المجلة الثقافية الجزائرية

لو خُيّرتُ بين العدالة وأمي، لاخترتُ العدالة 

عبد الحكيم بن لطرش 

مُراجعة وتدقيق: أنفال عيّاشي بن لطرش

 

بينما أصرّ ألبير كامو على طمس هُويّة الجزائري، عبر اعتماده الدائم صفة «العربي» متناسياً عن قصد صفة «الجزائري»، وانحصار هوسه بالطبيعة الجزائرية، دون التطرُّق لقضيّة شعب يُكابد منذ ما يفوق القرن، بُغية الحرية. نجد جان بول سارتر يحمل راية التحرّر عاليا، رافضا الرضوخ أمام حتميّة الاستعمار، مُواجها شعبا بأكمله، وجيشا بعتاده، وجُحودا من أصحاب صنعته.

فما الذي تكلفنا إياه الكلمة؟ كيف للواحد أن يقف وحيدا أمام شعب بأكمله؟ كم من كامو في حياتنا؟ وكم من سارتر؟ وما الذي يجعلنا نُناصر قضيّة ما؟ أواجبٌ الانتماء لرُقعة جُغرافية لفهم تفاصيلها؟ والدفاع عليها وعلى شُعوبها؟ ثم ما محلّ الانسانية من كل ذلك؟ وما الذي يعنيه المبدأ؟ 

المُثقّف بين نارين: النضال ومُواجهة تبعاته أم السكوت والاحتفاظ بالكُرسي؟

– لا أفهم يا سيمون أنّه مُمكن لإنسان عاقل أن يرى التدمير، والتفقير، والتعذيب الذي يُحدثه استعمار بلادنا للجزائر وألا يُحرّك ساكنا؟ 

– إنّه الخوف. 

صمتت سيمون دي بوفوار ثم وجّهت نظرها نحو رف مكتبتها العُلوي، كأنّها تطلب رأي أحد كُتاب المؤلّفات الناعسة في المكتبة أو أبطالها. تُريد منهم مُساعدتها لتتمّة الإجابة. ثم تواصل بنبرة واثقة.

– يخشى الجميع على مناصبهم، ومكانتهم، ومُمتلكاتهم في المُجتمع. ليس للجميع القابلية على مُجابهة الظلم إذ أن في ذلك خسارات لا محالة. 

يُجيب جان بول بسُرعة تدل على تفكيره المُسبق في هذا السؤال. إنّه سؤال يُؤرّقه، ويشلّ أفكاره الأخرى. يمنعه من الكتابة، والنشر، والقراءة. قد سبق وأن دار الحوار بينه وبين ذاته، يسأل ثم يُجيب مُحاولا تصوّر كل الأجوبة المُمكنة. كان بعد كُل جواب تذكره إحدى الشخصيّات المتخيّلة، والتي تعكس فئة من المجتمع، يُعيد تكرار السؤال بذات النبرة المُحايدة. 

– قد أفهم خوف الإنسان العادي، لكن كيف للمُثقّف ذلك؟ ألسنا نُعبّر بصوت واضح عمّا يدور في باطن المواطن البسيط؟ هل يقتصر دورنا على الكتابة في عُزلة عن عالمنا؟ ما هو دورنا إذا؟ 

– إن كُنت تقصد بالمُثقف؛ الكاتب والمُبدع السينمائيّ والمسرحيّ والموسيقيّ، فاعلم ببساطة أنّ كل واحد منا يخاف، بكل أسى، على مصالحه. إن صرّح المُمثل مثلا عن رفضه للظُلم، فسيرى انخفاضا في عدد الأدوار التي يتلّقاها، والجوائز، والدعوات لحُضور البرامج الإذاعية، و حفلات النُخب. ما يعني أن اسمه سيمحى شيئا فشيئا من الساحة الفنيّة، ثم سيُنسى من الجميع كأنّه لم يكن يوما.

– أفهم من كلامك أن المهم ليس الدفاع بجد عن المبدأ، بل عن المنصب والمكانة الاجتماعية. أ هذا هو دور المثقف في المجتمع؟

يدور في غرفة المكتب، دون أن تُصدر خطواته أي ضجيج، تماما كما تدور الأرض حول نفسها. ثم يصف بورتريه لهذا المُثقف الذي يخشى ضياع منصبه. 

