شعر: آدم دانيال هومه.
يمضي الإنسان في دروب العمر
حاملاً قنديلاً من الإيمان
ويقول كلمته مزهوّاً كأنّه رسولُ محبّةٍ
ثم يواصل السير نحو ملكوت الروح
غير ملتفتٍ إلى ضجيج العابرين.
وأنتِ…
يا امرأةً تتسلّل من كوّة الريح لتستحمّ في نهر النجوم
كلّما حدّقتُ في عينيكِ
أشعر أنّ الأرض تتلاشى من تحت قدمي
وأنّ السماء تهبط لتلامس جبيني
فأبقى معلّقاً بين الحلم واليقظة
كغصنٍ أخضرَ يتأرجح فوق نبعٍ من الضوء.
أدركتُ منذ زمنٍ بعيد
أنّ الدين الحق ليس ما يُقال على المنابر
ولا ما يُسطَّر في الكتب
بل ذلك النور الذي يشعل في القلوب
مصابيح المحبّة لكل البشر
ويجعل الإنسان يفتح ذراعيه للعالم
كما تفتح الحقول العطشى أذرعها للأمطار
وكما يوزّع الربيع عطوره على الوديان دون تمييز.
ولدي…
ذلك الطائر الصغير المستقرّ فوق كتفي
أراه يحلّق كل يوم في فضاءات المستقبل
يرسم بأجنحته خرائط الضوء
ويغرس في تربة الغد بذور الأحلام الكبرى
في ملامحه يتجلّى حبّ الوطن
أشدّ لمعاناً من شلالات النور
المنهمرة من مرايا الشمس
وأشدّ نقاءً من صلاةٍ صاعدةٍ
من بين أنقاض المنافي.
وحين أتأمّل أسراب العصافير
وهي تستحمّ عاريةً في أنهار الجليد
ثم تستدفئ بحرارة أشواقها
وتتدثّر بألق النجوم
وتغلق نوافذ الريح لتغفو على أراجيح الأغصان
أدرك أنّ الحياة ما زالت تحفظ في أعماقها
سرَّ البهجة الأولى.
غير أنّ الوطن
كلّما ومض في ذاكرتي
تحوّلت السماء أمام عينيّ إلى صفحةٍ مثقلةٍ بالدماء
أرفع رأسي نحو الأعالي فأراها محقونةً بالجراح
فيمور دمي كالبركان
وتشتعل في عروقي نار الأسئلة
ثم يتبخّر وجعي شعاعاً يصعد نحو الغيب
فيهبط عليّ الوحي
فأقرأ باسم أمّي
أقرأ باسم تلك المرأة التي كانت تتفتّح كل صباح
كزهرةٍ مبلّلةٍ بندى الفجر
ثم باغتها الموت وهي تسير في جنازة ابنها
ذلك الابن الذي لم يولد بعد
كأنّ القدر أراد أن يعلّمنا أنّ بعض الأحزان
تسبق أصحابها إلى الحياة.
وأمضي في رحلتي بين أطلال بابل
أبحث عن صورة جدّي المضاءة تحت ركام النسيان
أراه واقفاً هناك شامخاً كالسنديانة الفارهة
تطاول قامته عنان السماء
مرتدياً رداءً مطرّزاً بنقوش التاريخ
يمشي في شارع الموكب بخطوات الملوك
فتتبع ظلاله ذاكرة القرون
وترمقه فتيات أوروك بحسرةٍ ممزوجةٍ بالإعجاب
كأنّهن يشاهدن آخر فرسان الأساطير
ومن بين خرائب المدن
ومن بين صمت المقابر
ينهض صوت الحقيقة
ليعلن أنّ مجازر الشعب الآشوري لم تكن مجرّد حوادث عابرة
بل جراحاً محفورةً بالحبر المقدّس في ذاكرة الآلهة
وفي ضمير الزمن
فلا النسيان قادرٌ على محوها
ولا السنين قادرةٌ على طمس آثارها
لأنّ دماء الأبرياء تظلّ تنبت أزهاراً
في حدائق الخلود.
وأتذكّر أحيقار الحكيم
ذلك الذي شيّد بعقله قصراً في السماء
وأقام من الحكمة سلّماً
يصعد عليه الباحثون عن النور
لقد أدرك أنّ البناء الحقيقي لا يُقام بالحجارة
بل بالفكر
وأنّ الإنسان حين يزرع المعرفة في أرض الروح
يترك وراءه مملكةً أوسع من حدود العالم.
وفي تلك الكنائس المهجورة التي كانت يوماً تعجّ بالتراتيل
ما زالت آثار قبلات المؤمنين تتلألأ على الصلبان العتيقة
كحبات لؤلؤٍ من نور
لكنّ الذين تكلّموا باسم الله
ولم يعرفوا الله
دنّسوا المقدّسات ودكّوا الجدران
ونثروا الرماد فوق المذابح
فظلّت الحجارة تبكي في صمتٍ نبيل.
ومن ذاكرة النهر الحزين تساقطت أوراق النسيان
وتوارت أسراب الطيور خلف تخوم الليل
كأنّها تخشى أن ترى ما حلّ بالأرض التي أحبّتها.
ومع ذلك
فإنّ الأمل لا يموت
فكلّ من صُلِب على جلجلة الوطن
وكلّ من حمل جراح شعبه وسار بها نحو الضوء
لا بدّ أن يُبعث يوماً
في ذاكرة الأجيال وفي ضمير التاريخ
وفي أناشيد العائدين من المنافي
أما أنا…
فقد ترصّدت نكبات شعبي قبل أن أبصر النور
كنتُ أصغي إليها من وراء جدران الرحم
وأسمع وقع خطاها في دمي
وأشعر بظلّها يتمدّد فوق أحلامي
ولذلك….
حين فتحتُ عينيّ على العالم
لم أرَ نفسي فرداً وحسب
بل رأيتُ في داخلي وجوه الآباء والأجداد
وصيحات الأطفال
وتراتيل الأمهات
ودموع المدن المهدّمة
ومنذ ذلك الحين
حملتُ شعبي في قلبي وذاكرتي
كما تحمل الأم طفلها الوحيد
وحملتُ الوطن في قصيدتي
كما يحمل المؤمن صلاته الأخيرة.
وسأظلّ أكتب
ما دام في الصدر نَفَس
وما دام في الروح نبض
لأنّ الأوطان لا تموت حين تُهزم جيوشها
بل تموت حين يتخلّى أبناؤها عن الحلم
أما نحن…
فسنبقى نحلم ونزرع الضوء في العتمة
ونشعل القناديل في وجه الريح
إلى أن ينهض الفجر من جديد
فوق جبال آشور
وتعود الأنهار إلى غنائها الأول
ويعود الإنسان إلى إنسانيته الأولى
ويعود الوطن…. وطناً للجميع.
،،،،،،،،،،،



