرى المتخصص في علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي، البروفيسور المصري أبو العلا عطيفي حسنين، أن الخطر الحقيقي للتقنيات الحديثة يتجاوز الأبعاد التقنية الخالصة ليمس جوهر الوعي البشري، متمثلا في تقويض البنية الإدراكية التي تمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الصحيح والزائف. وتأسيسا على هذا التشخيص، تبرز حاجة ملحة إلى بناء وعي نقدي جديد يتيح للفرد استعادة السيطرة على انتباهه المشتت، وتحصين ملكاته الذهنية ضد التدفقات المعلوماتية المضللة.

وتتصل السيادة الإدراكية اتصالا وثيقا بمفهوم النيروجيكو، وهو اتجاه فلسفي حديث يجمع بين علوم الأعصاب والفلسفة التطبيقية، ويهدف إلى فهم كيف تؤثر البنى العصبية والآليات الإدراكية في تشكيل الوعي والسلوك داخل الفضاء الرقمي. فالنيروجيكو يوفر الأساس العلمي لفهم آليات الانتباه والإدراك، بينما تمثل السيادة الإدراكية التطبيق العملي لهذه المعرفة في التربية والمواطنة الرقمية، حيث تترجم نتائج البحث العصبي إلى قدرة الفرد على مقاومة التلاعب الخوارزمي واستعادة استقلالية وعيه.

تكتسب السيادة الإدراكية أهميتها من كونها شرطا أساسيا لممارسة المواطنة الرقمية الواعية، فهي تسبق السيادة المعرفية وتؤسس لها، إذ لا يمكن للفرد أن يكون حرا في إنتاج المعرفة أو المشاركة النقدية إذا كان فاقدا للقدرة على إدارة وعيه. بهذا المعنى، تعتبر السيادة الإدراكية دعوة إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بالفضاء الرقمي على أساس الحرية والوعي، بدل الخضوع لمنطق الاستهلاك والتوجيه الخوارزمي، وهي بذلك تمثل جسرا بين النظرية العصبية التي يقدمها النيروجيكو والممارسة الفلسفية والتربوية في العالم الرقمي.

وفي السياق الإسلامي العربي، يضيء هذا المفهوم ما كان ابن حزم الأندلسي قد نبه إليه في كتابه “الأخلاق والسير” حين قرر أن “الجهل بالنفس أعظم الجهالات وأشدها ضررا”، إذ إن المراهق الذي يسلم انتباهه للخوارزمية دون وعي ينتهي إلى جهل مضاعف: جهل بما يستهلك وجهل بأنه يُختار له ولا يَختار.

وهكذا تتكشف لنا صورة مقلقة لمراهق تتقاطع في تكوينه ثلاثة عوامل متشابكة: فضول فطري معاد توجيهه نحو الإثارة السطحية، وقدرات معرفية يعيق نموها الانقطاع المستمر وضحالة المحتوى، ومنظومة قيمية تتشرب ضمنيا نموذجا عن النجاح يكرس الاستهلاك والاستعراض على حساب الإنتاج والإسهام. وأمام هذه الصورة، لا يكفي الأسف ولا ينفع الحجب، لأن الضرورة الملحة غدت هي التفكير في استراتيجية تربوية ذكية قادرة على استعادة المراهق من الدوامة الخوارزمية ومنحه أدوات السيادة الإدراكية على ذاته ومحيطه وعالمه الرقمي. وهذا تحديدا ما سنتصدى له في المحور الرابع والختامي من هذا المقال.

 -IV نحو استراتيجية بيداغوجية للمواطنة الرقمية والسيادة الإدراكية

إن مسألة التربية الرقمية في جوهرها مسألة سياسية بالمعنى الأعمق للكلمة، مسألة تتعلق بتحديد من يملك حق تشكيل وعي الأجيال الصاعدة: المجتمع بمؤسساته التربوية والثقافية، أم الشركات الرقمية العابرة للحدود التي لا تجيب عن أي مساءلة اجتماعية أو تربوية أو قانونية داخل البلد الذي تمارس فيه نفوذها الإدراكي؟

والمفارقة المؤلمة، في سياقنا المغربي الراهن، أن المدرسة المغربية تنفق سنوات طويلة في تعليم المراهق قواعد النحو والجبر والتاريخ، دون أن تعلمه سطرا واحدا عن طريقة عمل الخوارزمية التي تحكم حياته اليومية، ودون أن تمنحه أداة واحدة لتفكيك الصورة التي تشكل تمثلاته ومشاعره وتطلعاته. وفي هذا الغياب الصارخ تكمن ثغرة بنيوية لا تعالج بالتوعية الموسمية ولا بالمنشورات المدرسية التحذيرية.

