سلسلة على حافة الأدب: نور لا يأفل 2
بقلم: بومدين حدوش
نورٌ لا يأفل
في ذكرى المولد النبوي، لا يستعيد الناس مجرد تاريخ؛ فالتواريخ العادية تُنسى غالبًا بمجرد أن تنتهي المناسبة التي احتفت بها. لكن ثمة ولادات من نوع آخر؛ ولادات لا تُقاس بلحظة وقوعها، وإنما بما تظل تولّده من معنى بعد قرون من حدوثها.
وهذا بالضبط ما يجعل السؤال عن المولد النبوي مختلفًا عن سؤال الذكرى العابرة: كيف تتحول لحظة ميلاد إنسان واحد إلى نقطة مرجعية يعيد كل جيل من خلالها صياغة علاقته بالمعنى؟
يجيب القرآن عن هذا السؤال بلغة النور، لا بلغة التاريخ:
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ 15 يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 16﴾ [المائدة: 15-16].
والنور هنا ليس إضاءة عابرة تبدد ظلامًا موضعيًا ثم تنطفئ، بل هو طريقة في رؤية العالم؛ لا تكتفي بكشف الأشياء، وإنما تعيد ترتيب العلاقة بينها. ولذلك قرن القرآن النور بـ«كتاب مبين»؛ مرجعية يُرجع إليها كلما التبس الطريق.
فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الطريق، بل قد تكون في فقدان القدرة على رؤيته.
ولعل هذا ما يفسر لماذا اختزل النبي ﷺ غاية بعثته في عبارة لا تتحدث عن معجزة أو محطة تاريخية عابرة، بل عن السلوك الإنساني ذاته. فقد رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
«إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»
أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (رقم 273)، وصححه الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (رقم 45).
وهو معنى يجعل الحديث عن المولد النبوي يتجاوز استعادة الحدث التاريخي إلى استعادة المشروع الأخلاقي الذي جاءت به الرسالة؛ فالبعثة لم تكن تأسيسًا لمرحلة تنتهي بانتهاء زمنها، بل إتمامًا لمكارم الأخلاق، وتقديمًا لنموذج يظل قادرًا على مساءلة الإنسان، حتى بعد قرون من رحيل صاحبه.
وهنا تكمن خصوصية البدايات المؤسسة في حياة الجماعات؛ فالمجتمعات لا تحتاج فقط إلى أحداث تتذكرها، بل إلى نماذج تستطيع أن تعيد قياس نفسها عليها كلما فقدت اتجاهها.
حين تتغير المعايير، وتتداخل الرغبات مع القيم، ويصبح الخطأ قابلًا للتبرير لأنه أصبح شائعًا، تحتاج الجماعة إلى مرجعية تعيد إليها قدرتها على التمييز بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
وهذه إحدى وظائف النموذج الأخلاقي: أن يمنح المجتمع معيارًا يقيس به المسافة بين واقعه وقيمه، بدل أن يترك للواقع وحده مهمة تحديد ما هو صواب وما هو خطأ.
لكن لهذه الوظيفة خطرها المعاكس.
فحين تتحول الذكرى إلى مجرد استحضار عاطفي للنموذج، دون أن تُترجم إلى مراجعة فعلية للسلوك، فإنها تفرغ النور من وظيفته الكاشفة، وتُبقيه رمزًا جميلًا معلّقًا على الجدار، لا معيارًا حيًا يُقاس عليه الواقع.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:
قد يحتفل الإنسان بأخلاق نبيه، ويكثر من الحديث عن رحمته، ثم تكون علاقته بالضعيف، أو المختلف، أو المخالف له، بعيدة كل البعد عن تلك الرحمة نفسها.
فالاحتفاء بالنموذج لا يعني بالضرورة الاحتكام إليه.
ولعل المسافة بين الذاكرة والممارسة هي التي تكشف الفرق بين أن يبقى النموذج حاضرًا في الوعي، وأن يبقى حاضرًا في الحياة.
قد تحتفظ الجماعة بصورة مثالية عن قيمها، وتعيد استحضارها في المناسبات، بينما تتراجع تلك القيم في تفاصيل العلاقات اليومية. وعندها لا يكون الخلل في غياب النموذج، وإنما في المسافة التي نشأت بينه وبين الواقع.
ومن هنا، لا يعود المولد النبوي مجرد مناسبة لاستعادة لحظة مضت، بل يصبح مناسبة لإعادة النظر في معنى استمرار الأثر.
فبعض الشخصيات تنتهي حياتها بانتهاء وجودها، بينما تتحول شخصيات أخرى إلى مرجعيات يُعاد من خلالها قياس الحاضر، وتستمر في طرح أسئلتها على أجيال لم تعاصرها.
وربما لهذا لا يكون خلود الرسالة في أن الناس ما زالوا يتحدثون عنها فحسب، وإنما في قدرتها على أن تجعل الإنسان، كلما عاد إليها، يرى شيئًا جديدًا في نفسه، وفي المجتمع من حوله.
فالنور لا يحتاج إلى أن يثبت وجوده في كل مرة؛ يكفي أنه يكشف ما حوله.
وما يتغير، مع تعاقب الأزمنة، قد لا يكون النور، وإنما المسافة التي يقف فيها الإنسان منه.
فإذا كان نور الرسالة قد ظل حاضرًا عبر القرون، فهل ما يتغير مع توالي الأجيال هو النور نفسه، أم قدرتنا نحن على رؤيته؟


