المجلة الثقافية الجزائرية

طريق ترابي خلف المطار

قصة: منذر ابو حلتم

بعد ثلاثين عامًا من الغربة، لم يعد يتذكر الوطن جيدًا.

كان يتذكره كما يتذكر المرء حلمًا قديمًا: شجرة قرب بيت الطفولة، صوت بائع متجول عند الظهيرة، وجه أمه عند نافذة مضاءة، وغبارًا ذهبيًا كان يسبح في الهواء وقت العصر.

أما الباقي، فقد محته السنوات.

لذلك لم يشعر بشيء استثنائي عندما بدأت الطائرة هبوطها.

نظر من النافذة.

لم ير سوى الغيوم.

كانت طبقات كثيفة من السواد والرماد، كأن السماء كلها تحولت إلى بحر بلا قاع.

ثم بدأت العاصفة.

ارتجفت الطائرة بعنف.

توهج البرق حولها مرات متلاحقة حتى بدا كأن الزمن نفسه يلتقط صورًا خاطفة للعالم.

وفي لحظة معينة، حدث شيء لم يستطع تفسيره لاحقًا.

رأى ومضة طويلة جدًا. أطول من أن تكون برقًا. أقصر من أن تكون حلمًا.

وخلالها شعر أن الطائرة لم تتحرك إلى الأمام… بل إلى الخلف. كأنها لا تعبر الهواء، بل تعبر شيئًا آخر. شيئًا غير مرئي. شيئًا يشبه العمر. ثم انتهت الومضة.

وعادت الأشياء طبيعية. وأعلن القبطان أنهم هبطوا بسلام.

───

كان الضباب كثيفًا بصورة غير مألوفة.

حين خرج من باب الطائرة لم ير الأرض. لم ير السلم. لم ير حتى قدميه. كان كل شيء أبيض. أبيض إلى درجة أن العالم بدا وكأنه لم يُخلق بعد. بدأ يمشي. خطوة. ثم أخرى. ثم أخرى. وكان يشعر بشيء غريب. شعور لا يشبه الوصول. ولا يشبه الضياع. بل يشبه التذكر. كأن المكان يتذكره قبل أن يتذكر هو المكان. 

بعد مسافة غير معروفة بدأ الضباب يخف. ببطء شديد. كما تنسحب ممحاة عملاقة عن لوحة قديمة. فتوقف. لم يكن هناك مطار. لا مدرج. لا أبراج.  لا أضواء. لا شيء مما كان ينبغي أن يكون موجودًا. كانت الأرض منبسطة وواسعة. حقول صامتة. أعشاب برية. طريق ترابي يشق السهل مثل ندبة قديمة. وفي الأفق البعيد كانت تلمع نوافذ بيوت قليلة. بيوت منخفضة لم ير مثلها منذ طفولته. بدا المشهد مألوفًا على نحو مؤلم. مألوفًا أكثر مما ينبغي. ثم فهم السبب. لقد رأى هذا المكان من قبل. لكن ليس بعينيه. بل في ذاكرة أبيه. 

───

مرت أولًا شاحنة قديمة. ثم عربة حصان. ثم رجال بملابس تراثية. تتبعهم نساء يسرن بما يشبه الإرتباك ..

وكان الجميع ينظرون إليه بدهشة. كأنهم لا يرون غريبًا. بل يرون شيئًا لا ينبغي أن يوجد. أما هو، فكان يشعر بالعكس تمامًا. كان ينظر إليهم وكأنه يرى أشباحًا خرجت من صور العائلة القديمة. ولأول مرة خطر له سؤال غريب:

من الشبح هنا؟

أنا أم هم؟

───

مع مرور الساعات بدأ يكتشف شيئًا أكثر غرابة. لم يكن الناس يعرفون المطار. ولا المدينة الحديثة. ولا الأبراج. ولا الطرق السريعة. كل شيء كان كما لو أن خمسين أو ستين عامًا لم تمر بعد. لكن الأمر لم يكن مجرد ماضٍ. كان أكثر غرابة من ذلك. لأن بعض الناس كانوا يعرفون أشياء لم تحدث بعد. في المقهى الصغير أخبره رجل عجوز:

سيبنون هنا طريقًا كبيرًا.

وأشار إلى السهل.

وسيقتلعون تلك الأشجار.

وأشار إلى البستان.

وسيقيمون مطارًا في هذا المكان.

وأشار إلى الأرض التي جاء منها.

تجمد الرجل.

من أخبرك؟

ابتسم العجوز.

المكان نفسه.

───

في تلك الليلة لم يستطع النوم. جلس على تلة صغيرة يراقب القمر. وهناك لاحظ شيئًا.

كان الزمن يتحرك بطريقة غريبة. الأطفال الذين يلعبون في القرية تتغير وجوههم أحيانًا للحظة. فيصيرون شيوخًا. ثم يعودون أطفالًا.

الأشجار تذبل ثم تزهر خلال ثوان. النجوم تتقدم وتتراجع في السماء. كأن الزمن هنا لا يسير. بل يتنفس.

شهيقًا وزفيرًا. إلى الأمام. ثم إلى الخلف. وفهم فجأة ما حدث. لم يسافر إلى الماضي. ولم يسافر إلى المستقبل.

لقد سقط خارج النهر كله. خارج الزمن. إلى المكان الذي تأتي إليه السنوات قبل أن تصبح سنوات.

───

وقبيل الفجر رأى شيئًا أخيرًا. على حافة السهل. كانت هناك مدينة شفافة. مدينة من الضوء. تظهر وتختفي. أبراجها هي أبراج مدينته الحديثة. وشوارعها هي شوارع وطنه الذي يعرفه. لكنها كانت بعيدة كالحلم.

كلما اقترب منها ابتعدت. وكلما ابتعد عنها اقتربت. فجلس يتأملها حتى طلعت الشمس. وعندها أدرك الحقيقة التي لم تخطر له طوال سنوات غربته:

أنه كان يظن دائمًا أنه مشتاق إلى وطنه. لكن الإنسان لا يشتاق إلى المكان. بل يشتاق إلى الزمن الذي ضاع فيه داخل ذلك المكان. والوطن ليس الأرض التي نعود إليها. الوطن هو النسخة من أنفسنا التي لم يعد بالإمكان العودة إليها. وعندما أشرقت الشمس تمامًا، اختفت القرية. 

واختفى الطريق. واختفى السهل. واختفى الضباب. وبقي واقفًا وحده في صالة الوصول الحديثة للمطار، ممسكًا بحقيبته. وكان الركاب يمرون من حوله بشكل طبيعي. أما هو فظل ينظر عبر الزجاج نحو المدرج البعيد. وكأنه ما زال يرى، خلف الطائرات، طريقًا ترابيًا قديمًا يسير عليه الزمن ببطء.