1- نقد المقاربة المنعية، لماذا لا يكفي الحجب؟

الموقف الأول والأكثر انتشارا في الأوساط التربوية والأسرية المغربية حين يواجه المسؤولون بتحديات الاستخدام الرقمي لدى الناشئة هو اللجوء إلى منطق “الوصاية التقييدية”: المنع، والحجب، وتقليص وقت الشاشة، ومراقبة المحتوى. وهذا الموقف وإن انطوى على نية تربوية مشروعة، يخطئ في تقدير طبيعة المشكلة وطبيعة العصر في آن واحد.

داناه بويد، الباحثة الأمريكية المتخصصة في علم الاجتماع الرقمي، أبرزت في كتابها الميداني It’s Complicated: The Social Lives of Networked Teens (2014) أن علاقة المراهقين بالفضاء الشبكي لا يمكن اختزالها في منطق المنع أو السماح. فهي توضح أن المراهقين الذين يخضعون لقيود رقمية صارمة في البيت أو المدرسة لا يقلون استخداما للمنصات، فهم يتعلمون إخفاء نشاطهم وتطوير أساليب للتحايل على الرقابة. وترى أن المنع المجرد من التأطير النقدي يحرم المراهق من فرصة بناء ما يمكن تسميته بـ “المناعة الرقمية الذاتية”، أي القدرة على مواجهة المخاطر الرقمية بوعي مستقل. وتشبه ذلك بالطفل الذي لا يتعرض للجراثيم فينشأ بجهاز مناعي هش، غير قادر على مقاومة أبسط العدوى.

بهذا المعنى، تؤكد بويد أن التربية الرقمية الفعالة تقوم، إلى جانب الحجب، على التأطير النقدي الذي يتيح للمراهقين تطوير أدواتهم الخاصة للتمييز والمقاومة، مما يجعلهم أكثر قدرة على ممارسة مواطنة رقمية واعية في عالم الشبكات. 

وفي السياق المغربي تحديدا، تزيد المعطيات الجغرافية والاجتماعية من عدم جدوى المقاربة المنعية: فالشبكات اللاسلكية المجانية متاحة في المقاهي والفضاءات العمومية، والهاتف الذكي صار في متناول الغالبية العظمى من المراهقين بأسعار زهيدة، وشبكات الجيل الرابع وحتى الخامس تصل إلى أعماق البادية. وعليه فإن الحديث عن منع الوصول إلى المحتوى الرقمي ينتمي إلى خطاب يصف عالما لم يعد قائما.

2- التربية على الإعلام والمعلومات، الأساس النظري والمنهجي

المدخل الأجدى والأكثر انسجاما مع طبيعة العصر هو ما تسميه منظمة اليونسكو “التربية على الإعلام والمعلومات” (Éducation aux Médias et à l’Information, EMI)، وهو إطار مفاهيمي وعملي طورته المنظمة منذ إعلان غرونوالد عام 1982 وحدثته في وثيقتها الجامعة الصادرة عام 2021 تحت عنوان “إطار الكفايات الإعلامية والمعلوماتية للمواطنين”. ويقوم هذا الإطار على ثلاث ركائز متكاملة: الوصول النقدي إلى المعلومات، وتقييم المصادر وتمييز المحتوى الموثوق من الزائف، والإنتاج الإعلامي المسؤول. وما يميز هذا الإطار عن الخطابات التحذيرية التقليدية أنه يؤهل المراهق لأن يكون فاعلا واعيا في الفضاء الرقمي.

وقد طبقت دول عديدة هذا الإطار بصور متفاوتة. ففي فنلندا، أدرجت وزارة التربية منذ عام 2016 مادة “التفكير النقدي وتقييم المعلومات” ضمن المناهج الإلزامية في جميع مراحل التعليم، وأفضى ذلك وفق تقرير منظم (Media Literacy Europe, 2022) إلى ارتفاع ملحوظ في قدرة الشباب الفنلندي على كشف الأخبار المضللة مقارنة بأقرانهم في دول أخرى. وفي فرنسا، أطلق المجلس الأعلى للمعلوماتية الصوتية والمرئية (CSA) برنامج (PIXI) لقياس كفايات الإعلام الرقمي لدى الشباب وتطويرها منهجيا.

