المجلة الثقافية الجزائرية

النزعة التدميرية في بِنية الأصولية الدينية: علي حرْب مُفكِكًا ألغام الفكر المتطرف

يوسف هريمة

 

الإنسان والقابلية للتحسن

في تاريخنا المُمتد عبْر مسارٍ من التحولات الإنسانية الكبرى، ظل الكائنُ الإنساني يتأرْجَح بين ثنائيات: العنف والسلم، التألُه والتوحُش، التخلُف والعقلنة. ولكنْ مع ذلك كانت الحُظوةُ الكبرى في مصير هذا الكائن، هي قدرتُه على الخروج من نسقِه الغريزي، والبحث عن آفاقٍ أكبر من التعقل والتطور، جعلَتْ منه الكائن الذي يعي وجوده، ويحدِدُ مصيره، ويجْتهِدُ في رؤية الأشياء بعيدًا عن حدود ما تفرِضُه الطبيعة. ذلك على الأقل ما حاول أنْ يُثيره لوك فيري في نقاش طويل ضمَّنَه في كتاب “تعلُم الحياة”[1]، ليحدِد موْقف روسو من الشيء الذي يُميز الإنسان على الحيوان. وهو سؤالٌ طالَما تداوَلتْهُ الفلسفات والثقافات، وعرَفَ بطريقٍ أو بآخرَ اختلافًا بين من يرى الإنسانَ كائنًا عاقلًا ومُفكرًا، وبين من يرى فيه طابَعَه الانفعالي والوجداني، أو قدرَتهُ على التأقلُم والتكيف الاجتماعي. فإذا كان أرسطو مثلا يرى في الإنسان كائنًا مُفكِرًا، فإن ديكارت وأتباعه لم يعتمدوا فقط على هذه المَيْزة، ولم يكتفُوا فقط بخاصية التفكير الإنساني، بل أضافوا إلى ذلك معيار الانفعالية، ورأوا أن الحيواناتِ تفتقرُ افتقارًا كبيرًا للمعيار العاطفي مع توفُرها على الأعضاء نفسَها التي يتوَفَر عليها الكائن الإنساني.

أما روسو فقد نَحا إلى وجهة أخرى تتجاوز المنظور الكلاسيكي في مُقاربة الخصائص الإنسانية المُميزة للإنسان، ولهذا انطلق من ملاحظة أساسية، فالحيوان ليس آلةً صَماءَ لا عواطفَ ولا انفعالاتِ لها، كما ذهب ديكارت، بل هو كائنٌ حيٌ يمتلك أيضا ما يمتلكه الإنسان من المشاعر والعواطف، وإن تفاوَتَت هذه الانفعالات في المظهر والمضمون. ولعل ما يؤكد ذلك، هو شعوره بالألم واللذة، والتعلُم من التجرِبة، وإبرازُه لسلوكيات اجتماعية معقدة، كما تؤكِد ذلك الأبحاث التي تدرُسُ مجتمعاتٍ حيوانية: الكلاب أو النَحْل أو القردة التي تتجاوز في كثيرٍ من الأحيان الإنسان في التعاون أو الانضباط أو سرعة الاستجابة. ومن هنا يتجاوز روسو المنظور الكلاسيكي في النظر إلى الفَرْقِ بين الإنسان والحيوان، وذلك برؤية أن الفارقَ بين الإنسان والحيوان ليس فارقًا نوعيًا جوهريًا، بل هو فارِقٌ في الدرجة فقط. أي أن الإنسان لا ينتمي إلى طبيعة مختلفة كليًا، بل إلى الامتداد نفسَه للطبيعة الحية. وهذا التصور ينسجم، انسجامًا لافتًا، مع ما سيؤكده لاحقًا علْم السلوك الحيواني الحديث، الذي أظهر أن كثيرًا من السلوكيات التي كانت تُعَدُّ حِكْرًا على الإنسان: التعاون، والتعاطف، والتعلم، وحتى أساليب بدائية من اللغة، موجودة عند الحيوان. [2]

يبدو عن طريق هذا التصور أن روسو كان مُحقًا في رفْضِه ما ذهب إليه ديكارت وأتباعُه، الذين حاولوا أنْ يختزلوا الحيوان في آلاتٍ صماء فاقدة للإحساس والانفعال، وأيضًا حينما رفض التصورات الفلسفية الكلاسيكية التي قزَّمتْ الكائن الإنساني في جانبه العقلاني، ورأت أن العقل هو المَيزةُ الجوهرية في التمييز بين الإنسان والحيوان. لذلك وَفْق روسو فموضوع التمييز في مكان آخر، إذ لا يكمن الفرق الحقيقي في العقل أو الشعور، بل في مستوى أعمَق وأكثر حسْمًا يتجسد في الحرية، وما يرتبط بها من قابلية للتحسن. [3]وإذا أردنا أن نفهم هذا التصور عند روسّو، فيمكِننا القول بأن هذا المنظور ينبُع من كون أن الإنسان كائنٌ حر، له القدرة التامة على تجاوز البرنامج الطبيعي الذي تفرضه ضرورات ومُسبَقات الغريزة، والخِلقةِ الأصلية. هذه الحرية هي ما تتجسد فيما يسميه بـ «قابلية التحسن»، وهو مفهوم مركزي في فلسفته الأنثروبولوجية، يُشير إلى قابلية الإنسان وقدرتِه على تطوير إمكاناته ووسائله عبْر الزمان والمكان، مما يتيح له التحسُن الدائم، ومواصلة الطريق بأفُقٍ أفضَلْ من الماضي الذي كان عليه. وإذا كان الحيوانُ يُولَد مُكتمِلَ التكوين، في خضوعَه التام لبرنامجه الطبيعي والغريزي، فإنَ الإنسان كائنٌ مفتوحٌ على الإمكان والتطوُر، قابلٌ للاكتساب والتعلم والتبدل، سواءٌ في الخير أو في الشر. وبهذا المعنى، لا يُعَرِّفُ روسو الإنسان بما يملِكه منذ البداية، بل بما يُمكن أنْ يصير إليه. أي أن الحرية وقابلية التحسن هما ما يصنعان مصير الإنسان ومآله ومميزاته، كما أنهما ما يضعان الإنسان خارج الحتمية الطبيعية الخالصة، ويجعلانه كائنًا مسؤولًا عن أفعاله، وقادرًا على بِناء ذاته وتاريخه[4].

وإذا كان هذا التحسُّن هو مصيرُ الإنسان، وميزتَه الأصلية، فإن ذلك لا يعني أن الإنسان ليس كائنا محفوفًا بالتناقضات، لأن كثيرًا من لحظاتِه التاريخية، بدَل أن يتحسَن فيها ينحدِر، وبدَل أن يرتقي يتراجع، وبدَل أن يعي وجودَهُ المليء بمساحات الحرية، يحكُمُ على نفسه بالخضوع لبرنامجه الطبيعي، فيسُودُ ويحكُم، ويعنِف، ويُهيمن، ويقسُو، ويهْجو، وذلك هو الفخ الذي سقطَتْ فيه الإنسانية منذ لحظة الوعي الأولى، ولا يزال هذا المسار ساريًا لحدود الآن على الرغم من كل الأشواط التي قطعَها هذا الكائن بُغية الخروج عن برنامجه الطبيعي. لهذا فنحن أمام معضلة إنسانية، يرسم فيها الإنسان عودته إلى الجذور الأولى من التوحُش والعنف.

وسعيًا منا في البحث في هذه العودة المُوحِشة إلى الكائن الإنساني إلى جذوره البدائية في كل لحظة وحين، فإننا مُلزَمون أيضا بأنْ نُفِكِك الدوافع والمحفِزات التي تكمُن وراء هذه العودة، خاصة في سياق إسلامي موْتور بالعنف والتوحُش الأصولي. ولعل ما سيساعدنا على الحفْر في هذه البِنى الأصولية المتجذِرة في استعمال العنف الرمزي والمادي، نجد كتابات علي حرب الذي سيكون موضوعًا للبحث، وهدفًا للدراسة، لما تحتويه كتاباته ودراساته من دُرَر تفكيكية تحفِر في جذور العنف، وتنفَذُ إلى عمْق البِنيات المؤسِسة للأصوليات الدينية لتمنَحَنا الحق أيضًا أنْ نسأل جميعا؟

هل الاعتدال خاصية من خصائص الإسلام أم محاولةٌ للقفز على ما تثيره بعض النصوص المؤسِسة من مآزق وجودية؟ وما هي الآلياتُ التفكيكية التي اعتمدها علي حرب في مقاربة موضوع الإرهاب وصُنَّاعِهِ؟ وكيف فكَك علي حرب مستوياتِ العنف في البِنيات المؤسسة للعقل الأصولي؟

تجعلُنا نتساءل من جديد: كيف تُصنع ثقافة الإرهاب والتطرف؟ ومن هم صُنَاعُها الحقيقيون؟

التفكيك مدخلًا لفهم ظاهرة التطرف: كيف فكك علي حرب خريطة الإرهاب؟

قبل أن نُجيب عن السؤال أو الأسئلة السابقة، وهي أسئلة مشروعة في سماء البحث العلمي والمعرفي، يحسُن بنا أنْ نُذَكِر بمقاربة علي حرب لموضوع صناعة ثقافة الإرهاب، وهي مُقاربةٌ تحليلية وتفسيرية تتجاوز التشخيص والكشف، إلى سياق البحث عن الجذور الأولى، والعوامل المؤثِرة في ظاهرة لم تَعُدْ تعني فقط مؤسِسيها أو داعميها والمؤمنين بها، بل تجاوَزتْ ذلك إلى أن صارَت في عالم اليوم الإشكالية الكبرى التي تطرحُها الأصوليات الدينية على الواقع المعاصر سواءٌ على المستوى الفكري، أو على المستويات المنحدِرة منه: الاجتماع والسياسة والاقتصاد البشري. ولكنْ قبل أنْ نتحدَث عن المنظور الفكري الذي ينطلق منه علي حرب في تعرية الواقع الإرهابي والمتطرِف في عالمنا المعاصر، خاصة في شقِه الأصولي الديني الإسلامي، فلا بد من أن ننظر أيضًا في الآليات التي تكشِف عن هذه الأزمة المعرفية، والمأزق الديني، والإشكالية الإنسانية. وهنا سنكون أمام ما أقره علي حرب نفسه في كتابه هكذا أقرأ ما بعد التفكيك، مُلخِصًا الوسائل والآليات والقواعد التي يعتمِدُها في تشريح الفكر الأصولي المتطرف، وسنُجملها ونختزلها فيما يلي:

