المجلة الثقافية الجزائرية

الفن الذي علّم العالم كيف يضحك وكيف يرتجل

كوميديا ديلارتيه أو الكوميديا الإرتجالية: الفن الذي علّم العالم كيف يضحك وكيف يرتجل

 بقلم: أحمد . م . مكاراتي 

إنها ليست مجرد فصل في تاريخ المسرح بل هي الشرارة الأولى للمسرح الحديث والجذر الذي تفرعت منه معظم الفنون الضاحكة التي نعرفها اليوم (من مسرحيات موليير إلى سينما شارلي شابلن ).

ففي منتصف القرن السادس عشر وتحديداً في إيطاليا ولد نوع جديد وفريد من الفنون المسرحية عُرف بكوميديا ديلارتيه وقبل الخوض في تفاصيل هذه الكوميديا تعالوا لنتعرف على الأصل في التسمية 

جاءت كلمة ديلارتيه من اللغة الإيطالية وهي تتكون من شقين:

Dell) ) تعني ( من أو الخاص بـ ) .

( Arte) تعني ( الفن أو الحرفة – المهنة ).

وبالتالي فإن الترجمة الحرفية للعبارة كاملة هي كوميديا الحرفة أو الكوميديا الاحترافية.

وللغوص في التفاصيل علينا ان نعرف كيف ولدت هذه التسمية ؟ وماذا كانت تعني وقتها ؟

في القرن السادس عشر وفيما أطلق عليه عصر النهضة في إيطاليا لم تكن كلمة Arte تُستخدم فقط للترجمة الجمالية لكلمة فن كما نعرفها اليوم بل كانت تُطلق على النقابات المهنية أو التجمعات الحرفية مثل نقابة البنّائين أو نقابة الصاغة أو نقابة التجار. ولذلك ارتبط الاسم ببدء مرحلة جديدة في تاريخ المسرح لسببين أساسيين :

1- الإحتراف مقابل الهواية :

قبل ظهور هذا الفن كان التمثيل مجرد هواية يمارسها الهواة أو النبلاء في البلاط الملكي والجامعات.

أما فرقة الكوميديا ديلارتيه فكانت تتكون من ممثلين محترفين يتخذون من التمثيل مهنة وحرفة و يتقاضون عليها أجراً كما وأن لديهم فرق رسمية ونقابات تنظيمية.

2- صنعة وإتقان الممثل :

كلمة حرفة تشير أيضاً إلى أن الممثل في هذا النوع من المسرح يجب أن يكون حرفياً بارعاً يتقن أدواته من أكروبات وارتجال ولغة جسد ولياقة عالية وموسيقى تماماً كما يتقن النجار أو الصائغ حرفته.

في بداياتها لم تكن تُعرف بهذا الاسم في الشارع بل كان الجمهور يسميها الكوميديا الارتجالية أو كوميديا الموضوع أوكوميديا المخطط. ولم يُصبح مصطلح كوميديا ديلارتيه شائعاً وموثقاً رسمياً إلا في القرن الثامن عشر وصاحب الفضل بهذا الجنس المسرحي هو الإيطالي الشهير كارلو غولدوني. الذي ظهر 

في وقت كان فيه المسرح يقتصر على النصوص الكلاسيكية الجافة التي تُعرض في قصور النبلاء. فابتكر وأخرج الكوميديا ديلارتيه إلى الشوارع والساحات العامة حيث أخذ الممثلون المحترفون يجوبون المدن بسياراتهم وعرباتهم الخشبية ليعيدوا المسرح إلى حضن الجمهور الشعبي عبر أسلوب تعبيري مبتكر يعتمد على الارتجال والأقنعة والحركة الجسدية.

لم تكن الكوميديا ديلارتيه مسرحاً عشوائياً بل اعتمدت على قواعد فنية صارمة أظهرت سحر هذا الفن

فلم يكن هناك نص مكتوب بالحوارات الكاملة كما في المسرح التقليدي. فبدلاً من ذلك كان الكاتب يضع سيناريو أو خطة عامة تُعلق خلف الكواليس تحتوي فقط على رؤوس أقلام للقصة 

مثال : يدخل الخادم ويخدع سيده لتظهر الحبيبة ويحدث شجار أما الحوار والنكات ( الافيهات ) فكانت تُبتكر لحظياً على الخشبة بناءً على تفاعل الجمهور.