في المغرب، لا يزال هذا الحقل في طور الجنين رغم بعض المبادرات المتفرقة. وقد نبه المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في تقريره التقييمي لمرحلة 2015-2022 إلى أن دمج البعد الرقمي في التعليم ظل في مجمله تقنيا بحتا، مقتصرا على توفير الأجهزة والاتصال، دون مواكبة بيداغوجية حقيقية تعالج الأثر الإدراكي والقيمي للاستخدام الرقمي.

3- تفكيك الصورة، من الاستهلاك البصري إلى القراءة النقدية

من أكثر ما يغيب عن المنظومة التعليمية المغربية تعليم المراهق كيفية “قراءة الصورة”، وهي كفاية باتت في زمن المنصات البصرية أشد إلحاحا من كثير من المواد التقليدية. فالمراهق اليوم يستقبل يوميا مئات الصور والمقاطع المرئية دون أن يمتلك المفاتيح التحليلية اللازمة لإدراك ما تحمله من رسائل ضمنية، وما تكرسه من تمثلات، وما تخفيه من آليات إقناع وتوجيه.

يستند هذا المقترح التربوي إلى ما أرساه الفيلسوف الفرنسي رولان بارت في كتابه “أسطوريات”Mythologies, Seuil, 1957، “أسطوريات” (ترجمة توفيق قريرة، منشورات الجمل، بيروت، 2018)، حين أثبت أن الصورة والإعلانات والثقافة الشعبية تصنع دلالات تقدم على أساس أنها طبيعية وبديهية، في حين أنها في الحقيقة نتاج اختيارات أيديولوجية وتجارية محددة. وتطبيق هذه المنهجية على محتوى المنصات يعلم المراهق أن ما يراه بناء محسوبا يخدم مصالح من أنتجه.

وعلى الصعيد التطبيقي، نقترح هنا أن تدرج ضمن مادة اللغة العربية أو التربية الإسلامية أو الاجتماعيات وحدات تطبيقية دورية يحلل فيها التلاميذ مقاطع تيك توك ومحتويات يوتيوب شائعة وفق شبكة أسئلة محددة: من أنتج هذا المحتوى؟ لماذا؟ ما الذي يظهر وما الذي يخفي؟ ما الرسالة الضمنية التي يحملها؟ وكيف يستغل مشاعرك لإبقائك متصلا؟ هذا النوع من الأسئلة لا يقلل من متعة المراهق بالمحتوى الرقمي، على العكس فهو يضيف إليها وعيا يحول المستهلك السلبي إلى قارئ نشط.

4- تحويل الفضول، من الاستهلاك إلى الإنتاج

الركيزة الثانية للاستراتيجية البيداغوجية المقترحة هي ما يمكن تسميته “تربية الإنتاج الرقمي المعرفي”، أي توجيه الفضول الرقمي للمراهق نحو صناعة المحتوى لا استهلاكه. وهذا التحويل هو تغيير جذري في علاقة المراهق بالفضاء الرقمي: فالمنتج يفهم الأداة التي يستخدمها ويفكك آلياتها، أما المستهلك فتتحكم فيه الأداة وخوارزمياتها دون أن يعلم.

يستند هذا التوجه إلى ما طرحه التربوي البرازيلي باولو فريري في مؤلفه التأسيسي “بيداغوجيا المقهورين” (Pédagogie des opprimés, Maspero, 1974، ترجمة د. يوسف نور عوض عن دار القلم، بيروت، 1980)، حيث قدم نقدا لاذعا لما أسماه “التعليم البنكي” (Banking Education)، وهو النظام التقليدي السلبي الذي يتعامل مع المتعلم كوعاء فارغ يراد “حشوه” وإيداع المعلومات فيه.

وفي العصر الرقمي، يتجلى هذا التعليم البنكي في أبهى صوره عندما يتحول المراهق إلى مستهلك سلبي يتلقى تدفقات المنصات الافتراضية بلا وعي. لذلك، فإن التربية الحقيقية والتحررية، كبديل لهذا الإيداع السلبي، يجب أن تجعل المتعلم “ذاتا فاعلة” تنتج المحتوى وتغير الواقع وتكتسب “وعيا نقديا” يفكك سلطة المنصات الرقمية. وتطبيق هذا المبدأ في الفضاء الرقمي يعني توجيه المراهق نحو تتبع أو إنتاج محتوى يعبر عن قضايا مجتمعه، ومحيطه، وتساؤلاته الحقيقية، لينتقل من وضعية المفعول به الخاضع للتكنولوجيا إلى وضعية الفاعل الممسك بأدواتها.