النص والواقع علاقة متحولة أم ثابتة؟[5]

يُشير علي حرب باستخدام هذه الآلية، وهذا التوجُه التفكيكي، إلى أن التوسعَ في استعمال مفهوم القراءة أدَّى إلى فهْمٍ مُغاير للعلاقة الموجودة بين النص والواقع. أي أن هذه العلاقة لم تَعُدْ حبيسة نظرة أحادية أو اختزالية، ترى أن النصَ يعكس الواقع أو يصِفُهُ، بل على العكس من ذلك صارت العلاقة أكثر تعقيدًا وتداخُلًا، يتغير فيها كل طرف بتغير الآخر. كأن الواقع من هذا المنظور لم يَعُدْ معطًى خامًا خارج القراءة، بل صار هو نفسه موضوعًا للتأويل، يُتعامل معه بوصفه نصًا مُثقلًا بالمعاني والدلالات، يحتاج إلى من يَفك رموزه ويستخرج مقاصده. هكذا تغيرت النظرة إلى ثنائية النص والواقع من المنظور التفكيكي تغييرًا استراتيجيًا، وصار الباحثون ينظُرون إلى الأفعال والمواقف البشرية نظرةَ رسائل موجهة، سواء في السياسة أو في العنف أو في الصراعات الرمزية، كما هو الحالُ في الفعل السياسي الجديد، أو الحدث الإرهابي، الذي لم يَعُدْ يُفهَم فهمَ الحدث المادي فقط، ولكنْ فهمَ إشارةٍ ذات معنًى، تتطلب قراءة وتأويلًا، وردًا محسوبًا من الأطراف المعنية.

وإذا كان هذا شأن الواقع فإن النصوص أيضًا أخذَت بُعدًا آخر، لم تَعُدْ تُفهم بوصفها محض تعبير عن نية مؤلفيها أو مرآةً تعكِسُ الواقع، بل غدَتْ وقائعَ خطابية قائمة بذاتها، لها منطقها وبِنيتها وآليات اشتغالها، وتنتج آثارًا تتجاوزُ قصد الكاتب. بذلك صار النص مجالًا لإنتاج المعرفة والأفكار، ومَصدرًا لإعادة صناعة مفاهيمنا عن اللغة والحقيقة والفكر. وهذا ما يُطلق عليه التفكيكيون بـ مفهوم «موت المؤلف»، وهو مفهوم يقوم على نزْعِ سلطة المعنى عن نية الكاتب، ومنحِها للقارئ بوصفه شريكًا فاعلًا في إنتاج الدلالة كما يؤكد كريستوفر باتلر. فعَدُّ المؤلفَ مصدرًا وحيدًا للمعنى يُعَدُّ انحيازًا معرفيًا يُقصي إمكانات القراءة المتعددة، في حين يمْكن للمعنى أن يتولَّد من التلقي بقدْر ما يتولَّد من الكتابة. من هنا، لم يَعُدْ النصُّ حاملًا لرسالة واحدة ثابتة، بل صار فضاءً مفتوحًا لتلاعُبٍ حر بالرموز داخل اللغة. ويعكس هذا التحول —كما عند رولان بارت وفوكو— بُعدًا سياسيًا أيضًا، إذ يُسقط صورة المؤلف بوصفه مالكًا برجوازيًا للمعنى، ويحرِّرُ النص من احتكار الدلالة. فالنص ليس تعبيرًا عن «رسالة إلهية» للمؤلف، بل ملتقى كتاباتٍ متعددةً بلا أصلٍ نهائي، يمتزج فيها المعنى ويتصادم. وبهذا الرفض لتثبيت معنى خفي، يتحرَّر الأدب من اللاهوت المعرفي، في فعلٍ ثوري يُناهض سلطة المنطق والعلم والقانون حين تُقدَّمُ تقديمَ حقائقَ مطلقة. هنا يصبح المعنى ملكًا للقارئ، ويغدو التفكيكُ حقًا مشروعًا، فيما يُنظر إلى محاولة ضبط الدلالة بوصفها نزعة رجعية معرفيًا وسياسيًا. وتدخل النصوص جميعها فضاء التناص، الذي تتلاشى فيه الحدود الصارمة، وتُقرأ بوصفها أساليبَ بلاغيةً مفتوحة للعب الخيال، لا أنظمةً مغلقةً تُفرض عليها دلالاتٌ نهائية.[6]

الواقعة المضافة: حين تنتج القراءة واقعًا جديدًا[7] 21

حينما نتحدث عن القراءة بالمنظور التفكيكي، فمفادُ ذلك حسب علي حرب أن كلَ قراءة للواقع لا تكتفي بصياغته بطريقة آلية تعتمد فقط الوصف والتشخيص، وإنما تُنتج واقعة مضافة تُسهم في إعادة خلق الواقع نفسه. وعلى هذا المنوال تصير العلاقة بين الواقع والنص علاقة جدلية نتيجتها التأثير والتأثر، أي أن كل تحول واقعي ينعكس مباشرة على اللغة والخطابات والمفردات، فيجددها ويُعيد تنظيمها. لذلك فكما أن قراءة النص تُنتج نصًا جديدًا مُضافًا، فإن قراءة الواقع تُسهم بدورها في تجديد النصوص ومعانيها، فنحن هنا بإزاء نوعين من الوقائع المتداخلة: وقائع خطابية ووقائع غير خطابية، أو بتعبير أدق، واقع القراءة وقراءة الواقع.

وكي نفهم هذه الأداة فهمًا أوضح، وجب الإشارة هنا إلى فجوة مزدوجة تنشأ بين الكلمات والأشياء، وأخرى بين الكلمات والدلالات. فإذا كانت اللغة تخلُق واقعة وهي تخبِر عن الواقع، فإن قراءةَ النص بدورها تُنتجُ حقيقة جديدة، حتى وهي تدَّعي القبض على حقيقة النص الأصلية. وبذلك لا تكشفُ القراءة الحقيقة بقدرِ ما تُعيد إنتاجها. هذه الفجوة الأصلية تفرِضُ التخلي عن منطق المطابقة والشفافية والثبات والوحدانية، لصالح منطق الخلق والاختلاف والتحول والتداول، وهي أوهامٌ أشار إليها علي حرب أيضًا في معرض حديثه عن المثقف ضمن كتابه: “أوهام النخبة أو نقد المثقف”[8].

ما يريد تأكيده علي حرب في هذا السياق، هو أن الواقعةَ، سواء أكانت خطابية أم غير خطابية، ليست معطًى مُنجزًا ومغلقًا، بقدر ما هي عالمٌ مفتوح على الاحتمالات والمفاجآت، وعلى المجهولات والمغيبات. فكل واقعة تُفهم من داخل مكوناتها وعواملها، كما تُدرك عبر تداعياتها وآثارها ومفاعيلها وارتداداتها، بما تحمله من مُفارَقات وتناقضات. وهذا ما يدفعنا إلى تنحية القراءات الأحادية والاختزالية للوقائع والظواهر والأحداث، سواء تعلق الأمر بالطبيعة أو بالفعل البشري أو بالإنتاج الثقافي. وذلك لأن المنظورَ التفكيكي يرى بأن هُوية الواقعة وثمرتُها لا تقوم في ذاتها، بل تتحددُ بطريقة التعامل معها سلبًا أو إيجابًا، بُخْلًا أو ثراءً، تدميرًا أو بناءً. وعلى هذا النحو يُمكن فهْمُ ظاهرة مثل العولمة؛ بأنها ليست مصدرَ شرٍ مطلق، ولا هي تعبيرٌ عن جنة تفتح فيها الحدود على مصراعيها، وإنما يتوقف فهْمُ الظاهرة على أنها رصيدٌ وإمكان، تتوقف أهميتها وخطورتها على قدرتنا على توظيفها والتحول بها والإسهام في تحويلها.

وما يحكم الواقعة يحكُم النص نفسه، بوصفه كِيانًا متعدِدَ المعنى، ملتبِسَ الدلالة، كثيفَ المفهوم، متوتِرَ الوجهة. فالنصُّ ليس كِيانًا جامدًا متوقفًا ثابتًا ثبوتَ الراسياتِ، بل هو بِنيةٌ مشحونة بمُمكنات تفاعلت وتراكَمَت في عقل الكاتب، قبل أنْ تصير مُمكِنًا لُغويا في ذهنيته يعبِرُ بها عن رؤيته ومنظوره للأشياء. ناهيك عن أنَه يتجاوز مؤلِفه ليخترق قراءه، ويُخاطِب فيهم كل الممكنات، فاتِحًا صدره للقبول والنقد على حد سواء، بما يحمله من جِدة وغواية ومراوغة. إنه بِنية مخاتلة، يلعب فيها من وراء المتكلم ويفلِتُ من سيطرة القارئ، وكلَما زعمْتَ أنك تقبِض أو تمسِك بالمعنى، كلما زاد الغموض.[9]

المعنى وحُكْمُه

بهذه الآلية يُمكن أن نحكُم بأن طبيعة النص نفتح دومًا على إمكانات مختلفة، وقراءات متعددة، وتأويلات متباينة، تبعًا للظروف والسياقات المُكونة للنص. كما أن هدف القراءة يختلف باختلاف الأغراض والدوافع الكامنة وراء ذلك، إذ تقتصر القراءة في بعض الأحيان على مستوى الشرح، فتعمل على إيضاح المعنى، والكشْف عن الفهْم. وقد تتجاوز ذلك أحيانًا إلى أن تكون تفسيرًا، محاولةً تنظيم دلالات النص ورد عناصره إلى نسق مفهوم. أما عملية التأويل فهي تتجاوز كل الأغراض السابقة، إذ تُمَثِّلُ انخراطًا فعليًا في صرْف الكلام عن مقصوده المباشر، إلى آفاقه المُمكنة، واستثمارًا لما يختزنه من طاقات دلالية كامنة. كما لا تقف هذه العملية عند هذا الحد، حين تتخطى نية المؤلف وحدود المعنى المفترض، لتتحول إلى ممارسة تشريحية تفكيكية، تستهدف البِنى والآليات والمؤسسات التي أسهمَتْ في صناعة الخطاب وفي إنتاج المعنى وتداوله.

