المجلة الثقافية الجزائرية

لعنة الذاكرة ورحمة النسيان: قراءة في رواية “ليت أمي تصاب بالزهايمر” للكاتبة اليمنية خديجة يحيى (*)

هشام شمسان

_________________

تعد  رواية “ليت أمي تُصاب بالزهايمر”(1) للكاتبة اليمنية، خديجة يحيى واحدة من أكثر الأعمال  ملامسة للقضايا الإنسانية التي تمس جوهر حياة الإنسان ومصيره؛ فهي لا تكتفي برصد الدمار المادي، بل تغوص في دمار الذاكرة والوجدان، وتذهب نحو واقعية خشنة تلتصق بتراب الأرض اليمنية، وتفاصيل اليومي المنهك. إنها لا تعيد صياغة “الانتماء” بشكل نظري، بل ترصده وهو يتآكل تحت ثقل “أكياس الإسمنت، والحجارة “(2) محولةً مفهوم انكسارات الذات، والوجع، إلى سجل يومي للموت المجاني والفقر، الذي يُصيّر أحلام الشباب من طموحات أكاديمية إلى مجرد سعي لتأمين “رغيف خبز يابس” .

وتتبدى تلك الواقعية- أكثر- في تصوير التفاوت الصارخ داخل المجتمع اليمني، ونحن نجد شخصية مثل  “بيلسان” تلك الطفلة التي تَسرِقُ إشاراتُ المرور الخضراء تعبَها في مسح السيارات، بينما ترتفع في الجهة الأخرى بنايات المسؤولين التي تُبنى بعرق الفقراء . هذا التباين هو ما يمنح الرواية صدقها الواقعي؛ فهي لا تتحدث عن الحرب كوقائع سياسية، بل كـ “ثقوب في قميص” أو “روائح ادوية، وعقاقير” تخنق جدران المنازل المتشققة التي تحفظ الحزن في مسامها.

○ تبدأ رواية “خديجة” بعتبة نصية تمثل صدمةً شعورية وقيمية، إذ يتحول “الزهايمر” من مرضٍ عضال إلى أمنية خلاصية،  وهو عنوان يمثل ذروة التناقض الدرامي؛  فـشخصية الرواية “خالد” يتمنى لوالدته “النسيان الأبدي”، ليس عقوقاً، بل رحمةً بها من ذاكرةٍ محتشدة بصور الأبناء الذين اختطفتهم الحرب والمرض. فالذاكرة، هنا، ليست وعاءً للتجارب، بل هي خزان آلام، ينضح بالموت. و”النسيان” هو الملاذ الأخير لاستعادة الطمأنينة. فنجد أن النهاية  تتحقق في  “النبوءة العكسية” للعنوان؛ فبدلاً من أن يُنجّي “الزهايمر” الأم، عادت لها الذاكرة فجأة ، وهي تقرأ مذكرات يوسف، فلم يتحمل قلبها الواهن ثقل الحقيقة. وهذه النهاية، رغم قسوتها، هي نهاية مغلقة، ومحكمة فكرياً، لأنها تؤكد فلسفة الرواية بأن النسيان في أوطاننا هو “صمام الأمان الوحيد”، وأن استعادة الوعي قد تكون هي “الفعل الانتحاري” الأخير.

○ وتتحرك حبكة الرواية في فضاءٍ مأساوي مكثف، ونحن نشاهد عائلةً يمنية تتآكل أطرافها بفعل الخسارات المتلاحقة؛ فيرحل “سيف” و”أدهم” في قصفٍ جوي، ثم يلحق بهما “يوسف” بعد صراع مرير مع السرطان، ويبقى “خالد” وحيداً يحمل على عاتقه إرث الحزن والفقر، حيث يعمل حمال حجارة لإعالة والدته المكلومة وعمته.  

وتكمن قوة الحبكة في قدرتها على ربط المصائر الفردية بالواقع الجمعي: فقصة “حنان” التي تعاني من تسلط أخيها “بسام” ومن قيود المجتمع، تتقاطع مع قصة “ليلى” و”أكرم” و”بسمة”، لتشكل لوحةً “فسيفسائية”  للمجتمع اليمني تحت وطأة الحرب. غير أن هذا الترابط المتين يقع أحياناً في هِنة “المصادفات القدرية” المبالغ فيها، وهو ما يُعد مأخذاً بنائياً. فاكتشاف خالد أن “بسمة” هي ابنة المهندس الذي يعمل لديه، أو أن “ليلى” هي شقيقة الخاطب المتقدم لحنان، يجعل نسيج الأحداث يبدو أحياناً كأنه “مصنوع” لخدمة التلاقي الدرامي بدلاً من النمو العضوي العفوي.

○ وبالانتقال إلى التقنيات السردية، والتجليات الزمنية، فقد وفقت الكاتبة- إلى حد كبير- في استخدام  تقنية “تعدد الأصوات”، إذْ نرى الشخصيات: “خالد” و”حنان” و”ليلى” و”بسمة” يتناوبون على سرد الأحداث من وجهات نظرهم الخاصة، مما منح الرواية عمقاً إنسانياً وتنوعاً في زوايا الرؤية . كما كان لتوظيف “المذكرات” كتقنية سردية، دورٌ محوري لكسر خطية الزمن الحكائي، حيث استطاعت الكاتبة عبرها استعادة “صوت الميّت” ليشارك في صياغة الحاضر .