وعمليا، يعني ذلك دعم إنشاء “أندية المحتوى الرقمي” داخل المؤسسات التعليمية، حيث يتعلم المراهقون أساسيات كتابة السيناريو والتصوير والمونتاج والبودكاست والتدوين، لكن في إطار مشاريع ذات صلة بقضايا حقيقية: وثائقي قصير عن الذاكرة الجماعية للحي، بودكاست حول ظروف الشباب في المدينة الصغيرة، مدونة تحلل ظاهرة اجتماعية قريبة. وهذا النوع من المشاريع يحقق ثلاثة أهداف في آن واحد: ينمي المهارة الرقمية التقنية، ويرسخ الانتماء المجتمعي والوعي النقدي، ويعيد صلة المراهق بمحيطه الواقعي بعد أن مالت كفة الافتراضي.

5- دور الأسرة، من الوصاية إلى المصاحبة

لا تستقيم أي استراتيجية بيداغوجية للمواطنة الرقمية دون إشراك الأسرة بكونها الفضاء التربوي الأول وغير القابل للتعويض. غير أن دور الأسرة المطلوب اليوم أكبر من دور الحارس الرقابي الذي يتربص أخطاء أبنائه الرقمية، إنه دور الرفيق النقدي الذي يشاهد مع أبنائه ويساءَل ويسائل ويتساءل ويحاور، ليدربهم على “التقنين الذاتي” لتبني مناعة داخلية ضد سيولة الشاشات عوض الارتهان لرقابة خارجية زائلة.

يقدم عالم النفس التنموي الفرنسي سيرج لوبوفيسي في أعماله حول المراهقة والسلطة الوالدية تمييزا دقيقا بين ما يسميه “السلطة التسلطية” التي تغلق الحوار وتدفع المراهق نحو الانسحاب والسرية الرقمية، و”السلطة الاتكالية” (أو التشاركية المبنية على الثقة) التي تتيح الحوار وتبني الجسور وتوفر الإطار الآمن لطرح الأسئلة. والأسرة التي تستطيع أن تحول مشاهدة مقطع رقمي إلى مناسبة للتساؤل المشترك والتحليل التفكيكي لمحتواه، تؤدي دورا تربويا ووقائيا لا تستطيع المدرسة وحدها القيام به.

وعلى هذا الأساس، تغدو ضرورة إدراج برامج تأهيل الآباء ضمن المنظومة التربوية الوطنية ضرورة عاجلة، تمكن الأسر من فهم آليات المنصات، واكتساب مهارات “المرافقة الوالدية الذكية”، وتزويدها بأدوات المرافقة النقدية التفاعلية عوض الاكتفاء بالقلق الصامت أو الغضب العقيم.

6- مقترح هيكلي نحو منظومة متكاملة للمواطنة الرقمية

تتضافر في الاستراتيجية المقترحة ثلاثة مستويات هيكلية متكاملة:

المستوى الأول: السياسة التعليمية الوطنية، وتشمل مراجعة المناهج الدراسية لإدراج وحدات التربية على الإعلام والمعلومات في جميع المراحل، وإعداد برامج تكوين المدرسين في الكفايات الرقمية النقدية، مع اعتماد معايير تقييم واضحة لهذه الكفايات ضمن نظام التقويم التربوي.

المستوى الثاني: الفضاء المدرسي المباشر، وتشمل إنشاء أندية الإعلام والمحتوى الرقمي، وتنظيم ورشات دورية لتحليل المحتوى الرقمي الشائع، وتشجيع مشاريع الإنتاج الإعلامي المدرسي كالمجلات الإلكترونية والبودكاست والتدوين الجماعي.

المستوى الثالث: الشراكة الأسرية والمجتمعية، وتشمل برامج تأهيل الآباء، والشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني النشطة في حقل الإعلام الرقمي، واستثمار التجارب الناجحة للمبادرات الشبابية الرقمية الإيجابية الموجودة أصلا داخل المجتمع المغربي وتضخيم أثرها.