– كرسي من طراز لويس الخامس عشر يجلس عليه في اليوم ما لا يقل عن عشر ساعات، يُدخّن سيجارة تلو الأخرى، ومكتبة تعاني من الربو من فرط ما تحويه من مؤلّفات، يُزيل عنها الغبار في العامين مرّة واحدة. يفتخر بنوادر الكتب التي يملكها، ويكتب عن عوالم خفيّة يتلقى عليها الاطراءات، يبتعد بقصصه عن واقعه إذ هو يترفع عن عصره، ولا يشعر بضرورة الانتماء إليه. لذا، ليس واجبا عليه التعبير عن عالمه، أو الدفاع عن قضايا الشعوب. يُردد بكل فخر في كل لقاءاته الصُحفيّة أنّ كُتبه تُمتّع قُراءه وهذا في حدّ ذاته يُشكّل إنجازا بالنسبة له :

– رسالة؟ لا، ليس همّي أن أوصل معاني وأخلاقيّات للمُتلقّي، أريد لقارئي المُتعة لا غير.  

الحلقة الخفيّة في رواية الغريب لألبير كامو 

كثيرا ما أشاد النُقّاد والقُرّاء برواية «الغريب» لكامو، ذاكرين عبقرية الكاتب في تصوير شخصيّة غرائبية الأطوار والأبعاد. شخصيّة تبدأ معالمها في الظهور من أولّ صفحة في الرواية. من منّا قرأ الرواية ولم يتذكّر هذه العبارة: 

«اليوم ماتت أمي. أو لعلّها ماتت أمس. لست أدري».

نتابع كقُرّاء شخصيّة ميرسو المُنفصلة تماما عن واقعها. تصدمنا ردّات فعله الباهتة، أو بالأحرى الغائبة في لحظات لا يمكن للإنسان فيها أن لا يهتزّ. يتلقّى خبر وفاة والدته كمن يُخرِج من صُندوق بريده صكّ الكراء. يحضر مراسم العزاء كالغريب، لا كإبن فقد والدته.  

يُواصل حياته بذات الوتيرة. السرد في الرواية بطيء للحدّ الذي يجعلنا نتساءل عن موضوعها، أو عن الهدف منها. لكنّنا نُواصل القراءة، علّنا نكتشف خيطا بإمكانه فكّ لغز هذه الغرابة. نواصل القراءة إلى أن يلتقي ميرسو بجاره ريموند، والذي يبوح له برغبته في استدراج حبيبته الخائنة، ذات الأصول العربيّة. رغبته كامنة في إهانتها، وتلقينها درسا لن تنساه. ثم لكي لا أحرق جميع تفاصيل الرواية، سنشهد قتل شخصيّة لا نعرف عنها شيئا سوى أنّها تُدعى «العربي». 

وسيُحاول القاتل تبرير القتل بحُجج واهية. 

– لم يقتله عن قصد، مع أنّه قوّص خمس مرّات. نعم خمس. 

– أرهقه المناخ الصعب والشمس الحارقة.

– كان يشعر بتعب شديد. 

يُقتل «العربي» إذا دون سبب واضح. 

لا يُحاول الكاتب استمالة عاطفة القارئ، فقد يجد حادثة القتل عاديّة بل ومُبرّرة. يمكن أن يمر كل واحد منا بفترة تعب، قد توصله للتصرّف بغباء أو حدّة. وإذا أضفنا للإرهاق، شمس حارقة و رِمال بحر درجة حرارتها تفوق الستين، فالتصرّف باندفاع سيكون عادي جدا! والغريب في الرواية، أنّ باقي الشخصيّات ذات الأصول الفرنسيّة لها اسم وهويّة مع أنّها لا تلقى حتفها بخمس رصاصات، وأغلبها ليس بذات أهميّة «العربي» من حيث التأثير على ريتم الرواية وأحداثها. 

سيقول البعض أن قراءتي عقيمة، وأنّه ليس من الموضوعي البتّة أخذ جانب واحد فقط من الرواية، والاعتماد عليه في نقد العمل برُمّته.

لسوء حظي، كانت «الغريب» من الروايات الأولى التي قرأتها، لم يكن اختياري مدروسا. كنت ككُل قارئ مُبتدئ، هوسه بالكُتب اقتاده لقراءة كل ما تقع عينه عليه. فحينما قرأتها، لم تستوقفني هذه الحادثة، ولا غياب اسم الشخصية المقتولة، كنت مذهولا ببطل الرواية غريب الأطوار. لم أكن أتصوّر أنّه من المُمكن أن لا يهتزّ الانسان لموت والدته. كان ذلك بمثابة الصفعة، التي لم أستفق منها، حتى بعد انهائي للرواية. كُل ما شدّني إذا هي غرائبيّة الشخصيّة، وهو ما سأعرفه في ما بعد تحت اسم العبثيّة . 