الحكاء جمع  بين الزمن الخطي، الذي يدفع الأحداث نحو الأمام، وبين الزمن المتقطع أو المتكسر الذي يعيد القارئ إلى الماضي:

فبالزمن الخطي، تسير الرواية في خط زمني صاعد يبدأ من نقطة  اليوم السابع والأخير لتعزية الأم في ولدها الثالث “يوسف”. ومن هذه النقطة، تتوالى الأحداث زمنياً نحو الأمام؛ وصولاً إلى النهاية (موت الأم بالجلطة).  وهذا المسار يمثل الهيكل الخارجي للرواية الذي يربط بين البداية والنهاية.

أما الزمن المتقطع، فيتمثل بتقنية الاسترجاع والمذكرات؛ حيث مثلت “مذكرات يوسف” زمنًا موازيًا يقطع تدفق الحاضر، وينتقل بالقارئ- فجأة- إلى الماضي (زمن مرض يوسف، وزمن استشهاد سيف وأدهم)  وهذا التداخل يجعل الزمن “متشظياً” بين حزن مضى وألم يُعاش الآن. 

كما يظهر في الرواية ما يمكن تسميته بـ “الزمن الدائري”؛ إذ يشعر  القارئ بأن الشخصيات عالقة في لحظة واحدة لا تتغير، وهي لحظة الخسارة الفقدية. فالأم “سلمى” كمثال: تعيش زمناً متوقفاً عند غسل “قميص أدهم” كل ليلة لمدة أربع سنوات، مما يجعل الزمن بالنسبة لها ليس خطاً يسير نحو المستقبل، بل دائرة نفسية تعيد إنتاج الوجع ذاته يومياً . فالشخصيات- وفق هذا الزمن- لا تتحرك نحو المستقبل إلا وهي مشدودة بقوة نحو “نقطة الانكسار” في الماضي.

وقد امتازت لغة الرواية – في معظمها-  بشاعرية وجدانية نجحت في أنسنة الأشياء، وتشخيصها، وتجسيمها. ويمكن رصد هذه الشاعرية وتجلياتها من خلال الآتي:

●أنسنة الجمادات والطبيعة: الرواية تبتعد عن التقريرية الجافة، فتمتلئ بصور شاعرية تمنح الأشياء صفات بشرية؛ فالشمس تغادر بعد “يوٍم طويل من نحيب البكاء”، والمنازل القديمة في صنعاء “تتكئ على بعضها من التعب”، والممر الضيق في المنزل “تختنق الروائح فيه”. هذه الكثافة التصويرية ترفع من منسوب الشاعرية في كل صفحة تقريباً.

● اللغة الوجدانية في وصف الألم: تستبدل الكاتبة الوصف المادي لليتم، والوجع بصور شاعرية قاسية، فتصف الحسرة بأنها “شفرة موسٍ في الحنجرة” والفقد بأنه “بتر روحي”. كما تصف صفحات مذكرات يوسف بأنها كانت “ُبكاًء مكتوًبا”، حيث تتداخل فيها بقع الحبر بالدموع.

● الحوارات الرومانسية: تصل الشاعرية إلى ذروتها في فصول “بسمة”، حيث تتحول الحوارات إلى قصائد نثرية؛ فبسمة تصف حبها لخالد بأنه “أبجدية من الخاء إلى الدال” حيث هو الفاعل وقلبها المفعول به. وتصف الدموع لأجله بأنها “كجمال المطر”. 

● وجزء كبير من الرواية يعتمد على مذكرات “يوسف” ومناجاة الشخصيات لأنفسها، وهي نصوص تمتاز بلغة استعارية عالية؛ فيوسف يصف خوفه من الموت ليس كفكرة ، ورؤية، بل كـ “ارتجافة الجسد” و”أشياء مؤجلة” .  حتى في وصف العمل الشاق، تبرز الشاعرية؛ فالبناية التي يعمل بها خالد لها “عظام من الإسمنت” و”جلد مغطى بغبار رمادي يشبه تعب السنين”. واللون الأخضر في إشارة المرور “يسرق تعب” الطفلة بيلسان.

 ومع ذلك، فإن هذه اللغة الشاعرية تقع- أحياناً- في فخ “الميلودراما العالية”، حيث يطغى عليها الإغراق العاطفي، والنواح السردي المتواصل، مما قد يحرم القارئ من مساحة “التأمل ،  ويحشره في زاوية “التفاعل العاطفي المحض”.

ومن مآخذ اللغة، “تشابه أصوات الرواة”، وظهور النبرة الوعظية المباشرة، على ألسنة بعض الشخصيات، كحوارات الأم مع حنان، مما يُخرج النص من فضاء الإبداع الإيحائي إلى فضاء التوجيه التربوي المباشر .

