المجلة الثقافية الجزائرية

من صور الدلالات التأثيرية للإيجاز البلاغي في القرآن الكريم

محمد قائد الحسيني

لا تقتصر وظيفة الإيجاز البلاغي على تكثيف المعنى فحسب، بل تمتد إلى التأثير في نفس المتلقي مبرزة جمال النظم وقوة التعبير، إذ أن اختيار اللفظة، وتكرارها، وحذف ما يدل عليه السياق، والانتقال السريع بين المشاهد؛ كلها عناصر تجعل العبارة القرآنية الموجزة قادرة على الترغيب والترهيب، وبناء صورة جمالية محكمة، بالإضافة لأداء المعنى بقوة لا يحققها الاستبدال أو الزيادة. ومن أهم الدلالات التأثيرية للإيجاز البلاغي دلالة الترغيب والترهيب، والترغيب كل ما يجعل المدعو في شوقٍ وإقبال واستجابةٍ لما يُدعى إليه. وقد وصف الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمبشر في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة الأحزاب، الآية 45). ولأن أسلوب الترهيب غالبًا ما يتقابل مع الترغيب فقد وصف الله النبي صلى الله عليه وسلم بالنذير عقب وصفه بالبشير، والترغيب والترهيب من الأساليب المعروفة في القرآن الكريم، وإذا كان الترغيب كما قيل يجعل المدعو في شوق وقبول واستجابة، فإن الترهيب يبعث فيه هاجس الخوف من التردد وعدم القبول، ويكون غالبًا بذكر مآلات هذا الرفض أو التردد.

وقد تنوع الإيجاز البلاغي في الترغيب والترهيب بتنوع الأساليب القرآنية في الخطاب بين الإضافة والحذف والتقديم والتأخير والتعريف والتنكير والتكرار وغيرها، ومن أمثلة ذلك ما ذكره الله سبحانه وتعالى في وصف الجنة من إيجاز بلاغي فريد من خلال تكرار اللفظ المفرد وهو يتحدث عن الجنة ويرغب فيها ويصف أحوال أهلها في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (سورة الواقعة، الآيات 25-26). ولا يخفى على السامع ما يتركه هذا التكرار من أثر يزيد المعنى وضوحًا بأن أهل الجنة يعمهم السلام والأمان.

يقول الإمام الزمخشري: نلحظ أن تكرار لفظ “سلامًا” شكل إيقاعًا صوتيًا موسيقيًا دلّ على فشو السلام وانتشار الريح المعدة بين أهل الجنة”( ).

ومن الأمثلة في الترهيب ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ (سورة البلد، الآيتان 19-20). حيث في كلمة “مؤصدة” إيجاز واختصار بليغ في التعبير عن شدة إحكام النار وإغلاقها، وفيها يقول الإمام الزمخشري: “مؤصدة” تعني مطبقة، أي إن أبواب النار مطبقة عليهم فلا مخرج لهم ولا منجى، وهذا الإطباق هو الإغلاق المستمر والدائم فلا تُفتح أبوابها لأنهم خالدون فيها أبدًا”( ).

كما يتضح من كلمة “مؤصدة” معنى التجدد والحدوث، وهو ما يعطي دلالات واضحة في الترهيب لأصحاب المشأمة الذين كذبوا بآيات الله.

ومن صور جمال السياق القرآني ودلالته التأثيرية جمال الإيجاز في نظم هذه الآيات في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ (سورة يوسف، الآيات 43-46).

ونلحظ جمال الإيجاز في النظم القرآني في هذه الآيات في عدة مواطن، منها: الاكتفاء بذكر الواو العاطفة في قوله: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ والاستغناء بها عن تكرار لفظ “أرى”. وحذف الفعل “أرى” ولفظ “سبع” في قوله: ﴿وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾. وحذف المسند إليه (المبتدأ) في قوله: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾، والتقدير: قالوا هذه الرؤيا أضغاث أحلام. كما حُذف المتعلّق بالفعل في قوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾، والتقدير: أرسلوني إلى يوسف في السجن، وهو فتى عالم بتفسير الأحاديث. وحُذف ذكر إذن الملك وأعوانه في الذهاب إلى يوسف عليه السلام، والتقدير: فأذنوا له وأرسلوه إلى يوسف. كما حُذف تفصيل كلام الرسول المتعلق بالذهاب إلى يوسف وغرض مهمته وما يستلزمه من التأكد من صحة المعلومات ونحوها، ثم انتقل الخطاب مباشرة إلى يوسف: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾.

