المجلة الثقافية الجزائرية

عن المسألة الزنبورية

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك 

في حياة أي إنسان مواقف للنجاح، ولحظات تأتي فيها الأشياء إلى جانبه كما يظن أنها ينبغي أن تكون، ومواقف أخرى يتعرض فيها للاخفاق والسقوط والهزيمة؛ غير أن الهزيمة لا تكون دائماً فيما أتصور، دليلا على أن صاحبها كان ضعيفا، فقد يدخل الإنسان معركته وهو يحمل من العلم والخبرة والثقة ما يكفي لأن يطمئن إلى قدرته، ثم يكتشف بعد أن تبدأ المعركة، ان الأمر لم يكن متعلقا بقدرته وحدها، وأن أشياء أخرى قد دخلت إلى الميدان من غير أن يعيرها أدنى اهتمام؛ للسلطة فيها حساب، وللجماعة فيها حساب، وللمكان حساب، وللحظة نفسها حساب آخر. 

وفي كتب التراث العربي، وتحديدا في «طبقات النحويين واللغويين» الذي ألفه أبو بكر الزبيدي في القرن الرابع الهجري، نجد واحدة من أشهر المناظرات في تاريخ العربية، التي وقعت احداثها بين إمامين من أئمة اللغة والنحو، وهما سيبويه إمام البصرة، والكسائي إمام الكوفة، والتي اشتهرت آنذاك بالمسألة الزنبورية؛ التي اختلطت فيها حسابات السلطة والنفوذ مع حسابات العلم والحقيقة، وربما كانت تلك المناظرة مثالا مبكرا على ذلك النوع من الهزائم، التي لا يكون المهزوم فيها بالضرورة أقل قدرة من المنتصر. 

كان سيبويه قد بلغ من العلم والرئاسة في صناعة النحو مبلغا، جعل كتابه من بعده أحد أعمدة هذا العلم، وعندما ورد العراق شق أمره على الكسائي إمام النحويين في الكوفة، فقصد الكسائي جعفر بن يحي بن برمك وأخيه الفضل، وقال: أنا وليكما وصاحبكما، وهذا الرجل إنما قدم ليذهب محلي. فقالا له: فاحتل لنفسك، فانا سنجمع بينكما، فجمعا عند البرامكة، وحضر سيبويه وحده، وحضر الكسائي ومعه الفراء والاحمر وغيرهما من اصحابه، فسألوه: كيف تقول: كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور، فاذا هو هي، أو « هو إياها » ؟ فقال اقول: «فاذا هو هي »، فاقبل عليه الجميع وقالوا: أخطأت ولحنت، فقال يحي بن خالد بن برمك: هذا موضع مشكل، حتى يحكم بينكم جمع من الناس، فقالوا: هؤلاء الاعراب على الباب، فادخل ابو الجراح، ومن وجد معه ممن كان يأخذ منه الكسائي واصحابه، فقالوا إجابة الكسائي: « فاذا هو إياها» فانصرم المجلس على أن سيبويه قد أخطأ في المسألة، واعطاه البرامكة مالا وفيرا، وكان في ذلك من الحرج والهزيمة ما حمله، فيما تروي الأخبار، على مغادرة العراق مهزوما، ويقال أنه ما لبث إلا يسيرا ثم مات كمدا. 

ولعل سائلا هنا يسألني: وما علاقتنا نحن بسيبويه والكسائي والفراء والاحمر، ومسألتهم الزنبورية التي هزم فيها سيبويه؟ ما علاقتنا بمناظرة جرت احداثها منذ أكثر من ألف عام، حول مسألة لا يكاد يتوقف عندها أحد من أهل زماننا؟ نحن لا نعيش في عصر سيبويه والاخفش والخليل، ولا نكاد نختلف اليوم في رفع العقرب ونصب الزنبور، ولا أظن أن أحدا سيطرد من عمله غدا لأنه أخطأ في «فاذا هو هي»؛ فما الذي نفعله اذن في مجلس قديم، وهل نحن نعيش أصلا في زمان يشبه زمانهم، أو نشتغل بما كانوا يشتغلون به، حتى نبحث لأنفسنا عن شيء في مناظرة زنبورية كهذه؟ 

ولمثل هذا السائل اقول: اسمح لي أن أسألك بدلا من ان أجيبك؛ أليس في ثنايا المسألة الزنبورية ان السلطان يميل إلى أحد الطرفين؟ أليس انحياز صاحب السلطة إلى أحد المتنافسين أو تدخله في أمر يفترض أن تحسمه الحجة الدامغة والبرهان، أمرا عرفته المجتمعات القديمة والحديثة معا ؟ وأليس في حياتنا من يميل اليهم السلطان، أو المدير أو صاحب النفوذ، أو صاحب الكلمة التي تستطيع ان تجعل الرأي أقرب إلى الصواب قبل أن نعرف ماذا سيقول صاحبه أصلا؟ ثم أليس في القصة نفسها رجل يدخل المناظرة بعلمه، ثم يجد نفسه في مواجهة رجل لا يقف وحده وانما تقف خلفه مكانة وعلاقات ومجلس وجمهور؟ وهل نحن في زماننا نعيش في عالم مختلف تماما عن ذلك العالم حتى نقول ان هذه الأشياء انقرضت، أم أننا فقط استبدلنا مجلس الخليفة بقاعة الاجتماعات والاعراب الذين يُحتج بلغتهم بجماعات الضغط الذين يُحتج برضاهم؟ 

وهل يحتاج الأمر دائماً إلى سلطان يجلس في صدر المجلس حتى يحدث ذلك؟ ألا يستطيع المجتمع نفسه أن يصنع سلطانا من نوع آخر؟ أليس من الممكن أن يكون الإنسان على حق، لكن الناس لا يحبون ان يسمعوا كلامه، أو أن يكون وحيدا بينما خصمه محاط بمن يكررون كلامه حتى يبدو، من كثرة إعادته وتغيير مسمياته، كأنه الحقيقة نفسها؟ أليس هذا هو ماتصنعه بعض وسائل الاعلام اليوم في الشرق والغرب ؟ وكم من مرة رأينا رجلا يدخل نقاشا وهو يظن أنه يناقش فكرة، ثم يكتشف متأخراً أنه يناقش مكانة صاحب الفكرة، ومن يقف خلفه، ومن يستطيع أن يغير اتجاه المجلس كله؟ 

إن الهزيمة لا تكون دائماً نتيجة نقص في قدرة الرجل، لكن ربما تكون نتيجة اجتماع مكونات كثيرة ضده في اللحظة نفسها؛ مثل السلطة وصاحب القرار والجمهور من ناحية، والظروف النفسية و الجسدية التي لا يراها أحد من ناحية ثانية، ثم تأتي النتيجة في النهاية فينظر الناس إليها وحدها، كما لو أن كل ما سبقها لم يكن موجوداً. 

صحيح أن المسألة الزنبورية، في ظاهرها، مسألة نحوية صرفة، وأن العقرب والزنبور لم يكونا أكثر من طرفين في جملة اختلف العلماء والنحويون في إعرابها، لكن ذلك لا يمنع أن نرى في حيثياتها شيئا من حياتنا، فالطبائع الانسانية واحدة، وان خلا زماننا من اعراب العقرب والزنبور، ومن «هو هي» و«هو إياها» وما شابه من المسائل الزنبورية، فإنه للأسف لم يخلُ بعد من الزنابير.