●  نؤكد في الختام، بأن رواية” ليت أمي تُصاب بالزهايمر”  بناء سردي طموح، تكمن جماله في صدقه الإنساني، وواقعية فكرته المركزية، وفي قدرته على توثيق “الوجع اليمني” بلغة شاعرية استطاعت أن تحول “الذاكرة” من قيمة إيجابية إلى “لعنة” تراجيدية، وقدمت بذلك رؤيةً مغايرة لما يعنيه البقاء في زمن الخسارات،  وتعد مرآةً أمينة للواقع اليمني في تفاصيله الدقيقة؛ كوصف “أزقة صنعاء” وضيقها، إلى “تقاليد العزاء” والروابط العائلية، وحتى القضايا الاقتصادية كعمل الشباب في “العمالة اليدوية” وانقطاع الرواتب. و نجحت الكاتبة في تجسيد أثر الحرب، لا كحدث سياسي، بل كفعل تدميري يوميّ يطال “رغيف الخبز” و”سعر الدواء” و”حلم الالتحاق بالجامعة”.

و تميل الرواية  بوضوح إلى الإطناب الوجداني؛ فالمؤلفة لا تكتفي بسرد الواقعة، بل تسترسل في تشريح تداعياتها النفسية عبر مونولوجات داخلية طويلة. فعلى سبيل المثال، استغرق وصف مشاعر الفقد واليتم أكثر من اثنتي عشرة صفحة متتالية في بعض المواضع(3) هذا النفس الطويل في الكتابة الوجدانية قد يراه القارئ الباحث عن الحبكة السريعة، نوعاً من الإطالة، بينما يراه القارئ المتأمل جزءاً أصيلاً من بناء الحالة “الجنائزية” التي أرادت الكاتبة توثيقها.

من  المواضع الأخرى التي يمكن تصنيفها أكاديميًا(4) ضمن “الإطناب- الذي لا تقتضيه الضرورة الدرامية- فصول “بسمة” التي اتسمت بلغة شاعرية مكثفة جداً، وخطابات طويلة موجهة لخالد، وهي في كثير من الأحيان لا تنقل الحدث للأمام بقدر ما تكرر وصف الحالة الشعورية ذاتها، ولكن بعبارات مختلفة . 

و بعض المقاطع في الرواية تبدو كأنها مقالات أدبية منفصلة عن السرد، مثل الحديث الطويل عن “قيمة البنات في البيت”، أو تفصيل “معنى اليتم”؛ وهي نصوص جميلة أدبياً، لكنها قد تُعد من قبيل الإسهاب الذي يعطل انسيابية الحكاية. 

○  فهل تعمدت الكاتبة الإسهاب الشاعري، لغرض “التكثير الكمي” المجرد، أم هو أسلوب كتابي ينتمي لتيار “النثر الشاعري”؛ الذي تتغلب فيه اللغة على الحدث، ويغلب فيه التصوير الفني والتدفق العاطفي على الحبكة السردية التقليدية السريعة.؟

نرجح الأخير؛ لأن هذا الإسهاب  يتسق مع طبيعة الرواية “الجنائزية” التي تهدف إلى تدوين الألم، وليس لمجرد حكاية قصة؛ لذا، فهي رواية طويلة بوجعها، لا بأحداثها،  وتنتمي بامتياز  لتيار “النثر الشاعري” .

__________________

هوامش :

(*) رواية غير منشورة.

(1) رأينا بأن الكاتبة لم توفق في تسمية روايتها بـ( أتمنى أن تصاب أمي بالزهايمر) فكان تعديلنا للعنوان نابعاً من كون العنوان المختار هو الأعمق لخصوصية الحرف “ليت” الذي يستعمل في اللغة لكل ما تعسر نيله، أو لما هو مستحيل، ومستبعد وقوعه، وشحنة الحزن، والأسى فيه عالية، وأيضاً لبعده عن التقريرية والمباشرة التي نجدها في ” أتمنى” ، أيضاً لوقعه السمعي، والإيقاعي اللذين لا نجدهما في ” أتمنى” ..

(2) استخدام تعبير “أكياس الإسمنت” جاء كرمز فني للدلالة على ثقل العمل البدني الشاق والواقعية الخشنة التي يعيشها “خالد” في بيئة المقاولات والإنشاءات اليمنيّة، وهو تعبير يتماشى مع الأجواء العامة التي وصفتها الكاتبة لموقع العمل المليء بالغبار والحديد والإسمنت.

(3) من الصفحة 179 إلى الصفحة 192 [179، 182، 185، 191، 192].

(4) المقصود بكلمة “أكاديمياً” في هذا السياق هو النظر إلى النص من منظور النقد المنهجي المنضبط بالقواعد الأدبية البلاغية، بعيداً عن الانطباعات العاطفية أو التذوق العابر .فالجمال الخالص للغة الشاعرية والخطابات المكثفة لا يشفع لها علمياً إذا كانت تؤدي إلى “تكرار وصف الحالة الشعورية ذاتها” دون إحداث نمو، أو تحول في البنية الحكائية.