إن ما تسعى فيه هذه الآلية، هو أنها تُشير إلى أن هذه الأغراض السابقة في علاقتها بالنص لا تشتغل منفصلة، أو معزولة، بقدر ما تُجسد استراتيجية محْكمةً تتداخل فيها كل القراءات، إذ توظِّف كل قراءة قدْرًا مُعيَنًا من الشرح يستدعي الوقوف عند المقدمات وتحليل العناصر، كما تستعمل التأويل استعمال الآلية لالتقاط الدلالة وفهْم ألعاب الخطاب وحِيلِهِ، والكشف عما وراء استراتيجياته، ومُساءلة بِنية المعنى نفسها، والكشف عما يستند إليه من اللا معقول، واللا مفهوم، أو غير المشروع، وغير المقبول. فيغدو هنا التفكيك حسب علي حرب ليس آليةً تُمارِسُ هدمًا خالصًا، بل شرطٌ لإعادة البِناء والتركيب. وكأننا هنا محكومون بالمعنى، والعجز عن التفكير خارجه. وبذلك لا يُمكن أن يوجد معنى من دون ربْط الأشياء ببعضها، سواء عبْر انتظام نَحْوي، أو توضيح دلالي، أو تركيب مفهومي. لأن كلَ قراءة تنطوي بالضرورة على عملية تحليل وتفكيك لبِنية المفردات، أو لنظام الجُمل، أو لسلاسل الخطاب، أو لنسق العلامات، وذلك بقصد إعادة ترتيبها وصياغتها ضمْن بِناءٍ جديد يمنحُها قابلية للفهم والتداول.[10]

القبض واستحالته[11]

داخل النسق التفكيكي لا يُمكن أنْ نزعم بأننا نقبض على الفهم والمعنى، بل يغدو هذا الزعمُ مستحيلًا كما يؤكد علي حرب، ولهذا فالتفكيك يُمكن أنْ يأخذ أنماطًا بسيطة، تبدأ من محض فكِّ الحرف أو تحليل الكلمة لفهم المعنى الظاهر. كما يمكنه أن يشتغل اشتغالًا أعمَقَ على المعنى الكامن، أو المستتر، بتفكيك بِنيته وأصوله وتاريخه ومُسبقاتِه وما حُجِب عنه، أو الكشف عن خداعه وألاعيبه، وفضْح سلطته وتحكُماته. إذ يعمل الكلام أحيانًا على الحجب والخداع أو على الادعاء والسيطرة والمصادرة.

ولفهم ما يقصده علي حرب من آليات الحجب التي يتستر وراءها الخطاب، يمكننا أنْ نعود إلى كتاب نقد النص الذي أوضح فيه الطريقة التي يعمل بها الخطاب، وتِقْنيات التخفي التي يستعملها، حين يمارس آلياتٍ متعددة من الحجب؛ فهو لا يكتفي بحجب ما يُتكلم عنه، بل يحجب ذاته أيضًا. فالخطاب خاصة حين يتخذ طابعًا مقدسًا أو عقائديًا، فهو يُمارس حجبًا مضاعفًا كما في آية: “إنِ الحُكم إلا لله” (يوسف/ 40) ، التي يستعملها الخطاب الأصولي للدلالة على أن الدولةَ في الإسلام تُدار من السماء، فهذا الخطاب من هذا المنظور يقوم باستعمال آليات حجْب متعددة، إذ يحجب أولًا طبيعة السلطة التي يتأسس عليها، وثانيًا يحجب رغبة القائل في ممارسة السلطة على المتلقي، وثالثًا يحجب كونه هو نفسَه سلطة فاعلة تؤثر في السامع والقارئ.

معنى ذلك أن الخطابَ الأصولي الذي يوَظِّف هذه الآيات بحْثًا عن شرعيات مزعومة، حين يقول إن “الله هو الحكم”، فهو يُخفي البُعد البشري للسلطة، ويستتر وراءه المتكلم ليمارس سلطته باسم المقدس. وكذلك يفعل الدعاة العقائديون، فمنطوق خطابهم هو الدفاع عن الحقيقة والهُوية أو الدعوة إلى الإيمان أو التحرر، لكنّ مسكوتَه هو تثبيتُ مرجعيتهم وسلطتهم، والتصرف بوصفِهم أولى بالناس من أنفسهم. حتى خطاب الحرية أو التحرر لا يخرج عن ذلك؛ إذ يؤسس سلطته على الآخرين وهو يدعوهم إلى ممارسة حريتهم. والأمر نفسه نجده في الخطاب الماركسي، الذي يدعو إلى مقاومة الإمبريالية، بينما يُخفي كونه يمارس بدوره إمبريالية فكرية عبر مفاهيمه وتصوراته[12].

هنا يتجلى دور التفكيكية، فمن مفاعيلها النقدية أنها تكشِف عن الأبعاد التي تبدو بدهية، أو طبيعية، أو مُطلَقة، أو جوهرية، أو مركزية، أو ثابتة، أو معقولة، أو مشروعة، لتؤكد أنها ليست كما تبدو، أو تتجلى للعقول التي تُحسِن النيات والقصد. ومؤدى ذلك أن نحتاط من كل ما يبدو مقدَسًا أو حتميًا، فحين نختبر هذه القداسة نكتشف بعد التحليل والدراسة أننا أمام أشياء تاريخية وثقافية وعرَضية ونسبية ومُتحوِلة تختفي وراء لبوسٍ من القداسة المزعومة. لذلك فالتفكيك هنا هو قراءة في محنة المعنى نفسه وفضائحه، للكشف عن قواعد العقل، وأنقاض الواقع، أو عن حطام المشاريع وكوارث الدعوات على أرض المعايشات الوجودية. إنه مواجهة حقيقة أن ما نعتقده ثابتًا ومستقرًا ليس إلا نتيجة تراكمات تاريخية وثقافية قابلة للمراجعة وإعادة القراءة.

قوة المخلوق [13]

يُشير علي حرب أن كلَ قراءة في مُجملها هي قراءةٌ للنصوص، ومن ثمَّ فهي في نهاية المطاف قراءة للوقائع، بسبب التداخل الحاصل بين النص والواقع. وإذا كانت هذه العلاقةُ علاقةً تلازمية وجدلية، فإن كلَ قراءة من هذا المنظور تُنتِجُ لنا واقعةً جديدة كما أكدنا ذلك سابقًا، فلا تكتفي القراءة بوصف الأحداث أو الإشارات أو الحركات أو الرغبات أو السلطات، وإنما تضيفُ إلى تراكم الوقائع في العالم وقائعَ إضافية، مُحدِثة تغييراتٍ في مجرى الواقع نفسه. بمعنى أن القراءةَ في سياق التفكيك ليس الهدفُ منها هو مُطابَقة الواقع، أو نقلِه والتعبير عنه كما يدَّعي البعض، بل تسعى هي الأخرى في أنْ يكون لها مجالُها الخاص، وحقيقتها الخاصة، وذلك بإبراز ما لم يُقرأ بعد، وما لم يكن متوقَعًا، عبر فضْح الخطاب الكامن والمتخفِي، والكشف عن آليات الحجْب المضمرة والمراوغة. من الحجب والمراوغة.

نحن هنا مع قراءة غايتها التفكيك، أي البحث فيما وراء الخطاب، أو ما وراء الحجْب والتخفي، فنحن حين نقرأ نصوص نيتشه، نعتقد بأن خطابَهُ منفصلٌ عن اللاهوت بإعلانه الشهير موت الإله، لنكتشف باستعمال آليات التفكيك بأن صاحبَ الإعلان يطرُدُ الله من الباب ليعود من الشبَاك، إذ لا يُمكن طرْده تمامًا فيما يجري الكلام عنه، فالحاضر في الكلام لا يغيب. هكذا، فإن نيتشه، الذي هاجم المؤسسات الدينية ورجالها، لبِسَ عباءة الألوهية والنبوة، مُعلنًا كتابة “إنجيل جديد للبشرية”، ممارسًا بذلك لاهوتًا مُضاعفًا.

هذه القضية نفسها هي ما أشارَ إليها ميشال أونفري[14] في مَعْرِض حديثه عن فكرة موت الإله النيتشوية، فقد أكد أن إعلان «موت الإله» لم يكنْ حدَثًا أنطولوجيًا حقيقيًا، بقدْر ما كان حدثًا ينسجم وطبيعة النُظم التي ميَّزت القرن العشرين، ذلك القرن الذي أَعلَن موت كل شيء تقريبًا، الفن، والفلسفة، والميتافيزيقا، والسياسة. غير أن هذه الإعلاناتِ لم تُنتج فراغًا، بل على العكس، فقد ولَّد «موت الفلسفة» فلسفاتٍ جديدةً، و«موت الروايةِ» رواياتٍ، و«موت الفنِ» أعمالًا فنية، بل إن إعلانَ «موت الإله» نفسَه أفرز عالمًا يعُجُّ بالقداسة والدين، يتنافس فيه الناس على إنتاج المعنى الرُوحي. وعليه فالإعلان كان صاخِبًا ومبكرًا، لكنَّهُ كان أقربُ إلى عرضٍ مسرحي منه إلى حقيقة قائمة على أدلة. فلم تُقدَّمْ أيُّ براهينَ ملموسةً تُثبِت هذا الموت، ولم تَظهَرْ «الجثة» التي يفترض أن تفرض حضورها، كما يَحْدُثُ في منطق الجريمة أو التحلُل الطبيعي. فالإله، كما كان خفيًا في حياته، ظلَ خفيًا بعد إعلان موته، ما يكشف أن الأمر لم يتجاوَز قوة الإعلان ذاته.