وفي ما يتجاوز الهياكل والمقترحات، يبقى الرهان الحقيقي رهان ثقافة: ثقافة تعيد الاعتبار للمعرفة العميقة في مواجهة المعرفة السريعة، وتكرس قيمة الإنتاج في مواجهة الاستهلاك، وتنزل الفضاء الرقمي منزلته الصحيحة كأداة في خدمة الإنسان لا إنسانا في خدمة الأداة. وهذا الرهان الثقافي العميق هو ما ستتناوله الخاتمة باستشراف أوسع وتركيب أعمق.

الخاتمة 

في خضم هذا التحليل المتشعب الذي اقتحم سوسيولوجيا التلقي الرقمي وأعماق الفلسفة النفسية ومقترحات البيداغوجيا النقدية، تتجلى حقيقة راسخة مفادها أن ما نواجهه في المغرب اليوم لا يختصر في أزمة تربوية تقنية قابلة للإصلاح بتعديل مناهج أو إضافة مادة دراسية. إنها في جوهرها أزمة حضارية تطرح على المجتمع المغربي برمته سؤالا وجوديا صميما: أي إنسان نريد أن ننشئ في زمن تتنافس فيه الخوارزميات مع الأسرة والمدرسة والمسجد على تشكيل الوعي وصياغة المعنى وتحديد القيم؟

وهذا السؤال أسمى من أن يكون لقطات فكرية تزين المؤتمرات التربوية ثم يتبخر في هواء المجاملات الرسمية. إنه سؤال يطرق أبواب كل أسرة مغربية حين يلتهي الأبناء بشاشاتهم على مائدة العشاء، وكل فصل دراسي حين يفقد الأستاذ انتباه طلابه قبل أن يكمل الجملة الأولى، وكل مسؤول تربوي حين يقرأ أرقام الهدر المدرسي ونتائج التقييمات الدولية ويتساءل في قرارة نفسه أين ضاع جيل كامل.

وهكذا، يتبين أن ثمة خيط ناظم يجمع هذه المحاور جميعا، وهو السؤال عن السيادة: سيادة الفرد على وعيه، وسيادة المجتمع على ثقافته، وسيادة الأجيال الصاعدة على مستقبلها.

فاقتصاد الانتباه الذي فصلناه في المحور الأول هو انتزاع ممنهج لهذه السيادة من أيدي الأفراد وإيداعها في خزائن الشركات الرقمية الكبرى. والاغتراب المعرفي الذي حللناه في المحور الثاني هو الوجه الذاتي لهذا الانتزاع، حين يصبح الفرد غريبا عن أدوات تفكيره ومشاعره وتطلعاته. أما المواطنة الرقمية التي دعونا إليها في المحور الثالث فهي المسعى الاستراتيجي لاستعادة هذه السيادة عبر التربية والوعي والإنتاج.

ويستضيء هذا التركيب بنظرة الفيلسوف الألماني المعاصر أكسل هونيث في كتابه “الصراع من أجل الاعتراف” (La lutte pour la reconnaissance, Cerf, 2000) حين يقرر أن حاجة الإنسان إلى الاعتراف الاجتماعي حاجة أصيلة تشكل هويته وتمنحه شعوره بالكرامة. والخطر الحقيقي للمنصات أنها استولت على هذه الحاجة العميقة وحولتها إلى آلية للإخضاع: فالمراهق الذي يبحث عن الاعتراف في الإعجابات والمتابعات لا يشبع حاجته الحقيقية بل يتوه في متاهة تجعله أكثر هشاشة وأشد تبعية كلما ازداد انخراطا فيها.

الخطأ المنهجي الذي وقع فيه الخطاب التربوي المغربي السائد في تعاطيه مع الرقمنة أنه تصور العلاقة بين المربي والمراهق الرقمي على نمط “المتحكم والمتحكم فيه”، وهو نمط يفترض فيه أن المربي يحمل المعرفة الكافية للحكم على الفضاء الرقمي والتدخل فيه بالتقييد والتوجيه. غير أن الواقع التقني والاجتماعي أفرز معادلة جديدة تقلب فيها أحيانا موازين المعرفة التقنية: إذ كثيرا ما يكون المراهق أكثر إلماما بالأدوات الرقمية من الأستاذ والوالدين، حتى وإن ظل أقل نضجا في توظيفها وأعجز في استيعاب أثرها عليه.