لم أحتج لقراءتها ثانيّة لأتوقّف عند هذه الحادثة، بل استوقفتني جُملة قرأتها في مقالة ذات يوم عن لسان ألبير كامو في ما يخص الثورة الجزائريّة. 

«لو خُيّرتُ بين العدالة وأمي لاخترتُ أمي» .

يعتبر ألبير كامو من مواليد الجزائر المستعمرة، فقد عاشت أسرته بما في ذلك والدته في ضواحي العاصمة. و مع بدء الثورة الجزائريّة ، شعر الفيلسوف بنوع من القلق تُجاه حياة والدته، فقد شُنّت أولى العمليّات في المقاهي، المطاعم ووسائل المواصلات. 

حينها، لم يُفكّر الفيلسوف بعقله بل بقلبه، ناسفا كُل مكوّنات المجتمع وما يحدث في الجزائر من نهب للثروات الى استعباد للشعب، وتطبيق سياسة التعذيب المُمنهج والأرض المحروقة. فحتى جنوب الجزائر لم يسلم من التجارب النووية، وشتى أنواع التعذيب من إبادة جماعيّة وتجويع واغتصاب. ومع ذلك فكّر فقط في والدته، وبالاحرى في ذاته.

اختار أمّه بدلا من العدالة. 

اختار أمّه بدلا من ملايين الجزائريّين. 

اختار فرنسا ظالمة بدلا من جزائر مظلومة.

اختار جيشا مُدججا بالأسلحة بدلا من جبهة تحرير فتيّة.

فلما لا نختار نحن المُبدع المُناضل بدلا مِمن يُفضّل الصمت أو الانحياز لفكرة مُختلقة دونما اكتراث للواقع؟ لما نستمرّ في تشجيع الجميع عن وعي أو غير وعي منا؟ لما لا نفصل بين المُنحاز والمُنصف؟ وبين الكاذب والصادق؟ وبين الفاسد والنزيه؟

حق الاختيار 

منذ سن صغير يكتشف الطفل مُتعة الإختيار، فلو وضعناه في غرفة مليئة باللعب لَلاحظنا ميله للعبة أو اثنتان فضّلهما عن البقيّة. فثمّة من يُفضّل الدُمية الخشبيّة، ومنهم من ينحاز للأسلحة البلاستيكيّة و السيّارات. بلا وعي منه يدرك الصغير حقه الشخصي في اتخاذ القرارات.

بما أنّنا منذ صغرنا نملك قُدرة الاختيار. لما نعتزل هذا الحق بعدها؟ هل هو تقاعس؟ أم استهتار وتهرّب؟ أو جُبن وخوف؟

منذ اندلاع الثورة الجزائريّة، لم يتوقّف قلم جان بول سارتر وآخرين دفاعا عن القضيّة الجزائريّة. فقد تميّز نضال سارتر بشجاعة كبيرة واتّزان أكبر. إذ خصّص في صفحات جريدته «لي تون موديرن»، مقالات للقضيّة الجزائرية، ثم نشر مقالة عنونها «الاستعمار: نظام مُمنهج» أبرز فيها رفضه للاستعمار بشكل عام وتطرّق للجزائر كمثال حي وواضح لسياسة استعماريّة مُمنهجة، وخالية من الصُدف، والنيّة الحسنة من طرف المُستعمر. 

نقرأ مثلا فيها هذا النص العاكس لرفض الكاتب التامّ لسياسة تجميل الاستعمار، التي استخدمها عدد من سيّاسيّي ومُثقفّي فرنسا. 

«ليس صحيحا أنّه ثمّة مُستوطن لطيف وآخر شرّير: هُنالك مُستوطنون وفقط. عندما نعي ذلك، نفهم أنّه مع الجزائريّين الحق في مُواجهة هذا النظام الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي. وأنّ الظفر بالحُريّة بالنسبة لهم ولفرنسا، لا يمكن تحقيقه إلا بانهيار الاستعمار».  