يقول محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم، وهو يتحدث عن الإيجاز البلاغي في القرآن الكريم: “لسنا ندري والله ما نقول لك في أسلوب معجز في وصفه كما هو معجز في نفسه، غير أننا نقول كلمة هي جملة القول فيه، وهي أنه ينتهي ويكتفي عنده بنهايات الفضيلة كلها على تباعد بين أطرافها”. ثم يقرر أن الإيجاز البلاغي في القرآن هو القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى.”( )، والإيجاز يقوم على إيصال المعاني الغزيرة بأقل الألفاظ مع الوفاء بحق المعنى دون إخلال، وفي القرآن أمثلة متعددة وبوسائل وأساليب متنوعة، بما يحقق قوة الدلالة وجمال النظم القرآني، ويُظهر الإعجاز الذي تحدى أرباب اللغة، ويكشف عن القوة البلاغية للنص القرآني وروعة نظمه وترتيبه.

كما تتجلى الدلالات التأثيرية من خلال قوة التعبير القرآني في إعجازه البياني ودقة ألفاظه وعمق معانيه، فالألفاظ القرآنية وضعت بإحكام وحكمة إلهية، بحيث لا يمكن استبدالها بمترادفات أخرى دون أن يختل المعنى أو يتأثر إيقاع الآيات ونظمها. والإيجاز واحد من دلائل قوة التعبير القرآني، إذ يبلغ قدرته في إيضاح المعاني الواسعة والكبيرة من خلال ألفاظ موجزة أو محددة.

ومن أمثلة الإيجاز في إبراز قوة التعبير القرآني قوله تعالى: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (سورة الأعراف، الآية 44).” قال تعالى على لسان أصحاب الجنة: ﴿مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا﴾ بالتخصيص لهم، ولم يقل “ما وعدكم ربكم” مع أصحاب النار، وذلك لأن الكافرين لا ينكرون فقط ما وُعِدوا به، بل ينكرون ما وُعِدوا وما وُعِد غيرهم، وكل ما يتعلق بالبعث والحساب والقيامة، فهم ينكرون ما يتعلق بهم وبغيرهم. فالسؤال لم يكن عن ما وُعِدوا به فقط، ولكن عن الوعد بصورته العامة، وبذلك جاء التعبير بـ﴿مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾، ولو قيل “ما وعدكم” لكان جزءًا من المعنى بدلًا من كله، إذ إن السياق يشمل الوعد العام بالحساب والبعث.”()

والإيجاز هنا يعد نوعًا من أنواع الإحكام في التعبير، حيث جعل الأسلوب القرآني أكثر قوة وجمالًا مع دلالته الواضحة والجليّة على المعنى المراد.

وقد دلت النماذج التطبيقية على أن الأثر النفسي والجمالي والتعبيري للإيجاز متولد من وحدة النظم، لا من قلة الألفاظ منفردة. فقد أدى التكرار في مقام الترغيب وظيفة صوتية ونفسية، وأدت اللفظة المفردة في مقام الترهيب معنى الإحاطة والاستمرار، وحقق الحذف في قصة يوسف سرعة السرد وترابط مشاهده، كما كشف اختلاف التعبير في خطاب أصحاب الجنة وأصحاب النار عن دقة التخصيص والعموم. وبذلك يجمع الإيجاز القرآني بين تمام المعنى وقوة التأثير وجمال الصياغة.

 

 (1) الكشاف للزمخشري، ص 1076.

 (2) المرجع السابق، ص 1204.

 (3) النبأ العظيم، محمد عبد الله دراز، ص 108.

 (4) أسرار البيان في التعبير القرآني الدكتور فاضل السامرائي ص 68.

 

 

*كاتب وباحث يمني