وإذا عُدنا إلى ما بدأنا به هذا المبحث، فيمكننا أنْ نقول بأن كل ما نستبعده أو ننفيه على صعيد ما، يعود ويظهر على صعيدٍ آخرَ، بطريقٍ مُغاير، مفاجئ، أحيانًا بعيدًا عن إرادتنا. لهذا ندعو إلى المساواة فنُنتج التفاوت، ونطالِبُ بالحرية فنمارس الاستبداد، أو نحارِب الفاشية فنكرِر عنفنا الرمزي والفكري، أو نعلِن رفض الإمبريالية فنستثمر في سوق وحشية باسم الحرية. وهذا يدل بوضوح على أن نصوصنَا ومخلوقاتِنَا وكلماتنا وأعمالنا تتمردُ على سلطتنا وتفضح مزاعمنا في اليقين والوثوقية المزعومة، إذ يتحول كلُ شيء إلى نقيضه[15]. فالشيطان يتسلَلُ من وراء ادعاءات النبوءة، والخرافات تتسللُ عبْر خطاب العقل، والوجه الإرهابي يَظْهَرُ من صُلبِ التدين الطهراني، كما تضيع إنسانيتنا وسط الادعاء باحترام حقوق الإنسان. ومن هنا فالقراءة ليست محض وسيلة لفهْم النص أو الواقع، بل ممارسةٌ قوة خلْق وإبداع، خلْق للوقائع، اكتشاف للمفارَقات، وانكشاف للحدود بين ما نريد وما يحدُث، بين ما يُقال وما يُفعل، بين خطابنا وسلطتنا، وبين الحقيقة والهيمنة.

الإسلام بين خطاب الاعتدال والتطرف

كلَما أُثير الفعل الإرهابي المتطرف في دوائرنا الاجتماعية والسياسة، إلا وتبرُز تفسيراتٌ وتأويلاتٌ للحدَث الإرهابي انطلاقًا من الموقع الذي يشغلُه الباحث، فالأمني يقارِبُه من منظور الأمن والاستقرار والتنمية، والسياسي يَنْظُرُ إلى تداعياته على المنظومة السياسية، والمفكر يقرأ أبعاده الاجتماعية والثقافية والفكرية في عالمٍ مُثير للأسئلة والإشكالات، خاصة ما يرتبط بعلاقة الدين بالإرهاب، أو التديُن العنيف. وبين هذا وذاك تبقى المقاربة الأكثر تجذُرًا، والأقرب إلى فك مغاليق هذا المأزق الوجودي، هي تلك المقاربةُ التفكيكية، والكاشفةُ عن أبعاد الأحداث، والمتجاوِزةُ للوصف والنقل الحرفي للواقع المأزوم، ولعلَ ما كتبَه علي حرب في كتابه الإرهاب وصُنَّاعُهُ، يُفيدنا في الكشف عن جوانب هذا الموضوع الشائك، ويمدُنا بالأدوات والآليات التي يكمُنُ وراءها الفعل الإرهابي، والوسائل التي يتوَخَّاها أو يَهْدِفُ إليها الفعل العنيف.

وعندما نستحضرُ علي حرب في السياق العربي والإسلامي، تَحْضُرُ أمامنا تلك الآليات التفكيكية التي كشَفَ عنها في مُعظم كتاباته خاصة كتابيه: “هكذا أقرأ ما بعد التفكيك” و”نقد النص”. ولكنْ قبل أن نخوض تجرِبة البحث مع هذا المفكِر في موضوع الإرهاب وصُنَّاعِهِ، أو لنقُلْ بتعبيرٍ أدق، المرجعيات والخلفيات التي يتستَّرُ وراءَها الخطاب الأصولي المتطرف، فلا بأس أن نُثير التساؤل التالي، وهو بمنزلة المدخَل الأساسي لدوائر التطرف والعنف المُقدس والإرهاب، سؤالٌ يُثير أمامنا أزمة يُمكن وصفُها بالوجودية أو الدينية، لما تحمِلُه من حمولاتٍ مُثقلةٍ بالإشكالات من قبيل: هل الدين الإسلامي دينٌ يميل بطبيعته إلى التطرف، أم أنه دينُ اعتدال كما يرَوِّجُ له الخطاب المعتدل؟ وإذا كان الاعتدال جزءًا من جوهره، فأين يتمَوْضعُ أصحابه اليوم؟ وما الدور الذي يضطلعون به في مواجهة التيارات الجهادية التكفيرية التي جعلَتْ من العنف والقتل والخراب لغتها الأساسية، ومن الرعب وسفك الدماء وسيلتها لفرض الحضور والهيمنة؟

هذه الأسئلة هي جزءٌ من منظومة فكرية دينية نحياها جميعا، كما تساءلنا جميعًا دون أن يحاول أحدنا أنْ يقفَ موقف المحايد والموضوعي، ولهذا فالسؤال ما يزال يطرح نفسه بقوة داخل الأوساط الفكرية والثقافية والسياسية خاصةً بعد الممارسات التي أحدثَتْها وحشية بعض التنظيمات الجهادية التي كشفَتْ عن وجهها القبيح، وأظهرَتْ للعالم كيف يُمكن أنْ تكونَ الدولة الدينية، دولة الرعب والتخويف والسلطة المُطلقَة للحاكم بأمر الله، وهو ما تحقق بإعلان قيام ما سُمي بداعش على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، وارتَكب باسم الدين جرائمَ السبي والاغتصاب والقتل والتنكيل، إلى جانب التهجير القسري والتطهير الطائفي والمذهبي، بحق المسلمين وغير المسلمين على السواء.

لكنْ قبل أنْ ننتقل إلى الجزء المتعلق بالخلفيات المحركة لصناعة الإرهاب أحب أنْ أطرح التساؤل التالي:

ما الإرهاب؟

للإجابة عن هذا السؤال يَحْسُنُ بنا أن نتحدث عما صاغه تشارلز تانونزد Charles Townshen في كتابه “الإرهاب مُقدمة قصيرة جدًا”[16] فقد أكد صعوبة تعريف هذه الظاهرة العالمية والعابرة للحدود، خاصة أن الجُهودَ السياسية والأكاديمية في دراسة الإرهاب تواجه عقبة أساسية تتمثلُ في صعوبة تعريفه، بسبب تداخله مع العنف الإجرامي أو العمل العسكري. فهناك عشراتٌ، بل مئاتُ التعريفات، دون توافقٍ نهائي، لأن وصفَ «الإرهاب» لا يتبناه الفاعلون أنفسهم، بل تفرضهُ الدول على خصومها، مُحملًا بدلالات نزع الشرعية وغياب الدعم السياسي. ورغم سهولة صياغة تعريفات رسمية —كما في الولايات المتحدة وبريطانيا— فإن الحكوماتِ تجد صعوبةً في تحديد سلوك «إرهابي» مُميز عن الجرائم العادية، إذ لا يوجد فعل إرهابي لا يُعَدُّ جريمة أصلًا. لذلك تميلُ الدول إلى تجريم الانتماء لمنظمات بعينها أو التركيز على الدافع السياسي لا الفعل ذاته.

تكمن الإشكالية أيضًا في احتكار الدولة لاستخدام العنف، مقابل اعتبار عنف الجماعات الخارجة عن الأطر الرسمية غير مشروع، رغم أن بعضَ الحركاتِ الثورية تاريخيًا بَرَّرَتْ العنف برؤيته مقاومةً لأنظمة قمعية، وهو ما أدَّى إلى المقولة الشهيرة: «إرهابيٌّ في نظر البعض، ومقاتلُ حرية في نظر آخرين». هذه النسبية تجعل التوصل إلى تعريف مُحايدٍ أمرًا شبه مستحيل. ويقترح بعضُ الباحثين تجاوز البحث عن تعريف دقيق، والتركيز بدلًا من ذلك على منطق الإرهاب السياسي، إذ إن جوهرَهُ لا يكمن في طبيعة الأفعال ذاتها، بل في هدفها السياسي، المتمثل في إثارة الخوف وتهديد قدرة الدولة على حماية مواطنيها، ومن ثم التشكيك في شرعيتها.

أما عن الخلط بين العمل الإرهابي والحرب فقد أشار إلى ذلك تشارلز تاونزند[17] أيضًا، إذ أكد في كتابه السابق أن الحربَ ترتبطُ بالإرهاب في اعتمادهما على بثِّ الخوف، غير أن الخوفَ في الحرب غالبًا ما يكون أثرًا جانبيًا للعنف، في حين قد يتحول أحيانًا إلى أداة مقصودة، كما حدث تاريخيًا في نهب المدن أو حديثًا في نظريات القصف الجوي الاستراتيجي التي راهنت على تحطيم معنويات المدنيين. لكنّ التجرِبةَ أثبتت أنّ القصفَ الجوي، رغم دمارِه، لم يَحْسم الحروب، وظل عاملًا مساعدًا بحتًا في القتال التقليدي، ما يدل على أن الخوفَ سلاحٌ مؤثر، لكنَّهُ غيرُ حاسمٍ.

يميل بعض الباحثين إلى التمييز بين الحرب بوصفها فعل الدولة، والإرهاب برؤيته سلاحَ الضعفاء. غير أن هذا التمييزَ غيرُ دقيقٍ، لأن الطرفَ الأضعف قد يخوض حربَ عصابات تخضع لمنطق عسكري قائم على القتال المباشر، وهو ما ينسجم مع تعريف كلاوزفيتز للحرب تعريفَ الصدامِ بين قوتين حيتين. أما الإرهاب، فجوهره ليس القتال، بل مهاجمةُ أهداف لا تستطيع الدفاع عن نفسها.

ما يُميز الإرهاب هو استهدافُهُ العشوائي للمدنيين، ما يُمَثِّلُ خَرْقًا متعمدًا لقوانين الحرب وللفصل الأخلاقي بين المحاربين وغير المحاربين. لذلك يركز التعريف الأمريكي للإرهاب على العنف الموجه ضد “أهداف غير محاربة”. ومع ذلك، تظل مسألة “براءة” المدنيين نسبية، كما أظهرت الحرب العالمية الثانية، فقد رأى كل طرف نفسه بريئًا وعدَّ استهدافه ظلمًا، وهو ما يُعزز الشعور بالضحية ويضاعف الأثر السياسي للعنف.