يتكون الفريق المسرحي في كوميديا ديلارتيه دائماً من شخصيات نمطية مكررة يعرفها الجمهور بمجرد ظهورها على المسرح وتقسم غالباً إلى ثلاث فئات رئيسية:

الأسياد :

بانتالوني : التاجر البندقي المسن الجشع والبخيل الذي يطارد النساء الشابات دائماً.

إل دوتوري : الطبيب أو المحامي المدعي الذي يتحدث بكلام أكاديمي معقد وغير مفهوم ليدعي الذكاء.

إل كابيتانو : القائد العسكري المدعي الشجاعة والذي يهرب ذعراً بمجرد سماع أدنى صوت.

الخدم :

أرليكينو : الخادم الذكي-ا لذكي الأحمق الذي يتميز بزيه المكون من معينات ملونة ومروحته الخشبية ويتصرف بمرونة أكروباتية هائلة.

بريجيللا : الخادم الشرير والمخادع و المحرك الأساسي للمكائد.

كولومبينا : الخادمة الذكية الجريئة والوحيدة التي تتمتع بالعقل السليم وسط جنون الجميع.

العشاق :

الشخصيات الوحيدة التي لا ترتدي أقنعة و تتحدث بلغة شعرية وأناقة مفرطة وتدور الأحداث دائماً حول محاولتهم الزواج رغم رفض الأسياد.

ولكي لا يقع الممثلون في فخ الفراغ أثناء الارتجال كان لديهم مخزون من مشاهد الحركة الهزلية والخدع الجسدية الجاهزة المُدرَّبة بدقة تُسمى ( لاذي ) مثل السقوط المفاجئ أو ملاحقة ذبابة وهمية أو الشجار الخفيف حيث يتم إقحامها لإثارة ضحك الجمهور إذا قلّ حماس المشهد.

واهم عناصر هذه الكوميديا هي الأقنعة واللغة الجسدية حيث شكلت الأقنعة المصنوعة من الجلد جزءاً جوهرياً من هذا الفن إذ كانت تغطي نصف الوجه لتترك الفم حراً للكلام حيث فرض القناع على الممثل اعتماداً كلياً على تعبيرات الجسد و الصوت والرقص والمرونة الأكروباتية.ومن المفيد ذكره ان الفرق المسرحية للكوميديا ديلارتيه هي الأولى في تاريخ المسرح الأوروبي التي تسمح للنساء بالصعود إلى المسرح والتمثيل بعدما كان العنصر النسائي محظوراً ومحصوراً على الرجال والفتية

يتقد البعض ان كوميديا ديلارتيه انقرضت بحلول القرن الثامن عشرلكنها حافظت على نفسها و انصهرت في روح الفن العالمي فتأثر بها الكاتب الفرنسي موليير بشكل مباشر وصاغ منها أعظم مسرحياته (مثل البخيل والمريض بالوهم ).

كما اعتمد أسطورة الكوميديا في السينما الصامتة شارلي شابلن على تقنيات الكوميديا ديلارتيه (الجسد والحركة والنمط الثابت) في أفلامه.

كما انتقل تاثيرها للمسرح العربي فأثرت بشكل واضح في إرهاصات المسرح الشعبي العربي (مثل خيال الظل ومسرحيات الكوميديا الاجتماعية التي تعتمد على النمط والارتجال).

 وأختم فأقول : 

إن سر خلود الكوميديا ديلارتيه يكمن في أنها لم تكن مجرد عرض مسرحي بل كانت احتفالاً بالحياة والشغف وقد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن المسرح لا يحتاج دائماً إلى نصوص ضخمة وديكورات مكلفة بل يحتاج فقط إلى ممثل بارع وقناع يعبر عن النوازع البشرية وجمهور يتطلع إلى الضحك من أعماق قلبه.

المراجع …

د. علي الراعي – مسرح الشعب (دراسات في المسرح الشعبي)

د. جلال العشري – سقوط الأقنعة في المسرح المعاص

د. إبراهيم حمادة – معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية

كارلو غولدوني – مذكرات غولدوني (ترجمة ودراسات حول إصلاح الكوميديا الإيطالية).

=============