لم يتوقّف هنا فحسب، بل كتب كذلك مُقدّمة كتاب «مُعذّبو الأرض» للكاتب والطبيب فرانز فانون . شرح فيها أنّ العُنف الملموس في ردّات فعل المُستعمَر، ما هو إلا نتاج لعُنف الاستعمار. ثم خاطب بشكل مُباشر كل فرنسي وأوروبي، مُطالبا كُل فرد فيهم رؤية مايجري حوله، وحثّهم على ضرورة اختيار الطرف الذي يرغبون في الوقوف إلى جانبه: المُستعمِر أم المُستعمَر؟ الجلاّد أم المُضطهَد؟ الظالم أم المظلوم؟ 

بعد تشريح الأساليب الاستعماريّة في كتاباته ونشرها، تطرّق سارتر لسياسة التعذيب التي اعتمدها الجيش الفرنسي لترهيب، وتخويف الشعب الجزائري عامّة، والمُناضلين على وجه الخصوص بما في ذلك الفرنسيّين. 

في مقالة عُنوانها «أنتم رائعون» وهي عبارة ساخرة وجّهها للفرنسيّين شعبا، وحكومة وجيشا، واجه بسُخريّة لاذعة النفاق الفرنسيّ، الذي كانت مُؤسّساته تدّعي الانسانيّة والتحضُّر، ومع ذلك تسمح بالتعذّيب المُستخدم كوسيلة حرب، من قِبل الجيش الفرنسيّ. قرّر سارتر تحميل المسؤوليّة لكل الفرنسيّين. لأنّ الجميع يعلم بما يحدث، ولا يُحاول تغيير الواقع، سواء بالتزامه الصمت أو الميل للطرف الظالم. 

كان لنضال جان بول سارتر الكثير من التبعات والتضييقات. فقد تمّ إستهداف شقّته مرّتين من طرف مُنظمّة الجيش السريّ ، مع مُحاولات فاشلة لاغتياله. كما تمّ منع الكثير من أعداد جريدته من النشر، خاصّة تلك التي تطرّق فيها للقضيّة الجزائرية. بالإضافة لتضييقٍ كبير ومُباشر لأعماله، حاولت السُلطات الفرنسيّة آنذاك الضغط عليه بمُصادرة ومنع كل الأعمال الأدبيّة التي كان يدعمها، بما في ذلك كتابَيْ «مُعذّبو الأرض» لفرانز فانون و«الاستجواب» لهنري أليغ. 

رغم كُل هذا، لم يتوقّف دفاع سارتر عن حق الشُعوب في الظفر باستقلالها، و التنديد بالظلم والعُنف المُمنهجان من طرف الأنظمة المُستبدّة. 

في عام 1964، تُوّج جان بول سارتر بجائزة نوبل للآداب، وهي أهم جائزة أدبية في العالم. لكنه رفض تسلم الجائزة . فلم يكن يقبل بشكل عام الأوسمة مُعتبرا إياها سجنا يُقلّل من حُريّة صاحبه.  

«لطالما كنت رافضا للتكريمات. خلال الثورة الجزائريّة، كنت مُعارضا لكل أشكال التعاون مع النظام. سأشعر بخيانة هذه المبادئ إذا ما قرّرت قُبول الجائزة اليوم.» 

من بين الأسباب التي دفعته لعدم قبولها دفاعه عن القضيّة الجزائريّة بإلقاء الضوء عليها من خلال كتاباته، ودعمه لكل الشخصيّات التي ساهمت في التعريف بمُعاناة الشعب الجزائري. كما أنّه شارك هو والعديد من مُثقّفي فرنسا في بيان «المائة وواحد وعشرين» . الذي كان هدفه تعريف الرأي العام الفرنسي والعالمي، بمُعاناة الشعب الجزائري، وانتهاكات الجيش الفرنسي. بعد إصدار البيان، تم التضييق بشكل كبير على المُشاركين فيه. شمل التضييق، عدم نشر أعمال المُنخرطين، وإهمالهم إعلاميا، أو توجيه سلطة الإعلام ضدّهم.  

بالنسبة لسارتر، قبول الجائزة يُعد إهانة لكل زملائه، الذين عانوا كثيرا بعد دفاعهم عن تحرير الجزائر. 

ظل إذا على مبدئه. 

اختار المبدأ بدلا من الجائزة. 

اختار المبدأ بدلا من المُغريات. 

اختار حُريّة حقيقيّة بدلا من حُريّة زائفة.

اختار أن يُقترن إسمه بقضايا آمن بها، لا بأوسمة لا تعني الكثير له ولقُرائه. 

وأنت. 

نعم أنت. هل تُريد أن تكون لك حُريّة الاختيار؟ وأن تستعمل حقّك في الاجتباء؟ أم تُفضّل الانصياع وراء الأغلبية دونما تحريّ؟ هل تُفضّل المُواراة خلف العاطفة أم التشبّث بمبادئ قائمة على التمحيص والعقل؟ هل تود أن تكون كامو أم سارتر؟