أما في المجال السياسي، فتلعب المشاعر والاعتقادات الذاتية دورًا حاسمًا. فالإرهاب يقوم على استهداف أطراف “ضعيفة” أو “لينة”، ويعتمد على عملية ترويع تتكون من ثلاثة عناصر رئيسة:

أولًا: الاستحواذ على الانتباه عبر الصدمة والخوف الناتجين عن خرق الأعراف واستهداف الضعفاء.

ثانيًا: تبليغ الرسالة السياسية، وهي المرحلةُ الأكثرُ تعقيدًا، إذ قد تغيب المطالب أو تُساء قراءتها، كما في هجمات 11 سبتمبر أو تفجير لوكربي، فقد أدَّت اختلافات الفهم والتأويل إلى جدل سياسي وإعلامي واسع.

ثالثًا: تحويل العنف إلى أثرٍ سياسي، فلا تكفي العملية نفسها ما لم تُفهم دوافعها، خاصة عندما تكون الأهداف ثورية أو رمزية كبرى.

وفي المُحَصِلة، لا يكمن جوهر الإرهاب في طبيعة العنف ذاته، بل في منطقه السياسي: استخدام العنف ضد الضعفاء لإثارة الخوف، وجذْب الانتباه، وفرْض رسالة سياسية، غالبًا ما تكون عُرضةً لسوء الفهم أو التوظيف.

صناعة الإرهاب: علي حرب مُفكِكًا جذورَ التطرف العنيف

يأخذُنا علي حرب في كتابه الإرهاب وصُنَّاعُهُ إلى الحديث عن مستوياتٍ عديدةٍ يَظهَرُ فيها الإسلامُ بوصفه دينًا جَرَّهُ أتباعه إلى ساحة صار فيها التطرف هو العملةُ الرائجة في السوق العالمي، حتى أن وصْفَ المسلم في كثيرٍ من البلدان والثقافات أصبح مرادفًا لمتطرف أو إرهابي، وهي إشكالية أسهمَتْ فيها الصورة الإعلامية التي أرادها البعض أن تكون لصيقة بهذا الدين، وكذلك عن طريق الممارسات والسلوكيات التي أفرَزتها عولمة العُنف الناتج عن بعض الحركات والجماعات التي اختارت أنْ تُعبِر على دينها من خلال فهْمٍ مأزوم لقيم الدين، واختزاله فقط في الشقِّ العسكري والحروب والحلْم باسترجاع الأمجاد الغابرة عبْر الممارسة العنيف، والقوة المُفرِطة، والسلوك التدميري. وكي نفهم هذه المستويات التي يتبدَّى فيها سلوك صناعة التطرُف والإرهاب في عوالمنا الفكرية والسياسية والثقافية، نستحضر مقاربة علي حرب للموضوع وستكون على النحو الآتي:

أولًا: الإسلام بوصفه فضاءً حضاريًا

يؤكد علي حرب أن الإسلامَ على المستوى الحضاري، لا يَظْهَرُ ظهورَ العقيدة المجردة، بل ظهورُ العالم التاريخي الواسع، متعددِ العناصر والمكوِنات، تَكوَّنَ عبْر قرون طويلة من التفاعل بين ديانات وطوائف وأعراق ولغات مختلفة، وإن جرى ذلك تحت هيمنة اللغة العربية والعقيدة الإسلامية. وفي هذا الفضاء، نشأَتْ حضارة إسلامية كبرى، لم تكتفِ بوراثة منجزات الحضارات السابقة، بل أعادت صهْرها وأضافت إليها إسهامات نوعية في الفلسفة والعلوم والآداب والفنون والتشريع. هذا السياق الحضاري هو الذي أتاح، في مراحل عديدة، بروز فكر نقدي عقلاني تُجاه الدين نفسه، كما تجسَّدَ عند أعلامٍ كبار: مثل الفارابي، والنظَّام، والمعري، وابن الراوندي، وابن رشد، وابن عربي، وغيرهم ممن مارسوا مساءلة عقلية جريئة للإسلام، تفُوق في كثيرٍ من الأحيان ما يُقدِمه اليوم بعض من يتحدَثون باسم الحداثة والعلمانية.

ولم يكنْ الإسلام ليغدو إطارًا لحضارة مزدهرة لولا أن قِوى فاعلة داخله—من حكام، وعلماء، وتجار، ومغامرين، ومبدعين—اشتغلت بمنطق الانفتاح والتعدد والتجديد، في مواجهة التيارات المحافظة والأصولية التي كانت تُعرف آنذاك بأهل النقل والنص والحديث. ومن يقرأ التاريخ دون أوهام، يُدرك أن هُوية المسلم لم تكنْ يومًا ثابتة أو مكتملة، بل كانت في حالة تَكوُّنٍ دائمٍ، يُعاد بناؤها وتعديلُها عبْر الأحداث والتحولات والصراعات على السلطة والثروة والمعرفة، كما كانت هُوية المسلم تتغذَّى كثيرًا من الثقافات المحلية للشعوب التي انخرطتْ في المشروع الإسلامي. ولم تكنْ يومًا هذه الهُوية واحدة أو صافية، بل تعددتْ وتلوَّنت وتهجَّنت، واختلفت مظاهرها من تصور الإله، إلى المذاهب الفقهية، إلى أنماط العبادة، إلى عمارة المساجد، وصولًا إلى عادات الزواج وأعراف الاجتماع.

أما الاعتقاد بوجود هُوية إسلامية نقية، مكتملة، مُنزَّلة من السماء، يتوجب تجميدها والدفاع عنها، فلا يعكس سوى جهلٍ بآليات تَكوُّنِ التاريخ وصناعة الاجتماع البشري. وهو ما يُفضي، في أقصى تجلياته، إلى ذلك العنف الأعمى الذي تمارِسُه الأصوليات الجهادية، وسط ذهول مسلمين اكتشفوا متأخرين كيف يُمكن لنص ديني أن يُستثمر لإنتاج هذا الكم الهائل من الدمار[18].

ثانيًا: الإسلام بوصفه منظومة عقدية اصطفائية

ينقلنا هذا العنوان إلى المستوى اللاهوتي، إذ يُنظر إلى الإسلام نظرةَ منظومةٍ عقديةٍ تقوم على جُملة من التعاليم والأحكام التي تُعَدُّ، في وعي المؤمن، حقائقَ مطلقة ونهائية، غير قابلة للنقاش، لأنها وحيٌ إلهيٌ غيرُ قابلٍ للنقد والمساءلة. هذه الذهنية المغلقة تجعل من الهُوية الإسلامية هُوية اصطفائية ترى في أتباعها جماعة مختارة، خُصَّتْ بحمل الرسالة الأخيرة وتبليغها للبشرية، مما يُنتج نمطًا من التدين يقوم على تقديس النص، واستعادة الماضي، وتدنيس الحاضر، وبِناء جدران وَهْمية بين الذات المقدسة، والآخر المدنس، عبْر ثنائيات حادة من قبيل الإيمان والكفر، الطهارة والرجس، الطاعة والخروج، بما يُحوِّلُ الدينَ إلى أداةِ قولبة للعقول والأجساد، ويقوض استقلالية الفرد وحريته في التفكير.

في هذا السياق، يصير كلُّ شعارٍ يحمل عناوينَ مثل “الإسلام معتدل” أو “الإسلام الوسطي” حديثًا مضلِلًا، لأن منطقَ العقائد في جوهره، يقوم على الاصطفاء والإقصاء. لذلك يسعى هذا المعتقد في إلغاء مخالفيه، وتأسيس مشروعيته على نفي الآخر وشيطنته. إذ تتحول العقائد إلى مُغذيات للعنف المفرِط، وشيطنة الواقع، وإقصاء المختلف، ولنا في اليهودية خيرَ مثال حين أسَّستْ عقيدتها على فكرة الاصطفاء الإلهي لبني إسرائيل، وأقصَتْ ما عداها من الأمم والعقائد. ثم جاءت المسيحية لتنتقد اليهودية وتنفصل عنها، قبل أنْ يَظْهَرَ الإسلامُ بوصفه مشروعًا ناسخًا لهما معًا، باتهامهما بالتحريف أو الشرك.

هذا المنطقُ المتواصل من الإقصاء نفسه ساد داخل كل دين، إذ انقسمَتْ الطوائف وتصارعَتْ، وكلٌّ منها ادَّعَتْ احتكارَ الحقيقة والشرعية الإيمانية. ولم يقتصرْ هذا المنطق على الأديان، ولكنْ انتقلَ إلى الإيديولوجيات الحديثة، كما في الماركسية والرأسمالية، إذ بنَتْ كلٌ منهما مشروعها على نفي الأخرى، وشهد التاريخ باسمها انشقاقاتٍ داميةً، ومعسكراتِ قمعٍ، وإقصاءً جسديًا، ورمزيًا. وكأن جوهرَ الأصوليات بمختلف تلاوينها، هو الإقصاءُ والتهميش والترهيب سواء كانت دينية أو علمانية، قومية أو يسارية، فلا صوت هنا يعلو على ذهنية مَصدَرِها، عقلٌ أحادي، دغمائي، يحتكر الحقيقة، ويُصادر حرية التفكير، وينتهي حتمًا إلى الإقصاء أو الاستئصال. ومع ذلك، لا يُمكن التعميم المطلق. فهناك استثناء يتمثل في الليبرالية بوصفها موقفًا فلسفيًا وجوديًا، يضعُ حُرية الفرد في مركز المعنى، ويرفض كل وصاية باسم الدين أو العقيدة أو الإيديولوجيا، ويمنعُ تحويل الإنسان إلى عبدٍ لشخص، أو أداة لفكرة، أو خادم لعقيدة.