يسهم في معالجة هذا التعقيد ما طرحه المربي الكندي المعاصر ماكسيم روبيرج ضمن إطاره لـ “التربية الرقمية الانعكاسية (Pédagogie numérique réflexive) “حين اقترح أن يتحول دور المربي من “ناقل المعرفة” إلى “مرافق التساؤل”، أي الشخص الذي لا يملي على المراهق ما هو صحيح وما هو خاطئ في الفضاء الرقمي، إذ يرافقه في تطوير قدرته الذاتية على الحكم والتمييز والاختيار. وهذه المرافقة تستلزم من المربي أولا أن يؤهل نفسه، وأن يقر بصدق بما يجهله، وأن يجعل من التساؤل المشترك مع المراهق منهجا لا موقفا استثنائيا. 

وفي هذا الأفق بالذات يمكن إعادة قراءة ما دعا إليه الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” حين ميز بين “علم الورقة” و”علم الحقيقة”، مقررا أن التربية الأصيلة تهدف إلى إيقاظ الملكة النقدية الداخلية لا إلى تحميل الذاكرة بالمعلومات. فالتربية الرقمية المنشودة تسعى إلى الغاية ذاتها في سياق معاصر: إيقاظ قدرة المراهق على التساؤل والتمييز والاختيار في مواجهة الفيض المعلوماتي الهائل.

لا يمكن تناول هذه القضية باستشراف حقيقي دون استحضار البعد الهوياتي الحضاري الذي تنطوي عليه. فالمنصات الرقمية الكبرى ليست محايدة ثقافيا: فهي تنقل ضمنا منظومة من القيم والتمثلات المنبثقة أساسا من الثقافة الأنجلوسكسونية الاستهلاكية، قيما تتعلق بالفردانية المطلقة، وتمجيد الشهرة الآنية، وأسلوب حياة يكرس الاستهلاك المادي نموذجا للنجاح والكمال.

وقد نبه المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في مشروعه الفكري الكبير حول “نقد العقل العربي”، ولاسيما في مقدماته وكتابه “المثقفون في الحضارة العربية” (مركز دراسات الوحدة العربية، 1995) إلى أن الهوية الثقافية العربية الإسلامية لا تصان بالانغلاق الدفاعي ولا بالذوبان الانبهاري، ولكن تصان بالاشتباك النقدي الواعي مع الحداثة الذي يميز بين ما يستوعب وما يرفض وما يحول. وهذا بالضبط ما تحتاجه الناشئة المغربية في مواجهة المنصات الرقمية: ليس الرفض المطلق ولا الاستسلام الكامل، وإنما الاشتباك النقدي الذي يتيح لها أن تستثمر إمكانات الرقمي دون أن تفقد خيط هويتها.

وتستدعي هذه الزاوية استعادة مفهوم “الأمن الثقافي” بمضمون جديد يتجاوز حراسة الموروث إلى تمكين الأجيال من التعامل مع العالم الرقمي المعولم من موقع القوة الهوياتية لا من موقع الهشاشة المنبهرة. وهذا الأمن يجب أن يبنى في حجرات الدراسة حين يعلم المراهق أن يقرأ الصورة، وعلى موائد الأسرة حين تحول المشاهدة المشتركة إلى حوار، وفي الأندية الثقافية المدرسية حين يحول المراهق من مستهلك إلى صانع محتوى يحمل صوته الخاص وسؤاله المستقل.

في خضم هذا التحليل النقدي، تجدر الإشارة إلى أن المراهق المغربي ليس ضحية محضة مستسلمة لا حول لها ولا قوة. فالفضاء الرقمي المغربي يعج بنماذج شبابية مضيئة لشباب وظفوا أدوات المنصات ذاتها في إنتاج محتوى علمي وتوثيقي وفني وتربوي راق، ومن ذلك قنوات يوتيوب مغربية تقدم الرياضيات والفيزياء والتاريخ بأساليب جذابة وبلغة عربية محكمة، ومدونون يحللون القضايا الاجتماعية بعمق لافت، وفنانون شباب يستخدمون الأدوات الرقمية في توثيق التراث المعماري والموسيقي المغربي.