الجهلُ المركبُ

يقرُّ علي حرب بأن عديدًا من غير المسلمين الذين يُطالِبون بوجود “إسلام معتدل” يجهلون الطبيعة الجوهرية للأديان في كونها عقائدَ مُغلقة. ولعل ما حدَث في المسيحية يُعطينا هذا الانطباع، إذ إن المسيحيةَ نفسها، التي شَهد تاريخها محاكم التفتيش والاضطهاد الديني، لم تعرِف خطاب التسامح إلا بعد انكسار سلطتها الرمزية أمام صعود الحداثة وعصر الأنوار. لهذا فإن المسلم الذي يُدافع عن فكرة “الإسلام المعتدل” فهو يتجاوز عن قَصْد أو دونه البِنية العقدية الصلبة للإسلام، وقواعده، وأصوله، وهو نوعٌ من الفصام من منظور علي حرب بين ما يُعلنه المسلم وما يُضمره، لأنه يتجاهل بذلك عن عمْدٍ ما حدث في التاريخ الإسلامي على المستوى العقدي. فالعلاقات بين الفِرق والمذاهب لم تُبنَ تاريخيًا على منطق التعارف والحوار، بقدر ما تكوَّنت وَفْق منطق التنازع والتكفير والاقتتال، كما تشهد على ذلك الحروب والانشقاقات التي خلفت شروخًا عميقة داخل المجتمعات الإسلامية، على المستويات العقدية والثقافية والاجتماعية.

وقد أفضى هذا المسار إلى تحول المذاهب إلى هُويات فرعية مغلقة، أقرب إلى ديانات مستقلة تحمِل في عمقها الفكري والعقدي للطوائف والهُويات الأخرى، وصار الانتماء العقدي والمذهبي أكبر من الانتماء إلى الدين نفسه. ومن هنا يُمكن القول إن الله، والنبي، والقرآن، لم يعودوا يحتلون موقع الأولوية المُطلقة عند كثيرٍ من هذه الفرق، قياسًا إلى نصوصها الخاصة، ورموزها المذهبية، وأعلامها المؤسسين. وهذا الواقع يفضح الخطاب المضلِل لعديدٍ من الأصوليات الدينية في منطقتنا، خاصة تلك التي تُعبِّر عن رغبتها في السلطة، أو ممارسة السياسة بأفُقٍ سماوي لا يمتُّ للواقع بصلة، في الوقت الذي يعجزون عن تحقيق وَحْدة اجتماعية في حي أو مدينة. ومن جهة أخرى يُعري هذا الواقع خُطورة الخطاب الوَحْدوي وضبابيته عند القوميين العرب الذين لم يحصدوا من فكرة الوَحْدة سوى تفكيكِ الفكرة العربية. والنتيجة واحدة، مشاريع عروبية وإسلامية هي قنابلُ موقوتةٌ في مجتمعات مُفكَّكة دينيًا ومذهبيًا وثقافيًا، تحوَّلتْ بفعل هذا الفضاء المأزوم والمشحون إلى قبائل وطوائف متناحرة، كما نشهد اليوم في العراق وسوريا واليمن وليبيا، حيث تتحول الأخوة الدينية أو الوطنية إلى حروب أهلية مفتوحة.[19]

الخداع والزيف

يؤكد علي حرب بأن الذهنيةَ الأصولية، هي ذهنيةٌ مُخاتلة ومُخادعة، حين تحاول أن تُبعِد عن الذات المؤمنة إمكان الاتصاف بالفعل العنيف، ويُفسِرون كل عمل متطرف على أنه لا يمتُّ لقيم الدين أو تعاليمه بصلة. مُستدلين بعديدٍ من الآيات والأحاديث التي تدعو إلى التعارف بين البشر، أو تترك حرية الإيمان والاختيار: «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر». لكنّ ما يتناساهُ الأصوليون باعتمادهم على هذه الآليات المخادعة، أن القرآنَ ليس نصًا فلسفيًا مُحكَمَ البِنية ولا نظريةً معرفيةً منسجمة، بل خطابٌ مفتوحٌ على تعدُد الدلالات، وتداخل الروايات، وتعارُض المقولات. فهو يُقرر أمرًا في موضعٍ، وينقُضُهُ في موضعٍ آخرَ؛ يمدح الرهبان، ثم ينتقد الرهبانية؛ يُمجد المسيح وأمه مريم، ثم يتهم اتباعه بالشرك؛ يدعو إلى التوحيد، لكنَّهُ يقوم على بِنية تصادمية ثلاثية تتحرك فيها مفاهيم الله والإنسان والشيطان داخل مسرح الوجود.

من هذا المُنطلق فالقرآنُ ليس نصًا ثابتًا مُغلَق الدلالة، بقدْر ما هو نصٌّ مفتوحٌ على تعدد القراءات واختلاف التأويلات، ما يجعل الاستناد إليه لإثبات هذا الرأي أو نفي ذاك مسعًى عقيمًا. فالمشكلة لا تُحل بالعودة المتأخرة إلى النصوص، بعد أنْ ترسَّخ التعصب، وتصلَّبتْ الانقسامات، وتحوَّل الاختلاف إلى عداء مُمتدٍ عبْر قرون. فالأجدر هو العودةُ إلى كتب الفِرَقِ والمذاهب، وفيها يَكْمُنُ أصل الداء، وصناعة الهُويات المشحونة، وانبثاق الاستراتيجيات الإقصائية والقاتلة التي ما تزال تحكم الواقع. أما عن الانفتاح الجزئي الذي شَهِدَهُ المسلمون فيما بينهم، أو بينهم وبين غير المسلمين، فهو ثمرةُ مسارٍ اكتسبت فيه الإنسانية مجموعةً مِن القيم والمكتسبات سببها الانخراط في صُلب الواقع الحديث وقوانينه ونُظمه. بل حتى المسيحية نفسها لمْ تتبنَّ خطابَ التسامح إلا بعد هزيمتها أمام الحداثة. ثم إنَّ التسامح، في ذاته، لا يُعالج جوهر المشكلة، لأنه لا يقوم على الاعتراف المتكافئ بالآخر، بل على تساهل مَشوبٍ باعتقاد ضِمني بخطئه أو ضلاله. وهذا ما يجعلنا مُوقنين بأن قِيَم الاعتدال والتعدُد، سواء من التراث الديني أو من التجرِبة الأوروبية، استُعيدت بفعْل الاحتكاك بالعصر الحديث. وما إن حاولَتْ الأصوليات العودة إلى مفاهيم القدامة التي تتبنَاها في تصوُراتها للماضي والحاضر على حدٍ سواء، حتى عاد كلُّ فريق وكل طائفة إلى البحث عن شرعيات مفقودة وسط عالم مُتحوِلٍ ومتغيِرٍ، ولو بالعودة إلى جذور العنف الأولى، والطائفية المقيتة، والصراعات على من هو الأحقُّ والأصوبُ. وتلك هي كُلفةُ الانفصال عن لغة العصر ومفاهيمه، والعمل بنماذجَ وأحكامٍ استُنفدت تاريخيًا، أنْ تنقلب الصحوة إلى ظلام، وأن تتحول الشريعة إلى أداة عنف، وأن تنتهي الهُوية الطائفية بحرب أهلية.[20]

العلماء قبل العامة: مركز الخطر

نحن هنا أمام مُفارَقَةٍ تعتمد التغليط والتضليل، وهي تحميلُ مسؤولية التعصب والتطرف والعنف لـ «العامة والجهلة»، وأن كل ما نراه من أوجُه التعصب والتطرف سببُه الجهل بقِيم الدين وتعاليمه وأُسُسه، وأن هذه الدعواتِ مردُها دومًا إلى دُعاة محدودي العلم وضحلي الثقافة، خاصَةً تلك التيارات السلفية التي تحلُم بعودة الأمجاد الغابرة، والماضي المُمجد في الذاكرة الدينية، أي أن هؤلاء هم من شوَّهوا صورة الإسلام بأفعالهم الوحشية، وليس كبار القوم أو علمائهم. غير أن التأملَ في هذه الدعوى يُزيح عنها آليات التضليل التي تحاول أنْ تتستَّر وراءها، إذ إنها تتجاهل حقيقة أساسية: أن العامةَ والسلفيين، على السواء، هم نتاجُ منظومة تعليمية ودعوية صاغها كبار العلماء والمنظرين، وتشرَّبوا أفكارهم، واحتكموا إلى كُتبهم، واستندوا إلى فتاواهم. من هنا، لا يُمكننا فقط أنْ نُلقي اللوم على القاعدة الصلبة لهذا الخطاب، وهي الفئةُ التي آمنتْ بمصداقيته وجعلتْه المرجع والمصدر، بل اللومُ أيضًا على القمة الفكرية والمرجعية التي خاطبتْ العامة، وروَّجتْ لأكاذيبها وقِيمِها وقواعدها مُعتمدة في ذلك على خطاب التكفير المتبادل، وشرعنَتْ لثقافة الإقصاء بتصنيفاتهم الهُوياتية الصلبة، وأنتجَتْ أحكامًا فقهية مُشبَعةً بالتمييز والعنف الرمزي. هؤلاء هم البِنيةُ التحتية للتطرف، وهم مصدرُه الأول، لا نتائجه العرضية.

وإذا كان هذا هو شأن الأصوليات الدينية، فالأمر لا يقِلُّ خطرًا مع فئة أخرى تُمَثِّلُ العُملة المقابلة لهؤلاء، وهم مثقفون ونخبة أكاديمية جعلَتْ كل همِها وغايتها هو تسخيرُ إمكاناتها العقلية والمنطقية والتنظيرية من أجل تلبيس الحق بالباطل، والتبرير للواقع، والتدليس الإيديولوجي، معتمدين في ذلك على ما وصلَتْ إليه الإنسانية من أدوات معرفية، واختراعات تكنولوجية، ووسائل إعلامية. وبدل أن يكون هؤلاء السند للتعدد والاختلاف والتنوع، صار عملهم هو طمْسُ كل هذا التنوع، والتبرير لمشاريعهم التي تتغيَّى النفوذ والهيمنة والسلطة، حتى صار خطرهُم على المجتمع يفُوق، في كثيرٍ من الأحيان، خطرَ الأصولياتِ الدينية والعامة والجهلة. وهذا ما يؤكده الواقع عند فئات كبيرة من المثقفين والنخبة الأكاديمية، بما فيهم حداثيين ويساريين أغرتْهُم شعاراتُ الأصولياتِ الدينية، وبدؤوا في الترويج لبعض مقولاتها، سَعْيًا إلى تحالُفٍ هجين، غايتُه الوقوف ضد الإمبريالية الرأسمالية باعتقادهم. وهو سلوكٌ مألوف في تاريخ اليسار العربي، حين يُهاجم الأفكار الليبرالية التي تحرِّره، ويدافع في المقابِل عن أنظمة شمولية تُصادِر حريته. عبْر الاصطفاف مع مشاريع تدمير للهُويات العربية الإسلامية ضِمن ما سُمِّي بمحور الممانعة، إلى أن أيقظتْهُم وحشية تنظيم داعش، وجبهة النُصْرَةِ، وأحرار الشام، وغيرها من العملات الرائجة في سوق التطرف الإسلامي.[21]

لكن هذا لا يجعلنا نُنكر وجود رجال دين منفتحين، مؤمنين برُوح الدين، وقيم الإنسان، مدركين لخُطورة التطرف والقوة العنيفة في تدمير الإنسانية، ممتنعين أن يكونوا سيوفًا على الآخرين المختلفين، مكتفين بالقول إن الحسابَ شأن إلهي لا بشري. وهو اتجاه على قلَتِه يبتغي الصدق في مقولاته، مُحاولًا أن يرمي حجرةً في مياه راكدة من ثقافة لا تريد الزحزحة عن أماكن العنف والتطرف، ومن ثمَّ الدفع في اتجاه الإصلاح والتجديد، استجابةً للتحولات العميقة التي عرفتها المجتمعات المعاصرة. غير أن الموجةَ الأصولية، أو ما سُمِّي في فترة السبعينيات من القرن الماضي بالصحوةِ الإسلامية[22]، جعلَتْ كثيرين ينخدعوا بمقولاتها وشعاراتها التي كانت أقوى من نياتهم، فابتلعَت مشاريعهم وأفشلتْها. لقد ظلوا أسرى ثوابت عقدية ومنظومات فقهية عاجزة عن استيعاب العصر، إلى أن استفاقوا على حجْم الكوارث التي تخلفها الأصوليات الدينية، والمقولات السلفية الجامدة، ليتبنوا خيار الدولة المدنية والعلمانية المحايدة، صراحة أو موارَبة. لكنّ هذه المراجعاتِ جاءتْ متأخرة، وظل أصحابُها قِلَّةً محدودة التأثير، في مواجهة جحافل الدعاة الذين احتلوا الفضاء العام، وصنعوا جماهير طائفية هائجة تبحث عن عدو تقاتله، فكانت النتيجة حروبًا أهلية وخراب مدن، كما وقع في أحداث ما سُمِّي بالربيع العربي.

الجاهلية… ومفارقة العنف

ليس هناك ما هو أفظعُ من أن نَنْسب كل مآسينا ومآزقنا الوجودية على «الجاهلية»، كما يفعل من يتحدثون عن «الجاهلية الجديدة»[23]. فالجاهلية، في حقيقتها التاريخية، كانت مرحلة تأسيسية كبرى للعرب في اللُّغة والمروءة. بالفعل كان الجاهلي يقتتل لأسباب بدائية، لكنَّهُ كان يخضع في قتاله لقواعدَ أخلاقيةٍ، فينصف خصمه، ويبكيه بعد قتله، والأهم أنه لم يكنْ يقتله بسبب رأيه. أما القتل على العقيدة، فهو ابتكارٌ ديني خالص. ولذلك كان أهلُ الجاهلية أقلُّ عنفًا، قياسًا بما مارسه أهل الديانات لاحقًا، في الإسلام أو المسيحية أو غيرهما. فالعقائدي المبرمج ضد الآخر هو الذي نسف كل أعراف الإنسانية، وأنتج العنف المنفلت الذي نشهده اليوم.

وكأن طبيعة العقائد وجوهرها لا تُنتج إلا الصدمة والفاجعة، مهما اختلفت أسماؤها وتعددت أنماطها. والناظر في السياق الإسلامي وتاريخه الطائفي والمذهبي يرى بأنَّ لا فَرْق جوهريًا بين مذهب وآخر، إذ يشترك الجميع في منطق التكفير والعنف الكامن في البِنية الثقافية والعقلية المفخَخة، والتخندُق العقائدي، والميْز الطائفي الذي يجعل من التعايش أمرًا مستحيلًا، ويفصل الإنسان عن شريكه في الوطن أو اللغة أو الإنسانية. وقد اشتغل الدعاة، عبر العقود، على محورين متكاملين:

الأول: صناعة الكابوس عبر تغذية المخاوف المتبادلة بين الطوائف أو عبر استعداء الحداثة والعالم.

والثاني: صناعة الحلم عبْر وعدِ الخلافة أو الإمارة أو الدولة المنتظرة التي تستعيد مجدًا غابرًا.

وما إن تُنبَش الذاكرة المريضة وتُرفع المتاريس العقائدية، حتى ينقلب التعصُب حروبًا أهلية مدمرة، أو يتحوَّل إلى استنجاد بالخارج، الذي نستنجد به مرة ليردع بعضنا عن بعض، ومرة أخرى ليؤلِّب بعضُنا على بعض. وفي ذلك دليلٌ على علاقتنا الملتبِسة بالغرب، ننتفع بإنجازاته، ثم ننكرها، أو ننسبها زورًا إلى تراثنا، فنشوِّهُ الحداثةَ والتراثَ معًا.

نحن ضحايا أفكارنا

يمضي علي حرب في تفكيك الخطاب الأصولي في شقِّه المتطرف، مؤكِدا أن لا فائدة من التهرب من المسؤولية التاريخية والأخلاقية التي تواجهنا جميعا. فالكل سُنة وشيعة، الطائفتان الكبيرتان في عالمنا الإسلامي ينحدرون من الشجرة الأصولية نفسها، مهما اختلفت التسميات والتنظيمات. أي من العقلية نفسها، ومن نمط التفكير ذاته، ورؤية الحياة نفسها، الذي تفضي تطبيقاتها إلى الجحيم والحرب الأهلية والتمزق الطائفي. ومن ثمَّ فنحن أمام ذهنيات تستخدم أقصى ما عندها من العنف لتثبيت شرعيتها على حساب الأخرى، حتى صار الدينُ أداةً للهدم لا للبناء، وللسيطرة لا للتدبير الرشيد. والمفارَقة أن أصحابَ المشاريع الدينية—دوَلًا أو أحزابًا أو تنظيمات—لا يُعيرون القيم الإنسانية الأساسية أي اهتمام، لأن هاجسَهُم هو السلطةُ، ولو كان ثمنها نقْض كل ما يدعون الدفاع عنه.

وعلى الرغم من أن هذا النقد يَهْدِفُ إلى موضعة الدين في سياقه الطبيعي، فهو لا يَهْدِفُ أساسًا إلى إلغاء الدين من الحياة الاجتماعية، ومن نفوس الناس، بل فقط إلى تفكيك ما هو عدوانيُ ومدمِّرٌ فيه. فيصير النقدُ هنا هو تحريرٌ للدين نفسَه، أو عودته إلى صيغته الطهرانية، التي لا ينبغي فيها أنْ يُختزل في منظومة عقدية مغلقة، بل يُتعامل معه بوصفه تراثًا واسعًا وغنيًا من النصوص والخطابات، يتجاوز الفقه والعقيدة، ويتيح إمكانات لا نهائية للفهم والتأويل وإعادة البناء. هكذا تعامل الغرب مع تراثه الديني، وهكذا تعامل العلماء المسلمون الأوائل مع المعارف اليونانية وغيرها، وهكذا فعل مفكرو العصر الحديث، حين حاولوا أن يجعلوا من الدين مصدرَ قوة وإشعاع بدل أن يتحول إلى عبءٍ حضاري، ومصدر لعجز جماعي. وهي مُهمة صعبة تجعلُنا نخوض معركة الوعي بعدم تحرير الإسلام من إرهابييه أو الحاملين لمشروع العنف فيه فقط، ولكنْ التحرر من تلك النظرة الاختزالية التي ترى في الإسلام مشروعًا عقائديًا اصطفائيًا، وتحويل التراث إلى طاقة حضارية حية، تخدُم الحياة بدل أنْ تستعبدها، تُحيي الإنسان بدل أنْ تخيفه، وتنشر الأمن والسلام بدل تعميم الحرب والعنف. أي أننا داخل هذا الواقع لا ينبغي لنا أنْ نعيش لخدمة العقائد، وحراسة الطائفة، وتقديس المذهب والشيخ، بل لنُتْقِنَ فن العيش المشترك. وهذا يقتضي تغييرًا جذريًا في علاقة المسلم بهُويته الدينية، في أطُر التفكير، ومناهج العمل، ومقاصد الفهم.

الهُوية العابرة: من العقيدة إلى الإناسة

يُصِرُّ عديدٌ من الأصوليين على خلْق مزيدٍ من التوتر الفكري والديني والثقافي داخل مجتمعاتنا بِناءً على مجموعة من المقولات والأنساق العقدية المغلوطة، وذلك بالإصرار على تعريف أنفسهم بوصفهم جماعةً ثقافية إسلامية عابرة للقارات والمجتمعات والأوطان، ولكنّ ما يتجاهلونَهُ هو أن هذه الجماعةَ لم تكنْ، ولا يمكن أنْ تكونَ، استثناءً في التاريخ البشري، ولا «خير أمة» بالمعنى التفاضلي المتعالي، بل هي جماعةٌ بين جماعات أخرى، عاشت التاريخ بخيره وشره، بإنجازاته وإخفاقاته، لا أشرف ولا أدنى. ولعل ما يؤشر عليه التاريخ الإسلامي لخيرُ شاهدٍ على الفترات الحالكة من التقاتل والتعنيف والتسلط الديني. ولهذا وجب أنْ يكون الموقف الصائب، والنظرة المتزنة هو أنْ تتعامل الجماعة الإسلامية مع ذاتها بوصفها جماعةً بشرية، تدخل في علاقة طبيعية مع سائر الجماعات، بلغة التواصل والتحاور، أو الشراكة والتبادل. وهذا بالضبط ما يفعله من يُحسِنُ قراءة الصدمات والتراجعات والتحولات الكبرى، إذ يُعيد النظر في هُويته، لا ليغلقها، بل ليُعيد ترتيب علاقته بالآخر وبالعالم.