هذه النماذج ليست استثنائية بطبيعة أصحابها، إنها استثنائية بسبب الفرص التي أتيحت لأصحابها أو التي صنعوها بأنفسهم في غياب دعم مؤسسي حقيقي. والرهان التربوي المستقبلي هو تحويل هذه الاستثنائية إلى قاعدة، بإتاحة بيئة تعليمية تغذي الفضول المعرفي وتؤطر الإبداع الرقمي وتمنح المراهق الأدوات النقدية والتقنية لتحويل طاقته الرقمية الهائلة إلى إنتاج يضيف ولا يضيع.

وقد وثقت اليونسكو في تقريرها الصادر عام 2023 حول “الذكاء الاصطناعي في التعليم” أن الدول التي اعتمدت مناهج التعليم النقدي الرقمي المبكر بالإضافة إلى تسجيلها تراجعا في أنماط الاستخدام السلبي للمنصات، شهدت ارتفاعا ملحوظا في معدلات الإنتاج الرقمي الإبداعي لدى الشباب وفي تطوير مشاريع ريادية رقمية ذات أثر اجتماعي، مما يثبت أن التربية النقدية الرقمية كما تنتج مستهلكين واعين تنتج منتجين مبدعين.

في ضوء ما تقدم، يمكن صياغة خارطة طريق ذات أولويات واضحة تنبثق من تراكم هذا التحليل لا من العموميات المجردة:

على مستوى السياسة التعليمية الوطنية، تغدو الأولوية القصوى مراجعة الإطار المرجعي لمناهج التربية الإعلامية والرقمية وجعلها مادة إلزامية متكاملة لا مجرد إشارات عابرة مبعثرة في حواشي مواد أخرى، مع رصد الموارد البشرية والمادية الضرورية لتطبيقها. ويستلزم ذلك بالضرورة تكوين جيل من الأساتذة المتخصصين في التربية الرقمية النقدية، المزودين بأدوات التحليل اللازمة لا بمجرد المهارة التقنية وحدها.

على مستوى المؤسسة التعليمية، تستدعي الأولوية إنشاء بيئات تعلم رقمية حقيقية تتجاوز حجرة الدراسة التقليدية نحو فضاءات تجريبية مفتوحة يجرب فيها المراهق صناعة المحتوى والتحليل الإعلامي والتفكير المعلوماتي في سياقات واقعية ومعيشية.

على مستوى السياسة الثقافية، تصبح أولوية إعادة الاستثمار في البنية التحتية الثقافية الواقعية أمرا لا يقبل التأجيل: دور الشباب الفاعلة، والمسارح المتنقلة، والمكتبات التفاعلية، والفضاءات العمومية الحيوية. فهذه البنية هي التي تقدم للمراهق بديلا واقعيا حقيقيا عن الهروب الافتراضي، لأنها أولا وقبل كل شيء تقدم ما تعجز الشاشة عنه: التجربة الجسدية المشتركة، الفضاء الحواري الحر، والانتماء الجماعي الذي يشبع حاجة الاعتراف من جذورها.

على مستوى الأسرة، تتحول أولوية تأهيل الوالدين إلى إلحاح حقيقي في عصر صارت فيه الهوة التقنية والمعرفية بين الأجيال هوة شاسعة. والأسرة التي تدرك آليات المنصات وتفهم منطق الخوارزميات تستطيع أن تتحول من حضور تربوي مرتبك وقلق إلى شريك نقدي فاعل في مصاحبة المراهق داخل الفضاء الرقمي وخارجه.

ولعل أبلغ ما يختم به هذا التحليل أن يستعير من شاعر المغرب الكبير محمد بنيس صورته عن الكتابة كفعل مقاومة في وجه العابر والزائل، تلك المقاومة التي يحتاجها المراهق المغربي اليوم في مواجهة ما تريد الشاشة أن تصنعه منه: مستهلكا صامتا في سوق الانتباه، ورقما في معادلة الربح الرقمي، ومرآة عاكسة لا وجها منيرا.

فالرهان الحقيقي للتربية في زمن الخوارزميات هو إنتاج وجوه منيرة: شباب يحمل الفضول المعرفي دون أن تستولي عليه الفقاعة الخوارزمية، ويتعامل مع الرقمي دون أن تبتلعه الرقمنة، ويتواصل مع العالم دون أن يضيع في فيضه، وينتج المحتوى دون أن يقايض هويته بالشهرة العابرة.