في هذا العالم الإنساني يستحيل أن يمتلك أحدُنا هُوية خالصة أو ثابتة، فتلك أسطورة كبرى. أي نحن داخل الفضاء الإنساني كائنات بهُويات مركبة، منسوجة من تعدُد العناصر والروافد، ومشحونة دومًا بالتوتر والالتباس بين الميول والنزعات. هُوياتنا ليست خلفنا، بل أمامنا؛ أي إنها صيرورةٌ مفتوحة، بقدر ما نملك القدرة على الابتكار والإضافة، فكرة خلَّاقة، قاعدة نافعة، أداة فعالة، أو حتى علامة رمزية جاذبة. هكذا تُمارَس الهُوية اليوم على نحو كوني وعابر، قائم على التفاعل والتبادل الخلاق، خصوصًا في عصر تَتَكَوَّنُ فيه هُويات هجينة، مُتعددة اللغة والانتماء والإقامة والمهنة. أما التمسك بالاستثناء الثقافي أو النقاء الهُوياتي، فلا يُفضي إلا إلى العُصاب والمرض، ويقود أصحابه إلى الانغلاق والعنف[24].

نحن هنا أمام مُفترق طرقٍ، لم يعد فيه مقبولًا إرجاء الأزمة أو تدويرها. بعد أن بات واضحًا أن المشاريعَ الدينيةِ لم تُنتجْ سوى نقيضِ ما وعدت به: فسادًا، خرابًا، وسفكًا للدماء. لقد صُنع «التنين الإرهابي» داخل منظومات التعليم الديني، والكتب الصفراء، وأروقة السياسات المتحالفة مع الأصوليات الدينية، كما انتقل من الغرف المعتمة إلى الشاشات، برعاية صريحة أو ضمنية من صُناع السياسة في مجتمعاتنا. وبهذه السلطات الرمزية التي حازها رجال الدين، ودعاة الجهل المقدس، صار رجلُ الدين هو الأبُ والمعلم والمثقف والسياسي، فازداد الخراب بدل الإصلاح. وبسقوط المشروع الديني يسقط شعار «الإسلام هو الحل»، الذي مَنَح الإسلاميين فرصَتهم للحكم، وتربُعهم على مقاليد السلطة، فقد حولوا كلَ الدول التي شاركوا في حُكمِها إلى ساحاتٍ للاقتتال الداخلي، والعنفِ الطائفي، فأخفقوا حيثما حلُوا وارتحلوا. هذا عن أعدلهم وأوْسطهم مثل جماعات الإخوان المنتشرة في ربوع الوطن، أما التنظيمات الأشد تطرفًا، فقد قدمت الترجمة النهائية لفكرة الدولة الدينية مسخًا كاريكاتوريًا أو جلادًا إرهابيًا.

خاتمة:

لن نكون مبالغين ونحن في ختام هذا البحث أنْ نُجرد ما توصلنا إليه من مقاربة موضوع العنف الديني، والتطرف العقائدي، ولعل النتيجة الكبرى التي نخلص إليها هي أن ظاهرةَ الإرهاب والتطرف العنيف لا يُمكن اختزالها في بعدٍ واحد، ولا ردها إلى عِلة بسيطة من قبيل الجهل أو سوء الفهم الديني أو الانحراف الأخلاقي الفردي. إننا أمام بِنية مركبة تتداخل فيها النصوص، والتأويلات، والسلطات، والتاريخ، والرهانات السياسية، بما يجعل الإرهاب نتاجًا ثقافيًا ومعرفيًا بقدر ما هو فعلٌ عنيف مادي.

إن استعمالنَا للمقاربة التفكيكية التي اقترحها علي حرب في كتابه هكذا أقرأ ما بعد التفكيك، تمنحنا إمكان الانتقال من منطق التشخيص والوقوف عند عتبات الظواهر، إلى النفاذ إلى عمق الأزمات لمساءلتها والكشف عن آليات الحجب فيها، التي لم يَعُدْ السؤال فيها هو: من ارتكب العنف؟ بل: كيف صُنعت شروط إمكان هذا العنف؟ وكيف تحول الخطاب الديني أو الإيديولوجي إلى أداةٍ للهيمنة، ومجالٍ لإنتاج الشرعية، ومخزنٍ رمزي للعنف المقدس؟ كما يكشف هذا المسار التحليلي أن التعاملَ مع النصوص كيفما كانت طبيعتها، لا يجعلنا نُجزم بأن النصوصَ وحدها هي مصنعُ العنف الأوحد، بل لا بُدَّ من استحضار السياقات الثقافية والفكرية والسياسية والاجتماعية، فحين تُفصل النصوص عن سياقاتها التاريخية، وتُنزَع عنها تعدديتها الدلالية، وتُستثمر داخل منطق اصطفائي يُقسَّم العالم إلى حق مطلق وباطل مطلق. عند هذه النقطة، لا يعود العنف انحرافًا، بل يغدو واجبًا، ولا يعود القتلُ جريمةً، بل فعلُ تطهيرٍ أو خلاصٍ.

ما يسعى فيه البحث باختصار، هو أن الأصوليةَ في جوهرها ليست عودة إلى الدين، بل قطيعةٌ معه بوصفه تجرِبة رُوحية وأفقًا أخلاقيًا، وتحويله إلى أيديولوجيا مغلقة تشتغل بمنطق السلطة لا المعنى، وبمنطق الإقصاء لا التعارف. وهي، في ذلك، لا تختلف كثيرًا عن الأصوليات العلمانية أو الإيديولوجيات الشمولية التي مارست العنف باسم العقل، أو الأمة، أو التاريخ. ولعل ما شاهدناه طوال مسار التاريخ، وكذلك من داخل مقاربة علي حرب لصناعة الإرهاب يجعلنا موقنين بأن الإرهابَ لا يُصنع في الهامش فقط، وإنما في المركز كذلك، أي في أنماط التفكير، وفي المؤسسات الرمزية، وفي الخطابات التي تدَّعي امتلاك الحقيقة، وتمنح نفسها حق الوصاية على الإنسان. ولذلك، فإن تفكيكَ الإرهاب لا يَمرُّ عبر الحلول الأمنية وَحْدها، ولا عبر تجميل الخطاب الديني، بل عبر نقدٍ جذري لبِنية المعنى والسلطة، وإعادة التفكير في علاقتنا بالنص، وبالهُوية، وبالاختلاف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

[1] – فيري، لوك. تعلم الحياة. ترجمة سعيد الولي. دون دار النشر، أو طبعة أو تاريخ. ص: 167.

[2] – المرجع نفسه ص: 167.

[3] – المرجع نفسه ص: 170.

[4] – المرجع نفسه ص: 170.

[5] – علي، حرب. هكذا أقرأ ما بعد التفكيك. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1،2005. ص: 19.

[6] – كريستوفر، باتلر. ما بعد الحداثة مقدمة قصيرة جدا. ترجمة نيفين عبد الرؤوف. مؤسسة هنداوي، ط1،2016. ص:28.

[7] – علي حرب، المرجع السابق. ص: 21.

[8] – علي، حرب. أوهام النخبة أو نقد المثقف. المركز الثقافي العربي، ط3،2004. ص: 107.

[9] – علي، حرب. هكذا أقرأ ما بعد التفكيك. ص: 22.

[10] – المرجع نفسه ص: 25.

[11] – المرجع نفسه ص: 26

[12] – حرب، علي. النص والحقيقة II. نقد الحقيقة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993، ط1. ص 16.

[13] – علي حرب. هكذا أقرأ ما بعد التفكيك ص: 30.

[14] – ميشال، أونفري. نفي اللاهوت. ترجمة مبارك العروسي. منشورات الجمل، ط1،2012 . ص: 27.

[15] – هناك كتاب «المثقفون» (Intellectuals) للكاتب والمؤرخ البريطاني بول جونسون يحكي فيه تناقضات المثقفين بشكل عام، هو كتاب نقدي-فكري صادم، يتناول فيه جونسون صورة المثقف الحديث، لكن ليس من زاوية أفكاره بقدر ما هو من زاوية سلوكه الأخلاقي وحياته الشخصية وتأثيره الواقعي.

[16] – تشارلز، تاونزند. الإرهاب مقدمة قصيرة جدا. ترجمة محمد سعد طنطاوي. مؤسسة هنداوي، ط1،2014 . ص: 9 .

[17] – المرجع السابق ص: 11.

[18] – علي، حرب. الإرهاب وصناعه المرشد، الطاغية، المثقف. الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1،2015. ص: 15.

[19] – المرجع نفسه. ص: 18.

[20] المرجع نفسه. ص: 18.

[21] – انظر ما كتبه حول داعش عبد الباري، عطوان. الدولة الإسلامية، الجذور، التوحش، والمستقبل. دار الساقي، ط1،2015.

[22] – يشير مصطلح الصحوة في أدبيات الحركات الإسلامية إلى ذلك الإقبال على فهم الإسلام والعمل به والاحتكام إليه. والذي بدأ ينتشر بقوة في أصقاع العالم الإسلامي منذ السبعينيات من القرن الماضي.

انظر ما كتبه حولها عبد الكريم، بكار. الصحوة الإسلامية صحوة من أجل الصحوة. دار السلام للطباعة والنشر، ط1،2011. ص: 13

[23] – يرى محمد قطب إنما الجاهلية – كما عناها القرآن وحددها – هي حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدى الله ، ووضع تنظيمي يرفض الحكم بما أنزل الله : أفحكم الجاهلية يبغون ؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ !

محمد، قطب. جاهلية القرن العشرين. دار الشروق، ط12،1992. ص: 7.

[24] – يرى طرابيشي بأن الخطاب العربي خطاب مأزوم ويعاني من حالة عصاب جماعي، لأنه يصدر عن ثنائية شالة فكأن لا تراث إلا في مواجهة العصر وبالمضادة معه، وكأن لا أصالة إلا في مواجهة الحداثة وبالقطيعة معها. وإنما لأن كل مرض بالماضي هو مرض من العصر، فإن خطاب الارتداد إلى التراث غالبا ما يقترن، عن ضرورة شبه قهرية بخطاب ارتداد عن العصر.

جورج، طرابيشي. المرض بالغرب التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي. رابطة العقلانيين العرب، دون تاريخ أو طبعة. ص: 12.

 

*تكوين