وحين يتحقق هذا، يكون المجتمع المغربي قد أجاب عن السؤال الذي افتتحنا به هذه الرحلة التحليلية: لا ليوقف موجة التحول الرقمي فذلك فوق الطاقة، ولا ليستسلم لها فذلك خيانة الأجيال، وإنما ليمسك بزمامها ويوجهها نحو ما يخدم الإنسان ويكرم الوجود ويؤسس لمواطنة فاعلة في أرحب معانيها.

والخلاصة التي ينتهي إليها هذا المقال بعد هذه الرحلة في مستويات التحليل المتعددة هي أن السيادة الإدراكية للأجيال الصاعدة ليست هبة تمنحها التكنولوجيا ولا مكرمة تقدمها السياسات، إنها مشروع تربوي وثقافي وحضاري يستلزم إرادة جماعية واضحة، ووعيا نقديا حادا، ومصاحبة ذكية تؤمن بأن المراهق المغربي يحمل في داخله كل المقومات اللازمة ليكون مواطنا رقميا فاعلا، وما ينقصه هو البيئة التربوية التي تضيء هذه المقومات وتمنحها فرصة الظهور والنضج والإسهام.

قائمة المراجع والمصادر

– المراجع باللغة العربية والمترجمة إليها

1- مشاط، نور الدين – بمشاركة أحمد أوزي-. المدرسة المغربية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 2011.

2- ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد .الأخلاق والسير في مداواة النفوس، تحقيق إحسان عباس، الدمام: دار ابن الجوزي، ط 2، 2016.

3- بودريار، جان. المصنع والاصطناع، ترجمة د. جوزيف عبد الله. المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008. (Simulacres et Simulation. 1981) 

5- برونر، جيروم. (التعلم بالاكتشاف وتنمية التفكير).

6- بنيس، محمد. ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، الدار البيضاء: دار توبقال، 2014.

7- بياجيه، جان) .سيكولوجية الذكاء والنمو المعرفي البنائي. (

8- الجابري، محمد عابد. المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 2، 2000.

9- دونو، آلان. نظام التفاهة، ترجمة طارق عثمان، أبوظبي/بيروت: دار كلمة، 2020.

10- الدريج، محمد. (أبحاث حول الاستخدام الرقمي لدى الشباب والتربية والمجتمع في المغرب).

11- زوبوف، شوشانا .عصر رأسمالية المراقبة.

12- سيمون، هيربرت. (أبحاث اقتصاد الانتباه وتصميم المنظمات).

13- الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد. إحياء علوم الدين، بيروت: دار المعرفة، 1992.

14- فريري، باولو. بيداغوجيا المقهورين، ترجمة يوسف نور عوض، بيروت: دار القلم، 1980.

15- فيغوتسكي، ليف. (الوسائط الثقافية والتفاعل الاجتماعي في بناء التعلمات).

16- كار، نيكولاس. الأدوات الضحلة: ما الذي تفعله الإنترنت بعقولنا، مرجع مترجم، القاهرة/عمان: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2014.

17- المندوبية السامية للتخطيط (المغرب). أحدث تقارير مؤشرات التنشئة الاجتماعية والاتصال الرقمي.

18- المؤدب، عبد الوهاب. (مقالات وحوارات فكرية حول تسطيح الثقافة والمعرفة).

19- وو، تيموثي. تجار الانتباه (The Attention Merchants)، 2016.

20- الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات (ANRT). التقارير السنوية حول مؤشرات الاتصالات بالمغرب.

– المراجع الأجنبية

21- BARTHES, Roland. Mythologies, Traduction arabe par Toufiq Qreira, Beyrouth : Éditions Al-Jamal, 2018.

22- BOYD, Danah. It’s Complicated : The Social Lives of Networked Teens, 2014.

23- DE SINGLY, François. L’Adolescent, Paris : Armand Colin, 2007.

24- HABERMAS, Jürgen. Théorie de l’agir communicationnel, Tome 1, Traduit par Jean-Marc Ferry, Paris : Fayard, 1987.

25- HAN, Byung-Chul. La Société de la fatigue, Traduit par Julie Stroz, Paris : Circé, 2014.

26- RICŒUR, Paul. Soi-même comme un autre, Paris : Seuil, 1990.

27- Pariser, Eli. The filter bubble : what the Internet is hiding from you. Internetarchivebooks ; printdisabled. 2011.

عبد الغفور مغوار

أستاذ اللغة الفرنسية، باحث، شاعر، قاص، ناقد ومترجم